; وعد بلفور (الحلقة الأخيرة).. لم يكن وعدًا بريطانيًّا فحسب | مجلة المجتمع

العنوان وعد بلفور (الحلقة الأخيرة).. لم يكن وعدًا بريطانيًّا فحسب

الكاتب عبد الوهاب المسيري

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

مشاهدات 75

نشر في العدد 1376

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

* وافقت فرنسا وإيطاليا على وعد بلفور قبل صدوره وأيدته الولايات المتحدة.. لقد كان وعدًا غربيًّا لإنشاء دولة وظيفية لخدمة الحضارة الغربية كلها.

* لم يتجاوز وعد بلفور كونه صيغة جديدة من البراءات الاستعمارية التي كانت تمنح للمستوطنين والشركات في آسيا وإفريقيا

كان وعد بلفور إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تريد أن تتحقق لتوجد بالفعل، ولذا يجب ألا ننظر لوعد بلفور بمعزل عن الوعود البلفورية السباقة عليه أو اللاحقة له أو عن المعاهدات الاستعمارية الدولية، التي أبرمت أثناء الحرب العالمية الأولى وكانت تهدف إلى حل «المسألة الشرقية» عن طريق تقسيم تركيا، وأهم هذه المعاهدات اتفاقية سايكس- بيكو واتفافقية ماكمهون- حسين.

كما لا يجب النظر إلى الوعد بعيدًا عن البراءات التي كانت تعطي للشكات الاستيطانية في آسيا وإفريقيا، ولا عن تقسيم العالم من قبل القوى الإمبريالية الغربية وإعادة تقسيمه عام 1917م، ولا عن الرؤية المعرفية الإمبريالية، ولا عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي كانت كامنة في الحضارة الغربية.

ولذا، قد يكون من المفيد أن نحاول فهم وعد ببلفور في هذا الإطار باعتباره براءة لاستعمار فلسطين، الأمر الذي يتطلب منها أن نزيح الديباجات العلنية لنصل إلى لب الموضوع، أي المصالح الاستراتيجية الغربية كما تخيلها أو توهمها أصحابها، وكما قاموا بتحديدها.

فوائد ومصائب

ويمكن أن نتحدث عن بعض الفوائد الجانبية التي سيجنيها أصحاب الوعد من إصداره ومن تأسيس الوطن القومي اليهودي.

1- يتحدث العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية عن تحويل يهود شرق أوروبا عن غربها، حفاظًا على الأمن القومي بالداخل، ولابد أن الحكومة البريطانية كانت تأخذ هذا في اعتبارها، وخصوصًا أنه قد سبق لها إصدار وعد شرق إفريقيا البلفوري لهذا السبب.

2- يتحدث هذ العقد الصامت عن تسريب الطاقة الثورية من شباب اليهود من خلا المشروع الصهيوني، هذه مسألة لم تكن بعيدة عن أذهان أصحاب وعد بلفور، وقد نشر خبر إصدار إصدار الوعد في الصحف في 8 نوفمبر 1917م، وهو العدد نفسه الذي نشرت فيه أبناء اندلاع الثورة البلشفية، وقامت طائرات الحلفاء بإلقاء ألوف النسخ من وعد بلفور وأنباء صدوره على يهود روسيا القيصرية وبولندا وألمانيا والنمسا.

3- كان ثمة اعتقاد غالب بأن الإعلام سيكون ذا قيمة دعائية على الصعيد الدبلوماسي، ذلك أن وعد بلفور سيلقى صدى لدى اليهود الروس بحيث يمكن أن يصحبوا بشكل من الأشكال أداة ضغط على الحكومة الروسية المؤقتة حتى لا تتراجع عن رغبتها في متابعة الحرب مع ألمانيا.

4- كان من المتوقع أن يؤدي الوعد إلى عائد مماثل بين يهود أمريكا الذين كانوا قد أصابهم شيء من خيبة الأمل بسبب تحالف الحلفاء الوثيق مع حكومة روسيا القيصرية التي كانت مكروهة عند أعضاء الجماعات اليهودية، فكان من المؤمل أن يشجع الوعد أصحاب الأموال من اليهود على المساهمة في الجهود الحربية لحلفاء وعلى عدم الارتماء في أحضان الألمان، وخصوصًا أن أرستقراطية يهود الولايات المتحدة كانت من أصل ألماني.

