العنوان وضع المسلمين في فرنسا بعد النجاح المرتقب لليمين بالرئاسة
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1139
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 21-فبراير-1995
في خضم الحملة الانتخابية للموعد الحاسم في إبريل
القادم، تعيش فرنسا مخاضًا صعبًا بسبب شدة التنافس بين الأطراف التي ستنزل بثقلها
في هذه اللعبة، وكل المؤشرات تؤكد بداية رجحان الكفة لقادة اليمين بغض النظر عن
الشخصية التي ستفوز بهذا السباق، وذلك بعد الانقسامات الكبيرة داخل الحزب
الاشتراكي وصعود نجم الوزير الأول الحالي.
وبدأ المسلمون في هذه البلاد يتساءلون عن مستقبل
وضعهم في ظل الفريق الجديد بعد أربعة عشرة سنة من حكم اليسار بكل تقلباته.
فقد شهد الحضور الإسلامي في فرنسا خلال المرحلة
السابقة تطورات بالغة في الاتجاهين: نمو الصحوة الإسلامية داخله وبصفة أخص في صفوف
أبنائه الحاملين للجنسية الفرنسية وتركيز معاني الاندماج الإيجابي، وتوطين الدعوة
والاستقرار الفعلي بدل التفكير في العودة من ناحية، واشتداد الضغوط الخارجية عليه،
وتعرضه لهزات كبرى مثل قضية الحجاب من ناحية أخرى.
كما شهدت العشرية الأخيرة بعض المحاولات لتنظيم
الإسلام في فرنسا منها ما جاء بمبادرة من الحكومة الاشتراكية مثل تكوين مجلس
التفكير حول الإسلام من طرف بیار جوكس وزير الداخلية الأسبق ومنها ما جاء بمبادرة
من داخل الهيئات الإسلامية نفسها مثل «هيئة التنسيق الوطنية لمسلمي فرنسا».
بيد أنه تبين بعد كل خطوة في اتجاه التأسيس لمجلس
ممثل للجالية الإسلامية التي تتجاوز الـ4 ملايين مسلم أن العراقيل الداخلية
والخارجية جد كبيرة، فقد عمدت الحكومة الحالية اليمينية المتعايشة مع الرئيس
الاشتراكي ميتران إلى وضع مجلس التفكير حول الإسلام في الثلاجة وإفشال هذه التجربة
مقابل تحريك مسألة تمثيل المسلمين لكن في إطار توجه معين تحت شعار إقامة إسلام خاص
بفرنسا، وبالتالي تم تقريب الهيئات والمنظمات والأشخاص الذين ترضى عنهم الحكومة
مثل: مسجد باريس وعميده د. دليل بو بكر «من أصل جزائري»، وجماعة التبليغ ورئيسها
محمد الهمامي «من أصل تونسي»، وسحب البساط من تحت المنظمات الأخرى مثل: اتحاد
المنظمات الإسلامية في فرنسا الذي يرأسه د. تهامي إبريز، والفيدرالية الوطنية
لمسلمي فرنسا التي تجمع في صفوفها عددا من المسلمين الفرنسيين.
والنتيجة أن مؤشرات الانقسام داخل الصف الإسلامي
بدأت تلوح من جديد بعد أن تم إخمادها، بل محاولة تجاوزها، كما يشهد بذلك عمل هيئة
التنسيق الوطنية لمسلمي فرنسا التي تضم في صفوفها مسجد باريس وجماعة التبليغ
واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.
وكان الباب الذي دخل منه الانقسام واستغلته الحكومة
هو ما يتعلق «بالمجلس الممثل» الذي عينه د. دليل بو بكر والذي صاغ «ميثاقًا»
لتنظيم الإسلام في فرنسا لم يحصل على إجماع كل أطراف هيئة التنسيق، بل ذهب عميد
مسجد باريس إلى الأمام فقدم هذا الميثاق لوزير الداخلية باسكوا في اجتماع تم
اعتبار «بالمجلس الممثل» خلاله هو الكيان الممثل لكل المسلمين في فرنسا، بل إن
وزير الداخلية صرح بأن هذا الاعتراف بهذا المجلس يعد حدثًا «تاريخيًا» وكان
الاتحاد برئاسة د. إبريز قد أعلن اعتراضه على هذا المجلس وقاطع الاجتماع الذي دعي
إليه قبل يومين.
