; حوار: روجر هاردي كبير المعلقين في هيئة الإذاعة البريطانية BBC: وصف الإسلام أو الحركات الإسلامية بالتطرف والإرهاب خطأ فادح | مجلة المجتمع

العنوان حوار: روجر هاردي كبير المعلقين في هيئة الإذاعة البريطانية BBC: وصف الإسلام أو الحركات الإسلامية بالتطرف والإرهاب خطأ فادح

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996

مشاهدات 80

نشر في العدد 1192

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 19-مارس-1996

• الانحياز الغربي ضد الإسلام له جذور عميقة في نسيج المجتمعات الغربية

• ٤٥مليون مسلم يعيشون داخل المجتمعات الغربية يعانون من مشاعر الكراهية الغربية للإسلام والمسلمين

• سنشاهد حتمًا حالات من التوتر بين الإسلام والغرب ربما تصل إلى النزاع ولكن على نطاق محدود

حينما زرتُ هيئة الإذاعة البريطانية في أغسطس من العام الماضي ۱۹۹٥م، لفت نظري حجم الإعلانات الكثيرة التي كانت معلقة في أرجاء المبنى، والتي كانت تدعو رواده إلى ترقب حدث هام يتمثل في برنامج سوف يذاع في ثماني حلقات تحت عنوان «الإسلام.. إيمان وقوة» أعده "روجر هاردي"، أحد كبار المعلقين في هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي. سي»، وكان عنوان الموضوع هو الذي جذبني دون أن أعلم شيئًا بعد عن المحتوى الذي لم يكن قد بدأ بثه بعد، وكانت الدعاية وقتها تشير إلى أن الحلقة الأولى سوف يتم بثها في العاشر من أغسطس الماضي ١٩٩٥م في الـ«بي. بي. سي وورلد سرفس»، وأذكر أني طلبت وقتها من أحد الزملاء العاملين في هيئة الإذاعة البريطانية أن يساعدني في الحصول على الحلقات إن لم أتمكن من سماعها أو الحصول عليها بعد بثها، فالعنوان الذي اختاره "روجر هاردي" «الإسلام.. إيمان وقوة»، جعلني أشعر بأن الرجل ربما تكون معالجته موضوعية مثل العنوان الذي اختاره أو يكون بها طرح جديد مميز عن تلك الأطروحات التي تبث عبر وسائل الإعلام العالمية، وتحمل الكثير من التشويه للإسلام والعداء للمسلمين، لذلك فإن محللًا غربيًّا يدافع عن الإسلام أو يتناوله بموضوعية على الأقل، وعبر إذاعة عالمية لهو أمر جدير بالاهتمام.

وقد سعدت حينما وجدت مجلة «المشاهد» التي تصدرها هيئة الإذاعة البريطانية قد بدأت نشر حلقات "هاردي" مواكبة لإذاعتها، وحينما تابعتها وجدت أن الرجل كما كان موضوعيًّا في اختيار العنوان، كان كذلك في طرحه، وبدا أنه قد بذل جهدًا غير عادي في إعداد موضوعه الذي استغرق منه ستة أشهر قضاها في حوارات ونقاشات، وبحث وتقص واستقراء، ومعايشة ومتابعة لأنشطة الحركات الإسلامية وزعاماتها، جاب خلالها العالم من "نيويورك" وحتى "جاكرتا"، وحاور عشرات من قادة الحركات الإسلامية ومفكريها، مما جعله يخرج برؤية أقرب ما تكون إلى الواقع. ورغم أن "روجر هاردي" قد زار من قبل أماكن عديدة في منطقة العالم الإسلامي، باعتبار أن هذه المنطقة هي محور اهتماماته منذ أنهى دراسته في جامعة "أكسفورد" عام ١٩٧٠م، حيث عمل في الصحافة حتى أصبح رئيسًا لتحرير مجلة «ذي ميديل إيست» البريطانية، ثم انتقل إلى إذاعة «بي بي سي» منذ عام ١٩٨٦م كمحلل متخصص في شئون الشرق الأوسط، إلا أن موضوعه المميز «الإسلام.. إيمان وقوة» الذي ترجمته هيئة الإذاعة البريطانية وأذاعته بكل اللغات التي تبث بها، قد أضاف الكثير إليه فيما يتعلق بمفاهيمه حول الإسلام والمسلمين، بل وحوله إلى كاتب ومحلل إيجابي وموضوعي تجاه الإسلام والمسلمين.

