العنوان نقاش ساخن حول التبرع بالأعضاء والموت الإكلينيكي.. وسط القاهرة سوق سرية لتجارة الأعضاء
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997
مشاهدات 71
نشر في العدد 1254
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 17-يونيو-1997
القاهرة: عبد الحي محمد- بدر محمد بدر
كانت ظاهرة مرض الفشل الكلوي التي انتشرت في مصر منذ سنوات نذيرًا ببروز ظاهرة أخطر وهي التجارة في أعضاء جسم الإنسان، وقد صاحب هذه التجارة تجاوزات خطيرة لا ينكرها نقيب الأطباء د. حمدي السيد، ولا وكيل النقابة ورئيس لجنة التأديب النيابية الدكتور عمر شاهين أستاذ الطب النفسي بقصر العيني الذي يؤكد أن هناك تجارة علنية لبيع الاعضاء البشرية، وأن زراعة الأعضاء لم تعد قاصرة على مراكز طبية سرية تعمل في ميدان العتبة أو مدينة المنصورة في خفاء شديد، حيث تجرى عمليات الزرع في جنح الظلام بل أصبحت منتشرة في المستشفيات الخاصة الاستثمارية.
وفي شهر يناير الماضي اضطر النقيب نفسه أن يقدم بلاغات للنائب العام المستشار رجــب العربي، أكد وجود عصابات ومافيا متخصصة في الاتجار بالأعضاء البشرية في مستشفيات السلالة الدولي ومصر الدولي والزراعيين وابن سينا ومركز البرج الطبي والسلام بالمهندسين والحوامدية، وناشدت النقابة وزير الصحة يتخذ إجراءات ضد تلك المستشفيات والمراكز الطبية التي تمارس فيها ببشاعة تجارة الأعضاء البشرية، حيث إن سلطة النقابة تنحصر في تطبيق الإجراءات التأديبية على الأطباء فقط، إجراءات غالبًا لا تفضي إلى نتيجة قوية، فالنقابة تحذر الطبيب أو تلومه، ونادرًا ما تقرر فصله حيث يتلاعب الأطباء المنحرفون ويخرجون في النهاية أبرياء.
ورغم أن الدكتور عمر شاهين يؤكد أن النقابة اتخذت قرارات بفصل بعض الأطباء المنحرفين أن الواقع يشير إلى أن عدد تلك القرارات للغاية، وغير فعال، بينما ظاهرة الاتجار تتنامى وتعمل بقوة ويربح مرتكبوها عشرات الآلاف من الجنيهات، ويلفت الدكتور شاهين انتباهنا إلى أن النقابة لا تتحرك غالبًا في أي قضية بالأعضاء إلا بعد أن يتقدم إليها المواطنون بشكاوى وغالبًا ما يخاف المواطنون منه بالإضافة إلى أن النقابة لا تملك سلطة الرقابة تلك المراكز والمستشفيات وأقصى ما تفعله هو البلاغ للنائب العام، والدليل على ضعف الصلاحيات التي تمتلكها النقابة ضد مافيا الاتجار بالأعضاء هو ما حدث منذ أيام قليلة، حيث ألقت مباحث الأموال العامة القبض على مديرة مركز «أسيما» وهو من أشهر المراكز الطبية المتخصصة في الاتجار بالأعضاء بوسط القاهرة، وهذا المركز نفسه سبق للنقابة منذ ثلاث سنوات معاقبة مديرته وطالبت بإغلاقه، ولكنه استمر، وكانت آخر عملية نقل كلى أجراها لمواطن أجنبي من مواطن مصري تكلفت ۱۲۰ ألف جنيه. الدولار يساوي ٣.٤ جنيه مصري.