انطلاقًا من هذا الواقع المرير يبدو أن المسيرة
التي قطعها الحضور الإسلامي في عملية الاندماج الإيجابي ورفع التحديات الكبرى التي
تواجه المسلمين خاصة على مستوى نظرة الفرنسيين «كرأي عام للإسلام»، هذه المسيرة
تعطلت ودخلت مرحلة من الصراع الداخلي في الوقت الذي تتهيأ البلاد إلى موعد انتخابي
حاسم يتمثل في الانتخابات الرئاسية تليها انتخابات البلدية التي لا تقل أهمية من
حيث التمثيل البلدي أي في أصغر دائرة، وقد استعد المسلمون الحاملون للجنسية للقيام
بواجبهم الانتخابي وهم ككل الفرنسيين متأسفون لعدم وجود فرص الاختيار الكثيرة بين كتلتين
مختلفتين من حيث التوجه الأيديولوجي والطرح السياسي بعد التراجع الكبير للحزب
الاشتراكي منذ أن أعلن جاك دولور رئيس المجموعة الأوروبية سابقا عدم ترشحه
کاشتراکي للرئاسة، وبعد أن انحصر التنافس داخل الكتلة اليمينية نفسها.
ويأت السؤال المطروح: ماذا سيكون مستقبل الحضور
الإسلامي بعد فوز اليمين بكرسي الحكم وعودته مرة أخرى -بعد أكثر من عقد من الحكم
الاشتراكي- إلى قيادة البلاد؟
التحدي الإعلامي
الآراء متضاربة حول هذا المستقبل لكن الرأي السائد
أن صعوبات جمة مازالت تنتظر المسلمين المقيمين في فرنسا اعتمادًا على ما شهدته
السنوات الأخيرة من هزات وضغوط تتعلق بالممارسات والخطاب في التعامل مع ظاهرة
الصحوة الإسلامية المتنامية في صفوف الجالية الإسلامية هذه الأقلية الكبيرة من حيث
حجمها والضعيفة من حيث وزنها مقارنة بالجالية اليهودية على سبيل المثال.
قضية الحجاب التي تحولت إلى قضية سياسية نموذج لهذه
العلاقة المتوترة، وفي التعامل الخاص مع الملف الإسلامي، واستقبال تسليمة نسرين
بحفاوة وعلى مستوى رسمي مؤشر أخر لهذه الصعوبات التي تغذيها بعض وسائل الإعلام
المتحاملة بقوة ضد كل مظاهر الصحوة الإسلامية داخل فرنسا وخارجها، ولعل العقبة
الكبرى التي ستواجه المسلمين في الغرب عمومًا وفرنسا خصوصًا هي التحدي الإعلامي،
ذلك أن كل المحاولات التي تقوم بها الجمعيات والهيئات الإسلامية لتوضيح الإسلام
وشرح قناعات المسلمين المستقرين في فرنسا واستعدادهم للاندماج الإيجابي الذي يجعل
منهم مواطنين صالحين، مع الحفاظ على هويتهم في تكامل وتعايش وانسجام مع الآخر، وعدم
وجود تعارض بين احترام الشعائر التعبدية والخصوصيات الثقافية والدينية من جهة
والعلمانية كفضاء محايد يحترم كل الأديان بالرغم من كل هذه الجهود إلا أن الكابوس
المسلّط كالسيف على عقول الفرنسيين بسبب التشويه والترهيب الإعلاميين يحتاج إلى
جهود أخرى مكثفة ووقت طويل من أجل إمكانية الوصول إلى طرح القضايا الإسلامية بنوع
من الموضوعية.
والحل لهذه المعضلة ينطلق من ضرورة رفع التحدي بتحد
من نفس النوع، أي أن يفكر المسلمون بجد في امتلاك منابر إعلامية يقوم عليها مسلمون
من ذوي الكفاءات والاختصاص وتعطي لها كل الدعم المطلوب من أجل تقديم الصورة
الحقيقية عن الواقع الإسلامي والطرح الموضوعي للفكرة الإسلامية وللإسلام عمومًا.