ولذلك كان على رأس أولوياتي حينما زرت العاصمة البريطانية في منتصف شهر "فبراير" الماضي أن ألتقي "روجر هاردي" الذي رحب بدوره باللقاء، الذي صحبني فيه الزميل هشام العوضي مراسل المجتمع في "بريطانيا"، وكان هذا الحوار الذي أجريته معه في أحد أستوديوهات هيئة الإذاعة البريطانية في "لندن":

• ما هي الدوافع الرئيسية التي جعلتكم تجوبون العالم الإسلامي لإعداد موضوعكم الهام الذي أطلقتم عليه اسم «الإسلام... إيمان وقوة»؟

- لقد شعرت بأن القضايا المثارة حول الإسلام، وكذلك السياسة في الإسلام، قد أصبحت أكثر تعقيدًا، ومحل حوار ساخن، وأقول بكل صراحة: إنها غير مفهومة، وكانت لدي النية في معالجة قضايا عديدة ذات صلة بالظاهرة الإسلامية أو المد الإسلامي، ولم يكن كافيًا الاعتماد فقط على ما يردنا من أخبار مقتضبة عبر وسائل الإعلام، سواء عن الأحداث في "الجزائر، أو أفغانستان أو البوسنة"، لأن هذا الموضوع ينطوي على أهمية كبيرة تتجاوز الاكتفاء بتلك الأخبار، كما أنه موضوع جدير بالطرح ويهم العالم برمته، ولذلك فإنه يستحق تغطية وافية، وبحوثًا متعمقة وجادة، وهذا ما دفعني إلى القيام بالحل والترحال إلى بلدان عديدة لإجراء مقابلات وزيارة المساجد والمدارس طوال فترة تتراوح بين ٦- ٧ شهور خلال العام الماضي ١٩٩٥م، وقد كان هذا أكبر مشروع أنجزته طوال حياتي العملية.

• لماذا اخترتم هذا العنوان بالذات لموضوعكم «الإسلام إيمان وقوة»؟

- في الواقع كنت بصدد البحث عن الظاهرة الإسلامية أو الصحوة الإسلامية - حسب المسميات القائمة- حيث يمكن إعطاء هذه الظاهرة عدة مسميات، فإذا كان الإسلاميون يطلقون عليها ظاهرة «الصحوة الإسلامية» أو «حركة الإحياء الإسلامي»، فإن ثمة من ينتقدها، بل يخاف منها، ويسميها بـ«الخطر الإسلامي»، ولذلك فقد كنت أنوي التطرق لكافة النواحي المرتبطة بما يشاع عن تسميتها بـ«الأصولية»، ولكن عندي تحفظات إزاء هذه التسمية، وأعتقد أن شأني في هذا مثل شأن عدد كبير من المسلمين الذين لا يوافقون على هذه التسمية التي تتسم بالسلبية من وجهة نظر المسلمين، وفي المقام الأول كنت أنوي دراسة الإسلام المعاصر والسياسة في الإسلام، ولكن مع التطرق أيضًا للبرامج الاجتماعية والاقتصادية في الإسلام والمبادئ والأفكار التي تتبناها الحركات الإسلامية المعاصرة في كل أنحاء العالم، ولذلك فبدلًا من اختيار عنوان «الإسلام والسياسة» وهو عنوان شائع، فضلت عنوان «الإسلام إيمان وقوة» وللأمانة أقول بأن الفكرة جاءتني من كتاب جيد من تأليف "إدوارد موزما" صدر في الثمانينيات، ولا أدري هل تعرفون هذا الكتاب أم لا؟ ويحمل عنوان «العقيدة والقوة: سياسة الإسلام» وقد اتصلت به طلبًا منه اقتباس عنوانه، حيث إنه صديق لي، ثم توصلنا إلى اتفاق ودي، وهذا هو سبب اختياري هذا العنوان.