ولكن مسار الأحداث أثبت أن ثمة خطأ فاحشًا في التقدير، فلم يكن يهود روسيا أو الولايات المتحدة مهمين إلى هذا الحد، وكانت المنظمة الصهيونية منقسمة على نفسها، كما أن عدد الصهاينة من اليهود كان لا يزال صغيرًا للغاية، وقد أوقفت الحكومة الروسية كل عملياتها العسكرية في أكتوبر 1917م حتى قبل وعد بلفور، ثم استولى البلاشفة على الحكم، وأنهوا النفوذ الصهيوني فيها.

وعلى أي حال، كان يهود روسيا منقسمين ولم يكن بوسعهم أن يحملوا روسيا على الاستمرار في الحرب، أما في أمريكا، فلم يلعب أعضاء الجماعة اليهودية دورًا في الحرب، وتم توفير الدعم الأمريكي المطلوب من خلال الحكومة دون أي التفات إلى الصهيونية أو الصهاينة.

مشروع الدولة الوظيفية الصهيونية

ولكن كل هذه فوائد جانبية للحضارة الغربية، أما الفائدة الكبرى، فهي تأسيس دولة وظيفية في فلسطين، وتوظف في إطارها المادة البشرية اليهودية في خدمة الاستعمار الغربي، فالدافع الحقيقي لوعد بلفور هو رغبة الإمبارطورية البريطانية في زرع دولة استطانية في وسط العالم العربي والإسلامي، في بقعة مهمة جغرافيًّا لحماية مصالحها الاستعمارية وخصوصًا في قناة السويس ولحماية الطريق إلى الهند.

وكان وايزمان يعرف، رغم بطء إدراكه، أن كل هؤلاء الإنجيز الذين لا يهمهم اليهود ولا اليهودية تحركهم دوافع المصالح الإمبريالية، وأن مهمته تتلخص في تقديم المادة البشرية حتى يمكنهم توظيفها. ولذا، فقد صرح قائلًا: إن وافقت إنجلترا على منحنا فلسطين، فإننا سنحصل على وطن وستحصل هي على سند فاعل، وقد قال وايزمان إنه لم يحلم قط بوعد بلفور، وإنه جاء بكل صراحة بشكل مفاجئ، إذ كان قد أعد نفسه لأن يبدأ نشاطه بعد انتهاء الحرب، ولكن الإمبراطورية الإنجليزية كانت قد قررت أن توظف اليهود لمصلحتها، ومن ثم لم يكن مفر من إدخالهم في الصورة، ولذا، وعلى عكس المتصور، لم يبادر الصهاينة بالمفاوضات مع الحكومة الإنجليزية وإنما نجد أن الحكومة البريطانية هي التي بادرت بالاتصال بهم.

وقد تقدم الصهاينة بمطالبهم، ولكن رئيس الوزراء إسكويث كان ملتزمًا بسياسة إحلال العرب محل الأتراك، وقبل استقالة إسكويث، كانت الحكومة البريطانية قد درست مستقبل فلسطين وتوصلت إلى مخطط بشأن هذا المستقبل، وهناك لحسن الحظ المذكرة التي تقدم بها السير هربرت صموئيل في مارس 1915م للحكومة البريطانية ووضح فيها الاحتمالات الخمسة لمستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثماينة وما يهمنا هنا الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكرة.

لقد كان الاحتمال الرابع هو «الإقامة المبكرة لدولة يهودية وإنشاء محمية بريطانية»، لكن هذا الاحتمال تم رفضه لأن اليهود كان لا يشكلون آنذاك سوى أقلية صغيرة لا تذكر، «الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي حلم الدولة الصهيونية».

وأما الاحتمال الخامس فهو الاحتمال الأوحد القابل للتحقيق حسبما جاء في المذكرة، وهو يشكل في رأينا الدوافع الحقيقية والعامة لإصدار وعد بلفور:

1- يشكل إنشاء المحمية ضمانًا لسلامة مصر «أي سلامة المصالح الإمبراطورية البريطانية التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها الأساسية آنذاك».

2- سوف يقابل إعلام الحماية البريطانية بالترحيب من السكان الحاليين «وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهود».

3- ستعطي المنظمات اليهودية تحت ظل الحكم البريطاني تسهيلات لابتياع الأراضي وإنشاء المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، والتعاون في إنماء البلاد اقتصاديًّا، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد، «أي توطيد دعائم الاستيطان الصهيوني».

4- ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا وسوف يؤلف اليهود كتلة متحيزة للإمبراطورية البريطانية «توظف اليهود في الداخل والخارج لخدمة المصالح الإمبريالية البريطانية».