سوق دولي لتجارة الأعضاء
وتعتبر منطقة العقبة بوسط القاهرة سوقًا دولية لبيع الأعضاء البشرية، وخاصة الكلى، ففيها ست مراكز مشهورة يتوجه إليها مصريون وأفارقة لبيع أعضائهم البشرية، وتتنوع الأسباب التي تدفع المصريين لبيع أعضائهم، لكن السبب الرئيسي هو الفقر فهناك من يبيع كليته ليسدد ديونه، أو ليطعم أولاده، أو ليتزوج، وهناك من يبيع كليته ليدمن ويروي الدكتور صلاح الحمادي قصة مواطن ذهب لبيع كليته ليشتري بثمنها هيروين وحشيش! وعندما ذهب لأحد المراكز، أكد له الأطباء أن صحته معتلة وتحول دون النقل، فعاد الرجل المدمن إلى بيته وأجبر زوجته وابنته على الذهاب معه إلى المركز لبيع كلية الزوجة، وبالفعل حصل على عدة آلاف أنفقها على الهيروين، وفي العتبة يتراوح سعر الكلية المباعة ما بين ١٥ و ٣٠ ألف جنبه، ويتحمل المنقول له قيمة الأبحاث الطبية والتي تصل إلى ٦ آلاف جنيه، وغالبًا لا يحصل صاحب الكلية إلا على خمسة آلاف جنيه، بينما يحصل المركز بأطبائه وعماله على الباقي ويرتفع سعر الكلية المباعة إذا كان سيحصل عليها مواطن أجنبي أو خليجي إلا أن سعرها عادة لا يزيد على أربعين ألف جنيه! ورغم انتشار ظاهرة الاتجار بالكلى في مصر إلا أنه نادرًا ما تضبط مباحث الأموال العامة قضايا اتجار، فمراكز الاتجار تعمل في صمت وسرية وكل من يعمل فيها يكون على دراية بما يحدث فيها، كما أن لتلك المراكز مسالك عديدة لو تم ضبطها، فغالبًا ما تخرج نتيجة التحقيقات الأمنية أو النقابية سلبية، ولعل هذا ما دفع الجمعية المصرية لجراحي الكلى برئاسة الدكتور عبد المنعم حسب الله إلى المطالبة بصدور تشريع صارم يجرم الاتجار في الأعضاء البشرية ويحاربها بلا هوادة، وخاصة أن الدراسات الطبية أثبتت أن ٩٨% من عمليات نقل الكلى في مصر تمت على سبيل التجارة وأن ٢% منها تم على سبيل التبرع الحقيقي بين الأقارب، وأن مصر هي الدولة الثانية في العالم بعد الهند التي تمارس فيها تلك العمليات
التبرع بالأعضاء
والحديث عن التجارة الحرام... تجارة الأعضاء لا بد أن يتبعه الحديث عن قضية التبرع بالأعضاء البشرية ونقلها، ومدى جدواها من الإنسان الحي إلى الحي ومن الميت إلى الحي. وهي القضية التي تحتل مساحة كبيرة من الجدل بين علماء الدين وأساتذة الطب كل على حدة، حيث يرى فريق من العلماء الكبار أن عمليات التبرع والنقل غير جائزة شرعًا ويستندون في ذلك إلى أن جسم الإنسان ليس ملكًا له، بل ملك لله تعالى، ولا يجوز لمن لا يملك أن يتبرع، كما أن نقل أعضاء إنسان ميت إلى آخر حي يعني تشويه جثة الميت وإهدار حرمتها، بينما يرى فريق آخر أن التبرع والنقل جائز شرعًا، وهو لون من ألوان الإيثار تبيحه شريعة الإسلام شريطة أن يكون التبرع دون مقابل.