• هل غيرت جولاتك ولقاءاتك بالعشرات من قيادات العمل الإسلامي فكرتك الشخصية عن الإسلام؟

- أعتقد أن هذه الجولات قد غيرت نظرتي إلى الإسلام إلى حد ما، بل أعطتني صورة كاملة حول ما يدور في العالم الإسلامي وحول مختلف مشاربه، وقد كنت أنطلق من نيويورك في الولايات المتحدة إلى جاكرتا في "إندونيسيا" مع التوقف في حوالي عشر مدن قبل الوصول إلى وجهتي، وقد اكتشفت مدى التنوع الكبير في العالم الإسلامي، وهذا أول ما غير انطباعي عن العالم الإسلامي، وقد كنت في السابق أتطلع إلى أن أصبح متخصصًا في شئون الشرق الأوسط، ولذلك فعندما سنحت لي الفرصة للسفر إلى بلد مثل "باكستان وإندونيسيا" على وجه التحديد للمرة الأولى توصلت إلى الاكتشاف بأنه على الرغم من أن منطقة الشرق الأوسط هي منبع الحركة الإسلامية، وأن الإمام "حسن البنا" هو أبو الحركة الإسلامية المعاصرة، فإن معظم المسلمين متواجدون حاليًا خارج الشرق الأوسط أو بالأحرى في "آسيا" إذا ما قورن عدد المسلمين في "آسيا" بعدد المسلمين في "الشرق الأوسط".

• هل لديكم أفكار جديدة تدفعكم إلى المضي قدمًا في هذا المشروع مستقبلًا؟

- أود تأليف كتاب يكون حصيلة تلك البحوث؛ حيث إن لدي مادة كبيرة من مقابلات أجريتها علاوة على انطباعاتي الشخصية.

وإذا وفقت في تأليف هذا الكتاب سوف أقوم بإجراء بحوث إضافية، وقد كانت خطتي الأولى التطرق لموضوع المسلمين في "أوربا"، ولكن نظرًا لظروف الوقت لم أتمكن من تحقيق ذلك، فقد كنت عازمًا على زيارة فرنسا، ومقارنة أوضاع المسلمين فيها بأوضاع المسلمين في "أمريكا"، وما زلت أنوي إنجاز هذا المشروع.

• خلال لقائك مع مفكري وقيادات الحركة الإسلامية على مستوى العالم من نيويورك إلى جاكرتا، هل شعرت بأن هناك فروقًا كبيرة في فهم الإسلام وطرح الأفكار الإسلامية بين مختلف الشرائح التي التقيت بها؟

- أعتقد أن هناك تباينًا كبيرًا في فهم الإسلام وكيفية طرح الأفكار الإسلامية بين مختلف البلدان الإسلامية، وقد حاولت من خلال برنامجي تذكير الذين لديهم معرفة سابقة وإعلام أولئك الذين يريدون بعض التأكيدات بأن حركة الصحوة الإسلامية التي انطلقت بقوة منذ قرابة عشرين عامًا، جاءت بفضائل كثيرة ولها أبعاد مختلفة بما فيها الأبعاد غير السياسية، وعلى سبيل المثال فهناك «جماعة التبليغ» التي تمثل حركة منتشرة في القارة "الآسيوية" ونشأت في "الهند"، واليوم نشاهد انتشار أتباع هذه الحركة في مختلف أنحاء العالم، ويمكن القول أن جماعة التبليغ حركة إسلامية غير سياسية إلى حد ما، بل إنها تصب جل اهتماماتها في الشعائر الإسلامية مثل: الصلاة والصوم والحج... إلخ، ثم إنها غير نشطة في الحياة السياسية مثل الحركات الأخرى. إن ما أود تأكيده هو أن حركة الصحوة الإسلامية لها أبعاد كثيرة، وأن جزءًا بسيطًا منها له بعد سياسي، حيث توجد من بينها تشعبات كثيرة، ومن الخطأ الاعتقاد بأن التطرف جزء لا يتجزأ منها؛ حيث إن الأمر الخطير في عالمنا المعاصر يكمن في اعتبار البعض الإسلام والتطرف مترادفان، وهذا خطأ فادح بالطبع؛ فإن ظاهرة التطرف موجودة مثل ظاهرة العنف، ولكن وصم الإسلام بالتطرف خطأ في حد ذاته، وكذلك فإن إلصاق صفة التطرف أو الإرهاب بالحركة الإسلامية خطأ فادح أيضًا، وهذه هي الرسالة التي أريد توصيلها إلى الناس أملًا أن يصغوا إلى آراء أمثال "حسن الترابي، وراشد الغنوشي"، وإلى أفكار شخصيات إسلامية خارج المؤسسات السياسية، كما أريد أن يقوم الناس بمقارنة الأفكار العلمانية مع المبادئ الإسلامية لكي يعرفوا أن هناك تباينًا في وجهات النظر بين مختلف الحركات الإسلامية.

• ما هو تصوركم لقدرة الحركات الإسلامية على إحداث تغيير في المجتمعات الإسلامية خلال الفترة القادمة؟

- هذا سؤال كبير، وأعتقد أن هذه الحركات قد أثبتت أن لديها قوة تمكنها من تعبئة الجماهير للقيام بمظاهرات للمعارضة أو الاحتجاج، وقد شاهدت هذه الظاهرة في بلدان إسلامية عديدة، وأعتقد أن أكبر تحد أمام هذه الحركات يتمثل في كيفية تمكنها من الخروج من قالب تنظيم المظاهرات إلى قالب المشاركة في الحكم، أو بعبارة أخرى الانتقال من السلبية إلى الإيجابية، وقد وجدت أن من الأسهل معرفة مواقف الحركات الإسلامية المعارضة من معرفة مواقفها الموافقة، وبالطبع فإنها تقف ضد الحكومات الفاسدة وتدعو إلى قيام حكومات إسلامية صالحة، وأستطيع ضرب مثال على ذلك بتركيا، حيث أصبح للحركة الإسلامية هناك ثقل كبير، خاصة بعد أن فازت بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، وأن الشعار الرئيسي لحزب "الرفاه الإسلامي" في "تركيا" هو «النظام العادل»، وهو عبارة عن برنامج اقتصادي واجتماعي شامل، وقد سألت أحد الرموز البارزة في حزب "الرفاه الإسلامي" عن المعنى الحقيقي لشعار «النظام العادل» وما هو برنامجكم الاقتصادي بالضبط؟ فأجابني إجابة اتسمت بالعمومية مثل: «إننا نريد ردم الهوة بين الأغنياء والفقراء، ولا نريد خضوع تركيا للغرب، وأن تكون عضوًا من الدرجة الثانية في منظمات مثل الاتحاد الأوربي، أو حلف الناتو، أو أية منظمات غربية أخرى»، ولكني شعرت في النهاية بأن شعار «النظام العادل» الذي يتبناه "حزب الرفاه" قد لاقى إقبالًا كبيرًا في تركيا، ويمكن ضرب أمثلة كثيرة في هذا الصدد، وأعتقد بأن التحدي الأكبر أمام الحركات الإسلامية يكمن في مدى قدرتها على الخروج من طور المعارضة إلى دخول طور وضع البرامج البناءة، وأعتقد أن ذلك سيتم بالتدريج وليس على وجه السرعة، ولكن التحدي الثاني -ولا أدري كيف يمكن مواجهته لأنه في منتهى الأهمية- يتمثل في ضرورة البحث عن مساحة سياسية للانخراط في العمل السياسي ووضع برامج من أجل المستقبل، وهذا يعني أنه إذا كانت الأنظمة الحاكمة في بلدانهم - والتي نعرفها جيدًا- ترفض منحهم أدنى مساحة لمزاولة العمل السياسي، فإن هذه الحركات يمكن أن تنتقل من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، وإذا نظرنا إلى أساليب القمع التي تتعرض لها الحركات الإسلامية سواء في "مصر أو الجزائر" أو أي بلد آخر، نجد أنه من الصعب أن تتوصل الحركات الإسلامية المعارضة أو الحركات الأخرى المعارضة إلى وضع برامج خاصة بها، وكسب ناخبين، ولذلك فأنا لا أحمل اللوم على هذه الحركات، بل يمكن لومها فقط لافتقارها إلى إيجاد برامج واضحة، وهذا ليس ذنبهم، وإنما يرجع إلى الظروف الصعبة التي يعيشون فيها، تلك الظروف السائدة في كثير من بلدان العالم الإسلامي. 