الهاجس الجزائري
ويبقى التحدي السياسي خاصة إذا وصلت نفس التركيبة
للحكومة الحالية إلى الحكم في مايو القادم، ذلك أن الخبراء يتوقعون أن يمسك وزير
الداخلية باسكوا بالوزارة الأولى في حال فوز بالادور رئيس الحكومة الحالية
بالرئاسة.
ومعروف عن وزير الداخلية أنه متشدد في مواقفه خاصة
فيما يتعلق بالملف الإسلامي، لكن يبدو أن هذا التشدد مرتبط بالمخاض الصعب الذي
تعيشه الجزائر وخوف فرنسا من تحول آثار الأزمة هناك إلى ضواحي المدن الكبرى حيث يوجد
القسم الكبير من الحضور الإسلامي في فرنسا.
والأقرب للاحتمال أن السياسة الفرنسية في المستقبل
سترتبط بالتوجه الذي سيأخذه مجرى الأحداث في المنطقة المغاربية وفي الجزائر
بالتحديد وبنوعية الحل للعقدة الجزائرية، فاستمرار الأزمة هناك يعني مزيدًا من
ارتفاع الضغط على الجالية المسلمة، وعلى كل عمل إسلامي يحمل الطابع السياسي ولعل
الاجتماع الذي تم أخيرًا في تونس بمبادرة فرنسية بين وزراء داخلية بلدان أوروبا
الجنوبية وكل من تونس والجزائر يعد مؤشرًا هاما لمزيد من تضييق الخناق على مظاهر
الصحوة الإسلامية، أو ما تسميه هذه البلدان «بالأصولية والتطرف»، علما بأن المغرب
قاطعت الاجتماع لأنها لا ترى فائدة في اعتماد الحل الأمني مع أبناء الصحوة.
وهذا الاختلاف في الطرح سيؤثر على السياسة الفرنسية
تجاه الحضور الإسلامي في فرنسا على الأقل بالأخذ بعين الاعتبار للتحفظ المغربي على
سياسة التصعيد في الجزائر وعواقبها الوخيمة على المنطقة المغاربية والبلدان
الأوروبية نفسها لوجود جاليات إسلامية كبرى داخلها، الشيء الذي يفسر إلى حد عدم
وجود طرف مغربي داخل المجلس الممثل للمسلمين الذي اعترف به أخيرًا وزير الداخلية
الفرنسي.
حكمة ديغول
بيد أن مظهر التشدد البارز في السياسة الفرنسية
الحالية تجاه الملف الإسلامي له علاقة حسب بعض المراقبين بالظرف الانتخابي،
فالحكومة الجديدة بعد الانتخابات الرئاسية مضطرة لمراجعة سياستها بعيدًا عن الخطاب
المصاحب للحملة الانتخابية الذي يريد بالطبع كسب العدد الكبير من الأصوات من
الفرنسيين المترددين في اختيار الرجل المناسب، وكذلك أنصار الجبهة الوطنية بزعامة
جون ماري لويان الذي يتبنى طرحًا عنصريًا ومنكمشًا على الذات مفاده أن معظم مشاكل
الفرنسيين ناتجة عن وجود عدد كبير من المهاجرين من إفريقيا والمنطقة المغاربية من
ذوي الثقافة أو الديانة الإسلامية على وجه الخصوص.
ومراجعة هذه السياسة تهدف لكسب أصوات أبناء
المسلمين في معركة انتخابية على مستوى آخر أي الانتخابات البلدية وبالطبع ستكون
لأصوات المسلمين في الدوائر البلدية وزن لا بأس به في الانتخابات المقرر إجراؤها
خلال عام 1996م.
من ناحية أخرى أبرزت قضية الحجاب مثلا أن قرار منع الحجاب في المدارس لم يكن محل إجماع داخل هيئة التدريس والنخبة الفكرية والسياسية بالإضافة إلى أنها أساءت كثيرًا لسمعة فرنسا في العالم الإسلامي وهو البلد المعروف بديمقراطيته والدفاع -على المستوى النظري على الأقل- عن حقوق الإنسان والإصرار على منع الحجاب في المدارس لا يخدم على المستوى البعيد علاقات فرنسا ومصالحها مع العالم الإسلامي، والأغلب أن حكمة الجنرال ديغول في سياسته مع العرب قد تلقي بظلالها على سياسة فرنسا في المستقبل مع الملف الإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل