العنوان وفاء لذكراهم: مصلحون رحلوا في فبراير..
الكاتب عبده دسوقي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2022
مشاهدات 85
نشر في عدد 2164
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 01-فبراير-2022
الخترش وآل محمود والعشماوي
الخترش.. درس الاقتصاد وشارك في تأسيس لجنة تطبيق الشريعة والحركة الدستورية وأمانة الأوقاف
آل محمود.. رشحه الملك عبد العزيز للفتيا في قطر فأصبح مرجعها وأسس القضاء الشرعي بها
العشماوي.. كان واحداً من الثلاثة الذين رشحهم «الإخوان» لتولي حقائب وزارية بعد ثورة يوليو 1952م
عبده دسوقي
باحث في التاريخ الحديث
إن تناول حياة الرجال العظماء الذين رسخوا قواعد دعوة الإسلام المعاصرة ليست مادة تطرح من أجل الاطلاع أو التسلية؛ بل إن مراجعة تلك الحيوات والأحداث والتصرفات هي مادة للتأمل، والتعلم، والاعتزاز بوجود مثل هؤلاء الذين آلوا على أنفسهم إلا أن يحملوا أمانة الدعوة إلى الله تعالى.
وفي مثل هذا الشهر (فبراير) رحل فيه بعض هؤلاء العظماء، ومنهم:
سامي عبد العزيز الخترش.. المسيرة الطيبة
لا تقاس أعمال الإنسان بعمره، فكم من صغار السن صنعوا أمجاداً في حياتهم، وتركوا سيرة عطرة يتدارسها الناس، ومن هؤلاء سامي الخترش.
ولد سامي عبدالعزيز الخترش في 16 يناير 1960م، وعاش في منطقة الشويخ بالكويت، ونشأ بها في أسرة حرصت على العناية بتعليمه خاصة بعدما ظهر نبوغه وتميزه العلمي.
أكمل تعليمه الأساسي بمدرسة الغزالي الابتدائية، ثم الشامية المتوسطة، وختمه بثانوية كيفان، قبل أن يتخرج في قسم الاقتصاد بكلية التجارة في جامعة الكويت عام 1984م بتقدير «جيد جداً»؛ ما أهَّله للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة للحصول على الماجستير والدكتوراه التي حصل عليها في مايو 1990م.
وبعدما عاد من أمريكا، أصبح عضو هيئة تدريس في قسم الاقتصاد تخصص اقتصاد رياضي في كلية التجارة والعلوم السياسية (كلية العلوم الإدارية حالياً) عام 1990م، وتولى منصب العميد المساعد للشؤون الطلابية بالكلية عام 1995 -1996م.
كان نشيطاً خلال مرحلته الجامعية؛ فكان رئيساً للهيئة الإدارية لاتحاد الطلبة للعامين الدراسيين 1982/1983 و1983/1984م، كما كان عضواً في الهيئة الإدارية لاتحاد طلبة الكويت في المؤتمر الثامن حتى الثاني عشر (أي خلال دراسته في جامعة الكويت والولايات المتحدة الأمريكية)، وعضواً بالهيئة الإدارية في اتحاد طلبة الكويت فرع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1988م.
كان محباً للقرآن الكريم، فحرص على حفظ بناته له وإتقانه، وكان أحد مؤسسي اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأحد مؤسسي الحركة الدستورية الإسلامية، وأحد مؤسسي الأمانة العامة للأوقاف، وقد عمل مستشاراً علمياً للأمين العام للأمانة، كما عُين مديراً لمركز أبحاث الوقف والدراسات الاقتصادية بها.
اتصف ببره الشديد بوالديه، واشتهر بتواضعه الجم ونشاطه في العمل لتصحيح مفاهيم الإسلام؛ فكان مربياً لكل من تعامل معه في البيت والعمل والشارع.
اكتشف عام 1996م إصابته بالسرطان؛ فصبر واستمر عاملاً لدينه ووطنه ومجتمعه حيث لم يهزمه مرضه، حتى سكن هذا الجسد بعد صراع شديد مع المرض لسنوات في فجر يوم الأحد الموافق 6 ربيع الآخر 1435هـ/ 7 فبراير 2014م.
عبدالله آل محمود.. مؤسس المحاكم الشرعية بقطر
كان أحد تلاميذها النجباء ثم صار معلمها وقاضيها الشرعي، إنه الشيخ عبدالله بن زيد بن محمود الذي ولد في حوطة بني تميم بجنوب نجد بالحجاز عام 1327هـ/ 1907م، ومات والده وهو صغير فتولت أمه تربيته؛ حيث دفعت به في جدول العلم الرقراق لينهل منه.
اتصف الشيخ بالفطنة والذكاء والقدرة على الحفظ؛ ما ساعده على حفظ القرآن والعلوم التي كان يدرسها على يدي علماء عصره أمثال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي السعودية، الذي رشح الشيخ عبدالله للتدريس في مكة، كما سافر إلى قطر طلباً للعلم على يد الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع عام 1933م.
وفي مطلع ذي الحجة 1359هـ/ 1940م، قدم الشيخ عبدالله بن قاسم آل ثاني إلى مكة قاصداً الحج، وبعد أداء الفريضة طلب من الملك عبدالعزيز آل سعود أن يبعث برجل يصلح للقضاء والفتيا حيث كانت قطر في ذلك الوقت دون قاضٍ، بعد أن غادرها محمد بن مانع، وقد وقع اختيارهما على الشيخ عبدالله بن زيد بإيعاز من الشيخ ابن مانع، ومنذ ذلك الوقت وحتى وفاته وهو مرجع الفتيا في دولة قطر، والقاضي العادل ومؤسس القضاء الشرعي فيها.
لم يكن ابن محمود بالذي يكتفي بالوعظ والإرشاد، بل سارع بهمة عالية وفطنة وذكاء إلى المشاركة في معالجة قضايا المسلمين وما يعيشون في عصرهم وفق منهج القرآن وهدي النبي عليه الصلاة والسلام.
كما كان خطيباً مفوَّهاً، تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان أديباً وصاحب قدرة بلاغية ويحفظ الشعر ويستشهد به.
ظل عاملاً مجاهداً لدينه، وقد وهب الله تعالى له 17 ولداً وبنتاً في مراكز مرموقة بالدولة، حتى توفي في مدينة الدوحة ودفن فيها في 28 رمضان 1417هـ/ 6 فبراير 1997م.
حسن العشماوي.. حصاد الأيام
في أسرة أرستقراطية، ولد حسن محمد العشماوي، ابن الوزير محمد العشماوي بمدينة المنيا بصعيد مصر، عام 1340هـ/ 1921م، وتلقى تعليمه في المدارس الابتدائية والثانوية، ثم التحق بكلية الحقوق، وتخرج فيها عام 1942م، ثم حصل على دبلوم القانون الخاص 1942م، ونظراً لتفوقه اشتغل في النيابة والقضاء، وذلك قبل أن يستقيل منه عام 1949م.
تعرف العشماوي إلى الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، رفقة صهره منير الدلة (ابن الأثرياء وزوج أخته آمال)، وسرعان ما تقرب من البنا لما امتلكه من مؤهلات قيادية، حتى تم اختياره بمكتب الإرشاد أواخر حياة البنا.
تولى الدفاع عن الإخوان المتهمين في قضايا «الجيب» و»الأوكار»، وفاز بعضوية مجلس نقابة المحامين، كما كان حلقة الاتصال بين الإخوان وحركة الضباط الأحرار، كما كان له دور في إخفاء أسلحة عبدالناصر في عزبة أبيه أثناء معارك القنال التي استغلها عبدالناصر فيما بعد في تلفيق القضايا له!
كان واحداً من الثلاثة الذين رشحهم الإخوان لتولي حقائب وزارية بعد ثورة يوليو بناء على طلب مجلس قيادة الثورة، إلا أنهم رفضوه لصغر سنه.
وأثناء حرب القنال، جمدت بريطانيا أموالاً مصرية؛ ما دفع عبدالناصر بعد الثورة لإرسال حسن العشماوي، والفضيل الورتلاني لأمير دولة الكويت لطلب قرض يساعد مصر.
كما أهّلت كفاءته القانونية ليكون عضواً في لجنة وضع الدستور المصري عام 1953م.
في بداية عام 1954م، قُبض عليه بتهمة إخفاء أسلحة، وحينما طلب عبدالناصر للشهادة حُفظ التحقيق في القضية وأفرج عنه بعد شهرين، إلا أنه طُلب للاعتقال بعد أحداث المنشية عام 1954م؛ فبدأ رحلة الهروب الكبير والمثيرة في الصحراء، فقام عبدالناصر باعتقال والده الوزير محمد العشماوي، وكان قد اعتقل زوج أخته منير الدلة وحكم عليه بالمؤبد.
استطاع حسن العشماوي بعد 3 سنوات الهروب للسعودية، وعمل مستشاراً بوزارة المالية، ومنها إلى سويسرا، ثم المغرب، وعمل أستاذاً بكلية الحقوق بجامعة الرباط، ثم استقر في الكويت، وعمل نائباً لرئيس إدارة الفتوى والتشريع، ثم مستشاراً قانونياً لوزارة الدفاع والداخلية في الكويت.
كان العشماوي شخصية فذة في ذكائه اللماح، وروحه الوديعة، وصدره الرحب الذي اتسع للحوار، مع الإصرار على الحق، ووعي عميق لمنهج القرآن العظيم، وكان يرى الإسلام العظيم طريق الإنسانية حتى تقوم الساعة، كما كان بيته دائماً مفتوحاً للجميع، ومنتدى للفكر والتسامح.
توفي العشماوي يوم الأربعاء 17 من ذي الحجة 1391هـ/ 2 فبراير 1972م في الكويت، وقام بتغسيله صديقه عبدالرحمن سالم العتيقي، ودُفن بمقبرة الصليبخات، في جنازة مهيبة.
المصادر
1- عادل العصفور: د. سامي عبدالعزيز الخترش.. بصمات مهمة بالمجتمع الكويتي، مجلة المجتمع، 9 فبراير 2021م، https://bit.ly/344pPcU.
2- سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله: موقع الشيخ بن محمود الرسمي، https://bit.ly/3sPXMbv.
3- عبدالله العقيل: الداعية حسن محمد العشماوي، مجلة المجتمع، العدد 1734، 13 يناير 2007، صـ38- 39.