• ما هي الأسباب التي تقف وراء عدم فهم الغرب للإسلام والحركات الإسلامية فهمًا صحيحًا حتى الآن؟

- لا أعتقد أنني أوافقك على هذا الرأي، بل أرى أن هناك استثناءات بارزة، حيث إنه يوجد في الغرب أشخاص، سواء كانوا علماء أو ساسة أو صحفيين يتمتعون بفهم جيد للإسلام، ولكني أعتقد أن هناك أيضًا سوء فهم كبير وحتى أوهام لدى الكثيرين، وإن أكبر مشكلة نواجهها تكمن في مسألة اختلاقنا لهذه الأوهام، حيث إننا نوهم أنفسنا بوجود إسلام أحادي البعد بحيث نراه شيئًا واحدًا، ومصدر تهديد في نفس الوقت، وأنه هو مصدر المشاكل التي نواجهها في الغرب، وقد تم افتعال هذه الأوهام لدى مستويات مختلفة، حيث نجد هذه الأوهام في طبقات المجتمع السفلي مجسدة في العنصرية، حيث يتم اعتبار المسلمين أعداء للديمقراطية وحقوق المرأة، وغير منسجمين مع المجتمع المدني، أو غير منسجمين حتى مع روح العصر والعصرنة، كما نجدها أيضًا لدى أعلى طبقات المجتمع، حيث وجدتها لدى أشخاص مثل "صمويل هنتنجتون"، وهو أستاذ في جامعة "هارفارد"، وعالم أمريكي بارز في مجال العلوم السياسية، وأعتقد أن آراءه الخاصة بتنبؤاته بنشوب «صراع بين الحضارات» تؤكد وجود تلك الأفكار السلبية تجاه المسلمين والنابعة أيضًا من العنصرية المتفشية داخل المجتمع الغربي، ولو صدرت مثل هذه الأفكار من أناس عاديين لكان الأمر مقبولًا إلى حد ما، ولكن صدورها من شخص بمرتبة "هنتنجتون" العلمية، ثم نشرها في مجلة أمريكية مرموقة يعتبر طامة كبرى، ومن المتوقع أن يبقى سوء التفاهم والانحياز الغربي ضد الإسلام راسخًا، وتظل الأوهام عالقة في عقول الناس لأن جذورها تضرب أطنابها في عمق نسيج المجتمعات الغربية وعلى مستويات مختلفة، ولا شك أن وسائل الإعلام الغربية قد لعبت دورًا في ذلك، وسببت حالة إحباط لدى الناس، مما سبب أضرارًا بالغة، ورغم أن بعض وسائل الإعلام لم تستمر في تأجيج العداوة إلا أن الغالبية قد أثارت مشاعر الناس.