يقف الشيخ محمد متوليالشعراوي على قائمة الرافضين للتبرع بالأعضاء البشرية ونقلها، ويعتبر ذلك محرمًا تحريمًا قاطعًا، ويستند في ذلك إلى أن الإنسان لا يملك نفسه لكي يتبرع بعضو من جسده، ويتطرق الشيخ الشعراوي إلى قضية التبرع بالكلى والتي انتشرت في مصر في السنوات الأخيرة فيقول ما دام الله خلق الكليتين للإنسان فمعنى ذلك أن كل كلية صالحة لإدارة الجسم، فإذا أخذنا كلية من الاثنتين ونقلناها لإنسان آخر، ثم فشلت الثانية عنده، فماذا يكون الموقف؟! ويجيب: الموقف هنا أننا اعتدينا على حياة إنسان وأغلب الذين نقلت إليهم أعضاء ماتوا بعد أيام أو شهور أو حتى سنوات فلماذا تعرض حياة إنسان سليم لخطر مؤكد، وبدلًا من أن يكون عندنا مريض واحد بالفشل الكلوي سيكون عندنا مريضان، والذين يبررون نقل الأعضاء بإنقاذ حياة المريض الأول من الموت نقول لهم لا إنسان يموت عندما يأتي أجله الذي كتبه الله ونقل الأعضاء لن يطيل من عمر الإنسان لحظة واحدة، ويرفض هذا الفريق من العلماء بشدة لنفس المنطق نقل أعضاء إنسان ميت إلى آخر حي ويعدون ذلك جريمة تستوجب العقاب، ويبرر الدكتور موسىشاهين لاشين نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق وأستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين ذلك مؤكدًا أن الإنسان بخروج روحه يكون: قد فقد ملكيته شرعًا لكل شيء سوى عمله، ولا يصح منه أن يوصي بالتبرع بجسده ولا بجزء منه بعد وفاته، فلم يعد شيء من ذلك ملكًا له في حياته لأن كل ما كان ملكًا له في حياته قد تجرد منه تمامًا بعد موته، وبالتالي فالوصية بنقل ملكية أي عضو باطلة ولا يترتب عليها أثر شرعي ويشير الدكتور موسى شاهين إلى أن جميع الشرائع السماوية أجمعت على احترام جسم الميت وتكريمه وشرع الإسلام للميت الغسل والتطبيب والتكفين والصلاة عليه والتشييع، وكان ذلك رمزًا لاحترام وتكريم الإسلام لجثة الميت التي نهى الشرع عن المساس بها وعدَّ كسر عظام الميت ككسر عظام الحي تمامًا محرمًا تحريمًا قاطعًا ويتساءل الدكتور موسى: أبعد هذا يجيز الوصية باستخراج جزءً من أجزاء الإنسان الميت ليكون سلعة تمتهن وتنقل من جسم إلى آخر فإذا رفضها الجسم الحي و كثيرًا ما يرفضها لم يعد لها صاحب يحميها من الإهانة والعبث، وإذا كان الإسلام بإجماع العلماء قد حرم المثلة بالميت، كقطع أنفه أو أذنه أو لسانه بعد موته، فأي فرق بينهما وبين قطع عضو آخر منه بعد موته عن طريق وصيته وتبرعه؟!، إن هذا التبرع لن يحيي ميتًا، لو أراد الله أن يشفي المريض من علله لشفاه منها من غير قطعة غيار من موتانا
رأي آخر للعلماء
أما الفريق الثاني من العلماء وغالبيتهم من رموز المؤسسة الدينية الرسمية المصرية فهم يؤيدون التبرع والنقل ويفتون بعدم حرمتهما، فيرى الدكتور محمدسيد طنطاوي -شيخ الأزهر- أن ما يقال حول تحريم التبرع والنقل بدعوى أن الجسد ليس ملكًا للإنسان، بل ملك لله خطأ فادح به فهذا الكلام لا يستند إلى أسس علمية ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الحشر: 9]وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ َ﴾ (الحشر: 9) يعني يفضلون غيرهم على أنفسهم، ولو كانوا هم في حاجة إلى هذا الذي يتبرعون به، فالنقل والتبرع مباحان وللمتبرع المثوبة.
ويشير الشيخ طنطاوي إلى أن تحريم التبرع بسبب ضرر المتبرع هو تشدد في فهم تعاليم الدين، فالمتبرع لا شك سيصاب بضرر وينتفي أن يكون هذا الضرر قليلًا، ولكن هذا الضرر القليل سيحيي إنسانًا آخر، وعندما يقال إن تبرع الإنسان لابنه أو أخيه أو أمه أو أحد أقاربه أو أصدقائه سيضره بنسبة 5%، ويفيد المنقول إليه بنسبة ٩٥ %فهنا التبرع جائز وهذا لون من ألوان الإيثار، ولماذا نضيق ونتشدد ونحرم؟ هل هوايتنا في التصيد؟ فأنا لا أتبرع إلا لمن أحب، وشريعة الإسلام تؤيد ذلك.
ويُؤيد شيخ الأزهر نقل الأعضاء من الإنسان اليت إلى الحي ويبرر ذلك قائلًا إذا مات الإنسان وأعضاؤه سليمة، فلماذا لا يستفيد بها في إنقاذ حياة إنسان آخر؟ لماذا تضيق ما وسعه الله ونقتل نفسًا يمكن أن ساعد في إحيائها، وإذا كان بوسعنا إنقاذ حياة إنسان، فلماذا تتأخر في ذلك؟ وهناك من يقول بحرمة النقل من المتوفين لأن هناك منحرفين سيتجارون بالأعضاء، وأقول هذا كلام لا أرضى به ولا أقبله فالمنحرفون موجودون في كل مكان، وعلينا أن نمسك بهم ونحاسبهم، لا أن نحرم نقل الأعضاء من الموتى، فهذا التحريم يدل على عجزنا، ويختتم شيخ الأزهر رأيه قائلًا: أليس غريبًا أن تحرم نقل الأعضاء في مصر، بينما تحللها بلاد إسلامية أخرى كسورية والأردن، وكيف نبيح لبعض أبنائنا وزملائنا السفر إلى لندن لنقل أعضاء لهم سواء من أحياء أو موتى وتحرمه في مصر، فهذا خلل واضح، ولا بد من القضاء عليه.
رأي المفتي
أما مفتي مصر الدكتور نصر فريد واصل فقد أجاز في فتوى له حصلت عليها المجتمع على نقل الأعضاء شريطة أن يكون النقل بعيدًا عن البيع والشراء والتجارة بأي حال، ولا بد أن يكون ذلك في أقصى حالات الضرورة وبدون مقابل مادي مطلقًا من المعطي صاحب العضو إن كان حيًّا أو من ورثته إن كان ميتًا، ورخص المفتي في نقل العضو البشري من الإنسان الحي إلى الحي بشروط وضوابط أبرزها الضرورة القصوى للنقل بحيث تكون حالة المنقول إليه المرضية في تدهور صحي مستمر ولا ينقذه من موت محقق من الوجهة الطبية إلا نقل عضو سليم إليه من إنسان آخر بينهما درجة قرابة حتى الدرجة الثانية، وألا يؤدي نقل العضو إلى ضرر بالمنقول منه ضررًا محققًا به كليًّا أو جزئيًّا يمنعه من مزاولة عمله وأن تكون عملية النقل بمركز طبي متخصص يخضع لإدارة الدولة.
أما في حالة نقل العضو من الإنسان الميت إلى الحي فيشترط لذلك -والكلام للمفتي- أن يكون الميت قد فارق الحياة مفارقة تامة ويستحيل عودته للحياة مرة أخرى وأن يكون الميت قد أوصى بالنقل في حياته شريطة أن يكون في كامل قواه العقلية وألا تؤدي تلك الوصية إلى مخالفة نص شرعي أو قانوني ويحرم نقل الأعضاء التناسلية، وأن تكون حالة المنقول إليه في تدهور صحي مستمر ولا ينقذه من موت محقق إلا نقل عضو سليم له من إنسان آخر.
آراء الأطباء
وكما وجد الخلاف بين العلماء يشتد الجدال والخلاف بين كبار الأطباء والجراحين حول جدوى نقل الأعضاء، فهناك فريق منه الدكتور عبد الفتاح ندا أستاذ الجراحة العامة بطب قصر العيني يؤكد عدم جدوى النقل ويقول: نقل الأعضاء إلى الإنسان المريض له آثار مدمرة للغاية فالغالبية المنقول إليهم لا يحيون حياة طبيعية فالمناعة تكون لديهم ضعيفة لأي مرض كما أن نسبة إصابة المنقول إليهم بالسرطان كبيرة جدًّا فالمرضى الذين تمت زراعة كلى لهم تزيد إصابتهم بالسرطان ضعف عن النسب المعتادة، وأهم هذه السرطانات سرطان الجلد وسرطان الغدد الليمفاوية وسرطان عنق الرحم وسرطان الثدي كما يصاب المنقول إليهم -في حالة الكلى- بالمياه البيضاء مما يؤثر على قوة أبصارهم وتؤكد الأبحاث العلمية أن ٤٨% ممن نقلت إليهم أعضاء بشرية أصيبوا بارتفاع في ضغط الدم كما أصيبوا بالتهاب حاد بالبنكرياس ومعدل الوفاة بينهم بسبب هذا المرض وصل إلى نسبة ٥٠%.
ويرى كل من الدكتور أحمد محمد مسعود أستاذ الأمراض المتوطنة بطب الأزهر والدكتور مصطفى كامل أستاذ التخدير بطب جامعة عين شمس أن الأبحاث العلمية التي أجريت على من تبرعوا بكلى المرضى بالفشل الكلوي أكدت إصابة المتبرعين بتضخم في أنسجة الكلى الموجودة في أجسامهم وأن نسبة عالية منهم تعرضت كُلاهم للتليف.
ويشير الأستاذان إلى أن ٥٢ %من مراكز نقل وزراعة الأعضاء في أوروبا توقفت عن إجراء عمليات نقل الأعضاء خاصة الكلى لأسباب طبية وإنسانية وأخلاقية بعد أن تأكدت أن غالبية المرضى الذين أجريت لهم عمليات نقل الكلى والكبد في أكبر مستشفيات بريطانيا ماتوا في الأشهر القليلة الأولى بعد إجراء عملية النقل.
أما فريق الأطباء الثاني المؤيد لنقل الأعضاء ومنه الدكتور صلاحالحمادي نائب رئيس مركز الكلى بجامعة المنصورة ورئيس اللجنة الصحية بمجلس الشعب سابقًا فيوضح أن نقل الأعضاء له فوائد عديدة أبرزها منح الحياة لإنسان أصبح استمراره في الحياة مستحيلًا ويبرر هذا الفريق دعواه بأن مصر يوجد بها ٣ ملايين مصاب بأمراض الكلى غالبيتهم يصابون بفشل كلوي و8و6 مليون مصاب بأمراض الكبد، وعلاج هؤلاء المصابين يستنزف ميزانية ضخمة فينبغي أن توجه المقاومة أمراض أخرى وخاصة أن شفاء المصابين بالفشل الكلوي والكبدي میئوس منه تمامًا والحل الوحيد أمامنا هو عمليات الزرع.
ويقول د/ صلاح: لقد أجرينا في مركز الكلى بالمنصورة عمليات زرع الكلى والحمد لله نجحنا في إنقاذ حياة المصابين بالفشل الكلوي وهم الآن يعيشون بصحة جيدة وإن كانوا يتعاطون أدوية بانتظام، وإذا كانت عملية الزرع قد سببت لهم متاعب، فينبغي أن لا ننسى أنهم ما زالوا أحياء بيننا.
وهو يؤكد في الوقت نفسه أن عملية النقل ليست سهلة كما قد يتصور البعض فالمتبرع والمتبرع له يظلان شهورًا عديدة يجريان فحوصًا طبية دقيقة ليتم التوافق بين العضو المنقول وجسم المريض وقد يتوفى المنقول له بعد إجراء العملية بساعات أو أيام.
الموت الإكلينيكي
وهناك تعريفان للوفاة الأول هو الوفاة الشرعية التي تتحقق بمفارقة الروح للجسد مفارقة تامة كاملة بحيث يبرد جسم المتوفى لفقده للحرارة وتتوقف جميع أجهزة وأعضاء الجسم عن العمل ويبدأ الفساد والتحلل والتعفن في الجسد، والثاني هو الموت الإكلينيكي أو موت الدماغ وبعض الأطباء ينحاز للمعنى الثاني حيث إن الأعضاء التي تستخدم في النقل كالكبد والكليتين والقلب والرئة والبنكرياس لا تصلح إذا أخذت من جثة مات صاحبها موتًا كاملًا أي مات منه وتوقفت جميع أعضائه عن العمل بل تؤخذ من مريض مات مخه وما زال قلبه وكبده وكليته في حالة حياة
نقيب الأطباء الدكتور حمدي السيد
انحاز للموت الإكلينيكي مبررًا ذلك بأن السنوات الماضية شهدت تقدمًا كبيرًا في الطب وأجهزته وخاصة أجهزة التنفس الصناعية والعناية المركزة ووسائل الإنعاش وهذه الأجهزة تبرز لنا وفاة المخ قبل وفاة أعضاء الجسم، وإذا مات المخ، فسوف تموت كل الأعضاء لاحقًا فالمخ هو العضو المهيمن على الجسم كله ولم يحدث أن توفي مخ مريض واستعاد حياته مرة أخرى، ويشير النقيب إلى أن تعريف الوفاة بتوقف المخ سيساعد الأطباء على إجراء عمليات نقل كبد وكلى وقلب من إنسان توقف ومات مخه وما زالت أعضاؤه تعمل حيث إن النقل لا يصلح إلا في الساعات اللاحقة لوفاة المخ مباشرة وإذا تأخرنا فسوف تموت الأعضاء ويضيف الدكتور حمدي السيد: الشخص الذي يصاب بتلف شامل ونهائي في مخه يعتبر في عداد الموتى وإن ظلت بقية أعضاء جسمه تعمل أمامنا في غرفة العناية المركزة حيث تساعد الأجهزة الصناعية بعض أعضاء جسمه على العمل ومن ثم فإن رفع الأجهزة عنه لا يعد قتلًا لأن الوفاة في هذه الحالة تكون قد حدثت بالفعل مع موت المخ حتى وإن ظل قلبه ينبض، وهناك دول كثيرة في العالم أخذت بالموت الإكلينيكي وبالتالي نجحت في زراعة الأعضاء نجاحًا كبيرًا واضطر المصريون للسفر إليها لزراعة كبد وكلى في أجسامهم بتكاليف ضخمة جدًا، ويحظى رأي النقيب بموافقة الحكومة وقيادات الحزب الوطني
رأي آخر للأطباء
ويعترض فريق كبير من الأطباء أبرزهم الدكتور صفوت حسنلطفي أستاذ التخدير والعناية المركزة بالقصر العيني على تعريف الموت الإكلينيكي ويقول: موتى المخ ليسوا موتى حقيقيين، بل مرضى أحياء مصابون بالغيبوبة العميقة أو إصابات الحوادث وهناك حالات كثيرة مات منها ثم عادت للحياة مرة أخرى ومن ثم فإن التعامل مع هؤلاء على أنهم موتى وانتزاع أعضائهم منهم يعد جريمة قتل متكاملة الأركان.
ويشير الدكتور صفوت إلى أن هناك خلافات شديدة بين الأطباء والدول بل بين الولايات المتحدة داخل الدولة الواحدة حول مفهوم موت المخ، فهناك ثلاثة تعريفات لذلك الأول هو موت جذع المخ والثاني موت كل المخ والثالث موت الوظائف العليا للمخ، ويواجه التعريف الأول الذي تأخذ به بريطانيا بمعارضة شديدة من الأطباء الألمان على أساس أن المريض الذي يتم تشخيصه بالتعريف البريطاني لا يزال يحتفظ بالقدرة على التفكير والإحساس كما يواجه التعريف الثالث معارضة شديدة لأنه بالغ الخطورة والاتساع حيث يحكم بموت المخ على مرضى الأمراض العقلية ومرضى ما يسمى بالحالة الخضرية الدائمة ومرضى غياب القشرة المخية.
ويوضح الدكتور صفوت أن الأبحاث العلمية في العالم أثبتت أن الفحوص المستخدمة في تشخيص موت المخ ليست دقيقة، فمجموعة الفحوص التي تعتمد على اختبارات النشاط الكهربي لخلايا جذع المخ والتي تتضمن اختبارات الوظائف السمعية والبصرية لجذع المخ لا يمكن اعتبار نتائجها قاطعة حيث يمكن أن تعطي نتائج كاذبة إما بسبب عدم التزامن في النشاط الكهربي مما يؤدي إلى عدم تزامن استجابة خلايا المخ للمنبهات في وقت واحد وإما بسبب وجود اضطراب في وظيفة المستقبلات الحسية فلا تحدث الاستجابة الطبيعية للنشاط الكهربي رغم استمرار حيوية المخ.