5- يشير صموئيل في المذكرة «وفي أماكن أخرى» إلى أنه، بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم، سوف تشكل هذه الدولة جزءًا من الحضارة الغربية وتدافع عن مصالحها.

مارك سايكس مهندس الوعد

وإذا كان هذا هو الإطار العام، فإن التحرك من خلاله كان يتطلب استقالة إسكويث عام 1916م، وقد حل محله لويد جورج كرئيس للوزراء وبلفور وزيرًا للخارجية، وهنا ظهر السير ارك سايكس «1879م- 1919م» المهندس الحقيقي لوعد بلفور الذي عيين مستشارًا لوزارة الخارجية البريطانية لشؤون الشرق الأوسط.

وكان سايكس يقبل مبدأ تقسيم الدولة العثمانية، ولكنه كان معارضًا لذلك القسم الخاص بتدويل فلسطين، لأن هذا كان ينفي السيطرة البريطانية عليها، بل كان يعني قيام سيطرة فرنسية، الأمر الذي كان يعني زيادة نفوذ فرنسيين بشكل لا يتفق مع الواقع، كما قد يؤدي إلى نسف الموقف الاستراتيجي لبريطانيا في الشرق الأوسط برمته، وكان لويد جورج مقتنعًا بحاجة بريطانيا إلى فلسطين للدفاع عن مشارف قناة السويس، ومن هنا برزت أهمية المشروع الصهيوني كوسيلة للانسحاب بلباقة من اتفاقية سايكس- بيكو، فهذا المشروع يعني ببساطة تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي تحت الرعاية البريطانية، وهذه الرعاية تعني في الواقع احتلال بريطانيا لفلسطين ومن ثم قررت بريطانيا توظيف اليهود حتى تتخلص من البنود الخاصة بفلسطين في إتفاقية سايكس- بيكو.

ومنذ أن اتصل الصهاينة بهربرت صموئيل، اكتشفهم سايكس الذي أراد أن يستخدمهم في محاولة تعديل الاتفاقية وظلوا هم الجانب المتلقي لما تشاؤه الإرادة الإمبريالية البريطانية، وبعد أن تقرر توظيفهم، دعي الصهاينة لأول مرة للاجتماع مع ممثلي الحكومة في فبراير 1917م، وتتالت الأحداث، فقام سايكس بكتابة أولى مسودات الوعد، وتمت الموافقة عليها، وحينما تمت صياغة الوعد، تم ذلك دون الالتفات إلى مقترحات الصهاينة أو مقترحات أعداء الصهيونية.

وعد من لا يملك لمن لا يستحق

إن وعد بلفور صيغة جديدة من البراءات الاستعمارية التي كانت تمنح للمستوطنين الغربيين في آسيا وإفريقيا، وحينما صدر وعد بلفور، سماه الصهاينة «الميثاق أو البراءة»، وقد كانوا في ذلك أكثر دقة من كثير من العرب ومؤرخي الصهيونية، فوعد بلفور كان الميثاق الذي يشبه البراءة التي منحت لرودس «وإن كان وعد بلفور أكثر إلتزامًا بمساعدة اليهود من البراءة التي منحت لوردس» وقد منحت براءة بلفور لليهود بعد تقسيم تركيا بطريقة لا تختلف كثيرًا عن البراءات التي أعطيت لبعض الشركات الغربية في أعقاب تقسيم إفريقيا في مؤتمر برلين، وقد أصرت بريطانيا البراءة بعد التفاوض مع الحلفاء، ووافقت عليه مسبقًا كل من فرنسا وإيطاليا، ثم أيدته الولايات المتحدة، فهو ليس وعدًا إنجليزيًّا وإنما هو وعد غربي، كما أن المستعمرة اليهودية التي ستؤسس لن تكون تابعة لإنجلترا وحسب وإنما ستخدم المصالح الإمبريالية الغربية كافة، ولذا، فإن ثمة مسافة بين الصهاينة والحكومة البريطانية رغم التزام إنجلترا بدعم المتوطن الصهيوني، إلا أنه كان من المتوقع أن يقع عبء العمل الاستيطاني نفسه على عاتق الصهاينة أنفسهم «تمامًا كما هو الحال مع شركات الاستيطان».

ويلاحظ أن براءة بلفور الاستيطانية، مثل البراءات الأخرى، صدرت دون استشارة السكان الأصليين ودون أخذ مصيرهم في الاعتبار.

الرابط المختصر :