• من منطلق هذا الرأي هل تعتقدون بإمكانية قيام حوار بين الإسلام والغرب؟

- أولًا: الحوار بين الإسلام والغرب ما زال وسيظل موجودًا، ولكن علينا أن نكون أكثر دقة في اختيار مواضيع الحوار وأكثرها إلحاحًا، كما يمكن أن يكون هناك حوار على مستوى الحكومات أو الساسة، أو يكون بين أتباع طائفة دينية وأخرى، أو بين الأئمة المسلمين ورجال الكنائس، أو حتى مع السياح الزائرين لبعض البلدان الإسلامية وأهل هذه البلدان، ولكن المشكلة تكمن في مدى إمكانية توفر الظروف المواتية لإجراء حوار من هذا القبيل؛ لأن الظروف الراهنة لا تسمح بذلك، وإذا ضربنا مثلًا "ببريطانيا"، فإن الحكومة وكذلك الشركات البريطانية ترغب إجراء مثل هذا الحوار حتى مع الحكومة الإيرانية، إلا أن الظروف التي ولدتها قضية "سلمان رشدي" قد تسبب مشكلة أخرى، ولذلك فبالنسبة لبريطانيا، فإن هذه القضية قد ساهمت في صعوبة إقدامها على المشاركة في مثل هذا الحوار، بيد أن المشكلة ليست أننا ليس لدينا أو لدى العالم الإسلامي أشخاص أكفاء وقادرون على إجراء هذا الحوار، بل إن مثل هؤلاء موجودون ولكن المشكلة تكمن في وجود قوى سياسية عاتية لا ترغب في وجود حوار على هذا المستوى بين الإسلام والغرب، ولذلك فإننا كنا سنجني ثمارًا جيدة لو تم مثل هذا الحوار، سواء كان على مستوى الحكومات أو بين الساسة، وذلك إذا تهيأت الظروف المناسبة لإجرائه، ولذلك فإن وجود الحوار واستمراره على أدنى المستويات لم يتمخض عنه شيء، ولن يشمل أيضًا إلا عددًا محدودًا من الأشخاص في كلا الجانبين.

• في حالة إيجاد حوار شامل، ما هو في تصورك أهم الموضوعات التي يجب أن تطرح فيه؟

- أعود فأكرر القول بأن هناك وجهات نظر متباينة، فهناك في العالم الإسلامي من يرى بأن هذا الحوار يجب أن يكون بين أصحاب الديانات السماوية فقط، وقد سمعت هذا الرأي في مصر وفي بلدان أخرى، سواء من المنتمين إلى الحركات الإسلامية أو غيرهم من الذين يؤيدون وجود حوار بين أصحاب العقائد، حيث يرون أن هناك نقاطًا تجمع بين المسلمين والمسيحيين، وبعض أتباع الديانات الأخرى من بينها معارضتهم لاجتياح الثقافة العلمانية المادية المضللة لعالمنا اليوم، وأن لأتباع هذه الديانات مصلحة مشتركة في استئصال هذه الثقافة أو الحد من انتشارها، في حين أن هناك من يرى بأن يكون هذا الحوار مفتوحًا، وبوسعي أن أضرب مثلًا حيًّا بنفسي -لأني أولًا لست متدينًا، فأنا أنحدر من عائلة مسيحية؛ ولكنني لست مسيحيًّا، ومع ذلك فإني متزوج بامرأة مسيحية أكثر تدينًا مني، كما أني سأترك لأولادي حرية اختيار ديانتهم- فعندما كنت أسأل أشخاصًا مسلمين في مختلف أنحاء العالم: هل أستطيع الحوار معهم؟ فإني كنت أجد ردهم دائمًا إيجابيًّا، وقد أكون محظوظًا لأكون موضع ثقتهم، وهذا أمر هام. كما أني أعتقد أيضًا بأنه يجب إجراء مزيد من المناقشة في العالم الإسلامي حول موضوع العلمانية؛ لأن المسلمين يرون العلمانية في بعض الأحيان على أنها شيء عدواني أو قوة تسعى إلى القضاء على الدين، ودون شك فإنه توجد حركات علمانية تنادي بذلك، لكنها لا تمثل سوى جانب واحد من جوانب العلمانية، فأنا أعتبر نفسي إنسانًا غربيًّا ليبراليًّا، اشتراكيًّا وديمقراطيًّا، وأعتقد أن العلمانية عبارة عن آلية للفصل بين الدين والدولة، ولا أرى أيضًا أن تكون العلمانية عدوانية بالضرورة.

كذلك فإني أرى من الضروري أن تحديد معنى «العلمانية» يجب أن يكون أحد موضوعات الحوار بين الإسلام والغرب؛ لأني أعتقد أن تعريفها لم يتضح بعد على عكس ما يعتقد البعض.

• هل تعتقد أن لدى الغرب نظرة واحدة تجاه الإسلام، أم أن النظرة الأمريكية تختلف عن النظرة الأوربية تجاه الإسلام؟

- يوجد فعلًا اختلاف بين النظرة الأمريكية للإسلام والمسلمين، والنظرة الأوربية تجاه الإسلام، وأعني هنا دول الاتحاد الأوربي على وجه التحديد، ويرجع ذلك إلى أسباب تاريخية وحتى جغرافية أيضًا؛ حيث إن "القارة الأوربية" هي أقرب لمنطقة "الشرق الأوسط" والعالم الإسلامي بصفة عامة من "أمريكا"، وإذا كان سجل تاريخ "أوربا" يحفل بتاريخ سلبي استعماري في معظم جوانبه، فإن "أوربا" لها صلات وثيقة بالعالم الإسلامي، أما "الولايات المتحدة" فإنها أبعد كثيرًا عن العالم الإسلامي من "أوربا"، وإذا ضربنا مثلًا ببلد مثل "الجزائر" فإن البلدان الأوربية تراقب عن كثب مجريات الأحداث فيها، بل تخشى أن تصبح هي مسرحًا لتلك الأحداث.

وبحكم بعد "الولايات المتحدة" عن "الجزائر"، فليس هناك أي مسئول أمريكي يستطيع الادعاء بأن "لأمريكا" اهتمامًا مباشرًا "بالجزائر"، ولا أقصد هنا أن "أمريكا" لا تهتم بما يحدث في "الجزائر"، بل على العكس فإنها مهتمة بها، ولكن ليس بنفس الاهتمام الذي توليه فرنسا للأحداث الجارية في الساحة الجزائرية بحكم ماضيها الاستعماري وقربها الجغرافي.

ولكني أود التأكيد على أن معظم الأوهام والمواقف المجحفة بحق الإسلام توجد في "أوربا" على نحو أكثر مما هو موجود في "الولايات المتحدة"؛ حيث إن الفرنسيين والبريطانيين والإسبان هم أكثر شعورًا بأن الإسلام يمثل تهديدًا لهم مثلما تمثل الجالية الإسلامية في بلدانهم خطرًا عليهم أيضًا، وأن أسوأ عواقب هذه الكراهية للإسلام والمسلمين في كل من "بريطانيا وفرنسا وألمانيا"، وحتى في الولايات المتحدة -حيث وصل عدد المسلمين ٤٥ مليون مسلم داخل المجتمعات الغربية على الأقل- هي أن المسلمين أصبحوا موضع الشبهات والتشكيك داخل المجتمعات الغربية، وقد ألحق بهم هذا الانطباع أضرارًا جسيمة، وإنني أخشى على مشاعر أبناء المسلمين الذين ترعرعوا في الغرب عندما يكبروا وسط هذه الأجواء المفعمة بالكراهية والإجحاف ضد ديانة آبائهم وأجدادهم؛ حيث إن الوطأة ستكون عليهم أثقل بكثير مما لو عانوا مثل هذه المعاناة في أوطان آبائهم، سواء كانوا في باكستان أو غيرها من البلدان الإسلامية الأخرى، وربما يضطر كثير من هؤلاء الأبناء إلى مسايرة الحياة الغربية، والتخلي عن ديانتهم تحت ضغط مشاعر الكراهية والإجحاف التي يعانونها. 

• ما هو موقف الحكومات ووسائل الإعلام الغربية على وجه الخصوص في زيادة الكراهية والإجحاف بحق المسلمين؟

- إذا قارنا مواقف الحكومات ووسائل الإعلامالأمريكية بمواقف الحكومات ووسائل الإعلام الأوربية، فأوربا تفوق أمريكا في معرفة التعامل مع الإسلام والمسلمين، وفي القيام بالتحليل العميق للإسلام والمسلمين، ولكني لا أعتقد أن أوربا متفوقة بكثير على أمريكا في هذا الجانب، بل هناك مواقف في أوربا سواء لوسائل الإعلام أو الساسة تجاه الإسلام والمسلمين ما زالت تحيرني، فكلنا يتذكر كيف تعامل الساسة ووسائل الإعلام في ألمانيا مع أحداثحرق بيوت المهاجرين المسلمين فيها.

بالطبع هناك من أبدى تعاطفه مع الضحايا المسلمين، ولكن هناك أيضًا من لم يحرك ساكنًا هناك.

وكذلك فإذا رجعنا إلى قضية الحجاب في فرنسا، هل تجاوب المسؤولون الفرنسيون وأبدوا أي تعاطف مع المسلمين، مثلما فعل بعض المسئولين الألمان عندما قالوا بأن «المسلمين ضيوفنا وعلينا تفهم طريقة حياتهم، وتقبل آراءهم ومعتقداتهم»؟ فنحن لم نسمع أي كلام من هذا القبيل من أي مسئول فرنسي تجاه محاربة حجاب المسلمات هناك، بل سمعنا يومها ما يندى له الجبين من تصريحات مشينة من الفرنسيين، ولكني أعترف بأن لكل بلد خصوصياته، ولكن الوضع في "أوربا" ليس أفضل من الوضع في "أمريكا".

• ما هو تصورك لمستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب؟ هل ستكون حوارًا أم مواجهة؟

- أستطيع القول بأننا سنشاهد حتمًا حالات من التوتر في بعض الأحيان، ربما قد تصل إلى النزاع، ولكن على نطاق محدود، سواء في منطقة "الشرق الأوسط" أو "المحيط الهادي"، ولا مناص من وقوع تلك التوترات لأن مسبباتها موجودة ولأن المسلمين يحاولون من ناحية إيجاد نمط للحياة يناسبهم؛ حيث إن الأنماط التي كانت سائدة في بلدانهم كانت مفروضة عليهم، سواء كانت الأنماط الغربية أو النمط الروسي الذي لا يناسبهم، في حين أن الغرب يسعى إلى مواصلة دعم الحكومات في بلدان العالم الإسلامي والتي تفتقر إلى الشرعية في نظر الشعوب الإسلامية التي لا يروقها تقارب تلك الحكومات مع الغرب؛ حيث إن هذه الشعوبترى أن الغرب يدعم هذه الحكومات التي تتسم أنظمتها ما بين الديكتاتورية والقمعية، ولكني لا أتوقع وقوع صراع بين الحضارات مثلما ذهب إليه البروفيسور "هنتنجتون".

وحتى إذا نظرنا إلى حالات الصدام والأزمات التي وقعت في العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة، بالطبع فإن تلك الأحداث لها بعد إسلامي سواء في حرب "الخليج" أو الحرب في "البوسنة والهرسك"، أو في الحرب الأهلية في "الجزائر"، ولكني لا أستطيع القول أنها تمثل صراعًا بين الحضارات أو الشقاقات، ولكني أختتم قولي قائلًا بأنه إذا ما تم ارتكاب بعض الأخطاء الفادحة في المستقبل، فإنه لا محالة سينشب صراع بين الحضارات، ولكنني غير متشائم، بل أرى آفاق مستقبل باهر، ولا أرى أيضًا حتمية وقوع صراع بين الحضارات، وهناك الكثير يستطيع المسلمون القيام به، وكذلك غير المسلمين.

الرابط المختصر :