ويضيف الدكتور صفوت حسن: كما أن مجموعة الفحوص التي تعتمد على سريان الدم وتستهدف تشخيص توقف الدورة الدموية يمكن أن تتعرض للخطأ نتيجة للنقص الكمي حيث يمكن أن تكون الدورة الدموية ضعيفة فلا تعطي نتائج إيجابية رغم عدم انقطاع الإمداد الدموي ويشير الدكتور صفوت إلى نقطة مهمة وهي وجود خلافات حول السن التي لا يجوز فيها تطبيق مفهوم موت المخ فقد اتفقت البروتوكولات المختلفة لتشخيص موت المخ على عدم جواز تطبيق هذا المفهوم على الأطفال، وذلك بسبب المقدرة الفائقة للأطفال على استعادة وظائف المخ حتى ولو بعد فترة طويلة تصل إلى عدة أسابيع، فعلى حين يحدد بعض الأطباء السن التي لا يجوز تشخيص موت المخ قبلها بسنتين عند بعض الأطفال فهناك من يحدد تلك السن بخمس سنوات وآخرون بعشر سنوات ولعل ذلك من الأدلة القاطعة على بطلان مفهوم موت المخ إذ إن الحقائق الطبية والثابتة وخاصة في أمر خطير كتشخيص الموت لا يمكن أن تكون عرضة للاختلاف بتغير السن وإنما يتحتم أن يكون تشخيص الموت كما كان دائمًا أمرًا ثابتًا لا يختلف عليه اثنان من الأطباء كما لا يختلف أيضًا من سن لآخر.
وقد أصدرت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة برئاسة المستشار طارق البشري فتوى أيدت الفريق الثاني حيث شارت إلى أن انتزاع الأعضاء من مريض الغيبوبة العميقة يعد جريمة قتل حتى ولو كان المريض في سكرات الموت، لأن العبرة هذا بالفعل الذي يؤدي مباشرة إلى الموت وهو هنا انتزاع الأعضاء عن طريق الطبيب الذي يعد قاتلًا، ولا عبرة بالقول بأن المريض كان في غيبوبة أو أنه كان سيموت بعد فترة قصيرة أو طويلة، وذكرت الفتوى أن نقل العضو يفيد حتمًا وبذاته موت المنقول منه حتى إن كان المنقول منه في سكرات الموت والعبرة في بيان سبب الموت هو الحالة أو بالفعل الذي أفضى حتمًا ومباشرة إلى حدوث الموت في لحظة حدوثه.
القضايا الثلاث السابقة، التبرع بالأعضاء وشرعيته، وتعريف الوفاة، والاتجار طرحت نفسها على آخر اجتماعات مجمع البحوث الإسلامية والذي يعد الجهة البحثية الأولى في العالم الإسلامي فيما يتعلق بالإسلام، أكد الشيخ سامي الشعراوي الأمين العام أن المجمع انتهى إلى إصدار بيان أكد تحريم بيع الأعضاء، فجسم الإنسان ليس محلًا للبيع والشراء وليس سلعة من السلع التي يصح فيها التبادل التجاري وإنما جسد الإنسان بناء بناه الله تعالى وسما به عن البيع أو الشراء وحرم المتاجرة فيه تحريمًا قطعيًّا وكل ما يأتي عن هذا الطريق بالنسبة لجسم الإنسان فهو باطل.
وأشار الشيخ سامي الشعراوي ابن الشيخ محمد متولي الشعراوي إلى أن المجمع أجاز للإنسان أن يتبرع بأعضائه شريطة ألا يؤدي هذا التبرع إلى ضرر بليغ بالشخص المتبرع لا في الحال ولا في الاستقبال، ولا شك أن الإنسان لا يتبرع بشيء من جسده إلا لشخص عزيز عليه ومن أجل تقديم منفعة جليلة لغيره مبتغيًّا بها وجه الله تعالى.
وحسم المجمع قضية الموت الإكلينيكي فأوضح أن الموت هو مفارقة الحياة للإنسان مفارقة تامة بحيث تتوقف كل الأعضاء بعدها توقفًا تامًا عن أداء وظائفها، فإذا ما تمت هذه المفارقة التامة للحياة بالنسبة للإنسان وأقر بذلك الطبيب المتخصص فإنه في هذه الحالة وفي أقصى الضرورة يجوز نقل عضو من أعضاء جسد المتوفى إلى جسد إنسان حي إذا كان الميت قد أوصى بذلك قبل وفاته كتابة أو شهد بذلك اثنان من ورثته وإذا لم تكن هناك وصية ولا شهادة ففي هذه الحالة يكون الإذن من السلطة المختصة.
وأشار الشيخ سامي إلى أن المجمع أو النقل من الإنسان الميت إلى الحي بناء على القاعدة الفقهية أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف والضرر الأشد هنا يتمثل في أن الإنسان عرضة للمرض الشديد وللهلاك المتوقع، والضرر الأخف يتمثل في أخذ شيء من إنسان ميت لإنسان حي في حاجة شديدة إلى هذا الأخذ.
استنساخ الأعضاء
- هل يمكن زراعة الأعضاء عن طريق الاستنساخ بدلًا من التجارة في البشر؟ يقول د/ هاري جريفن العالم في معهد روزلين الذي أثار ضجة عالمية حول استنساخ في النعجة دوللي في مقابلة صحفية نشرت مؤخرًا أن الفكرة الحالية هي تعديل المورثات الحيوانية وإضافة مورثات بشرية إلى أجنة الحيوانات لتصبح أعضاؤها أقل مقاومة للنظام الدفاعي البشري، وبالتالي تخف عملية الرفض المناعي التي تعتبر العائق الأول لعملية الزراعة، وهذا يستدعي إعطاء الأدوية المثبطة للمناعة طيلة الحياة تقريبًا وقد تزود تقنية الاستنساخ الأطباء في المستقبل بأساليب جديدة للزراعة لكن التجارب الأولى على الخنازير لم تكن مشجعة كثيرًا، لذلك تحول إلى تطبيق التجارب على الابقار.
- وعن إمكانية أخذ خلية لإجراء عملية الاستنساخ لإنتاج عضو معين كالقلب مثلًا قال جريفن إن الأعضاء بنية معقدة تحتوي على نسيج متكامل من الأعصاب والعضلات والألياف.. إلخ، ولا أظن أن هذا ممكن حاليًا.
- يتكرر النصب على الفتيات بعرض عقود عمل مغرية لهن في وظائف مرموقة خارج بلادهن وحين يصلن إلى موقع العمل يجدنه وكرًا للرذيلة، وقد يقدم الرجل الأجنبي على الزواج من الفتاة وتكون وثيقة الزواج مجرد ستار يخفي تسخير الزوجة في أعمال الرذيلة.
- تكررت في بلاد المغرب الغربي حوادث زواج نصارى أو وثنيين من فتيات مسلمات ويلجأ بعضهم إلى إعلان إسلامه صوريًّا والمفاجأة الأكبر أن تكتشف الزوجة أنه مصاب بالإيدز.
أغرب الحالات
من أغرب الحالات التي وقعت في أمريكا وترد على من يؤيدون الموت الدماغي أو الإكلينيكي أن فتاة أصيبت بالغيبوبة المستمرة وأثناء وجودها في المستشفى قام أحد الممرضين باغتصابها وقد اكتمل الحمل ووضعت وهي في تلك الغيبوبة.
تشديد العقوبات على الاتجار بالأعضاء في مصر
وافق مجلس الشعب المصري في آخر جلسة عقدها الأسبوع الماضي قبل فض الدورة البرلمانية على تعديل قانون العقوبات لمواجهة قضية الاتجار في الأعضاء البشرية، ويقضي التعديل بأن: العقوبة الأشغال الشاقة لمدة لا تقل عن خمس سنوات، إذا وقعت عملية نقل العضو أو جزء منه إنسان حي إلى إنسان آخر، وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إذا ترتب على عملية النقل المنقول منه العضو ... وتجدر الإشارة إلى أن هناك ثلاث مشروعات بقوانين لا تزال معروضة على مجلس الشعب، لم يتم البت فيها، تطالب بتقنين نقل وزراعة الأعضاء تمهيدًا لانتشارها بصورة قانونية ويلقى هذا الاتجاه معارضة شديدة من عدد كبير من علماء الإسلام وأساتذة الطب، ويبدو أن الطب المصري أثر التريث في المصادقة على القوانين المعروضة حتى لا يثير الكثيرين!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل