العنوان وزير الإرشاد السوداني في مؤتمر صحفي: المنظمات الإسلامية في السودان تعتبر الذراع القوية للوزارة في تحقيق الرسالة السامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990
مشاهدات 78
نشر في العدد 970
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-يونيو-1990
·
هناك هجمة صليبية على أفريقية تأخذ شكل منظمات للإغاثة.
·
التنصير يجتاح أفريقية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.
·
مزقنا فاتورة استيراد السكر ووفرنا نصف الاستهلاك في القمح.
عقد وزير
الإرشاد والتوجيه في جمهورية السودان الشقيقة الأستاذ عبدالله دنيق مؤتمرًا
صحفيًّا مساء الإثنين الماضي بفندق شيراتون الكويت حضره مندوبو الصحف والمجلات
المحلية، وقد بسط السيد الوزير الحديث عن قضايا الوزارة وهدف الزيارة التي قام بها
للكويت والمشاريع الرئيسية التي تضطلع بها وزارته في السودان، كما تطرق لعدد من
المشاكل السودانية خاصة المتعلقة بالوضع الاقتصادي، وذلك بناء على الأسئلة
المطروحة في اللقاء الصحفي.
وقد شاركت
مجلة المجتمع في المؤتمر وكان نصيبها هذا القدر من التغطية الإعلامية:
مندوب الوطن: ما الهدف العام من هذه
الزيارة؟
وزير
الإرشاد: جئنا في
رحلة عمل لتبادل الآراء والأفكار والخبرات، وقد قصدنا لقاء وزير الأوقاف والشؤون
الإسلامية لاشتراكنا في الهموم التي تتلخص في العمل على نشر الدعوة الإسلامية في
وطننا أولًا وفي العالم الخارجي ثانيًا، وتبادلنا الآراء حول الدعوة والعقبات التي
تعترض طريقها، وكيفية تجاوز تلك العقبات. وقد التقينا بمؤسسات إسلامية عاملة في
هذا المجال على النطاق الرسمي مع وزير الأوقاف وعلى النطاق الشعبي في جمعية
الإصلاح الاجتماعي، وبيت الزكاة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وجمعية
إحياء التراث، وكلها مؤسسات تعمل في حقل الدعوة الإسلامية، لتزويد الشعب المسلم
وتبصيره بأمور دينه وحياته.. هذا هو الهدف العام من الزيارة، فهي زيارة لدول
الخليج العربي وقد بدأناها بالكويت.
مندوب السياسة: كيف تواجه الدول الإفريقية
حملات التنصير؟
وزير
الإرشاد: سوف أتكلم
عن السودان باعتباره شعبًا مسلمًا، هناك عمل كنسي مكثف، وهذا العمل يأخذ أشكالًا
مختلفة في شكل منظمات للإغاثة استفادت من الظروف التي مرت بالسودان، ظروف الجفاف
والتصحر والمجاعات التي تلت ذلك، وهي تعمل في مناطق المسلمين، وغير المسلمين من
باب أولى، وإذا كان هذا في السودان وهو قلب إفريقيا وهو قلب مسلم فحدث ولا حرج عن
بقية أفريقيا التي هي محتاجة إلى التبشير الإسلامي.
ولذلك نجد
أن هناك هجمة صليبية وقد ذكر البابا ذلك حيث قال إن إفريقيا عام ۲۰۰۰ سوف تكون قارة نصرانية، وهم يعنون ما
يقولون وقد جهزوا لذلك كل الإمكانيات، جندوا البشر بمختلف تخصصاتهم ويسروا لدعوتهم
كل الأموال اللازمة ثم هم يدخلون من المداخل المادية بأن يقدموا مساعدات في مختلف
المجالات للمحتاجين في أفريقيا وهم يستغلون البؤرات التي ينتشر فيها الفقر
والمجاعات بصورة أساسية حيث يقومون بتوفير الخدمات اللازمة سواء كانت صحية أو
تعليمية أو غير ذلك.
فالتبشير
واقع معيش بدءًا من السودان إلى شرق إفريقيا وغربها حتى جنوب إفريقيا، ولذا فنحن
ندعو المسلمين للانتباه لهذا المخطط المرصود والمدعوم.
المجتمع: هناك في السودان منظمات إسلامية
ومؤسسات إسلامية كثيرة مثل منظمة الدعوة الإسلامية ومعهد اللغة العربية وغيرهما،
فما هو حجم التنسيق بين الوزارة وهذه المؤسسات في مجال الدعوة؟
وزير
الإرشاد: في السابق
كانت هذه المنظمات تعمل دون تنسيق مع الجهاز الرسمي لطبيعة النظام في ذلك الوقت،
ولكن منذ ثورة الإنقاذ في يونيو هناك تنسيق تام وتعاون تام بين هذه المنظمات
والوزارة، وهذه المؤسسات تعمل بصورة فعالة ومؤثرة في مجال الدعوة الإسلامية
والوزارة كذلك، ولعل هذه المنظمات وعلى رأسها منظمة الدعوة الإسلامية تلك المنظمة
الفتية العملاقة رغم صغر سنها في العمر الزمني حيث لم يمضِ عليها غير عشر سنوات،
تعتبر الذراع القوية للوزارة في التعاون لتحقيق الرسالة السامية التي ننشدها وهي
نشر الدعوة الإسلامية وتثبيت أركانها، فهناك تنسيق وتعاون مثمر وبناء بين هذه
المؤسسات وبين وزارة الإرشاد والتوجيه التي هي معنية برعاية الدين في المجتمع.
الوطن: ما هي أبرز المشاريع التي تقوم
الكويت بدعمها شعبيًّا ورسميًّا في السودان؟ وهل تتكرمون بإعطائنا نبذة عن قانون
الزكاة الذي صدر مؤخرًا؟
وزير
الإرشاد: عندما
نتحدث عن دولة الكويت الشقيقة فإننا نتحدث بامتنان لما قدمت للسودان في المجالات
المختلفة، فدولة الكويت لم تحصر نفسها في مجالات بعينها، بل تقدم الكثير في مختلف
المجالات في التعليم في الصحة، في الدعوة الإسلامية وخاصة في الجنوب، فلأول مرة
نجد دولة عربية شقت طريقها في الجنوب واستطاعت أن تقلب المفاهيم السائدة التي كان
يحملها أبناء الجنوب تجاه الثقافة الإسلامية والعربية، فدولة الكويت بوجودها في
جنوب السودان وفي الأدغال، وتقديمها للمساعدات الملموسة في مختلف المجالات التي
منها المساكن لمحدودي الدخل وكذلك المساكن التي قدمتها لجامعة «جوبا» ومستشفى
الأطفال الذي تشرف عليه.. كل تلك الأعمال غيرت الصورة التي كانت موجودة في الجنوب
وهذا يعتبر من الإنجازات الكبيرة التي حققتها دولة الكويت في السودان على العموم،
وفي الجنوب التي هي محتاجة للدعوة الإسلامية حيث نعتبرها تربة خصبة للدعوة
الإسلامية لأن معظم الناس ما زالوا على معتقداتهم المحلية وعلى أديانهم المحلية.
فدولة الكويت استطاعت أن تحدث هذا التحول وقد كان للدور الذي لعبه السفير الكويتي
في السودان أثر في هذا المجال.
أما ديوان
الزكاة فقد استطعنا في هذه الفترة الوجيزة أن ننهض به حيث أجازت الحكومة قانونًا
للديوان أبرز سماته أنه أعطى هذه الفريضة وهذا الركن الركين من أركان الدين القوى
الدافعة لأنه في السابق كان عملًا تطوعيًّا مع أن الزكاة ركن أصيل من أركان
الإسلام ودعائمه فأعطاها القانون القوة وقد استطعنا بتوفير الكادر الأمين الصادق
أن نزرع الثقة والاطمئنان في نفوس دافعي الزكاة بأن أموالهم في أيد أمينة وأنها
سوف تصل لمستحقيها وهذا يشجع الناس على أن يدفعوا زكاة أموالهم لهذه المؤسسة.
ومن سمات
هذا القانون أنه أنشأ لهذا الديوان مجلس أمناء أعلى يشارك فيه كبار دافعي الزكاة
وكبار العلماء والفقهاء وبعض الخيرين.. وبذلك حقق الديوان طفرة حيث زادت موارده
إلى أكثر من ستة أضعاف ما كانت عليه وقد ترتب على ذلك أن الديوان استطاع أن يقدم
معونات شملت (۲۹) ألف أسرة
وبعض هذه الأسر أمكننا أن نُملّكهم وسائل للإنتاج. ونحن في ديوان الزكاة نهتم في
المقام الأول بالأيتام والأرامل بوصفهم الفئة الضعيفة في المجتمع.
ونحن نأمل
في السنتين القادمتين أن يبرز دور الديوان بصورة أكبر ونستطيع أن نصل إلى كل محتاج
في السودان لأن الخطوات ثابتة والرؤى أصبحت واضحة.
ومن سمات
هذا القانون أنه أعطى لدافع الزكاة حق الحصول على ٢٠٪ من زكاة ماله ليوزعها هو على
من يعرفهم من الفقراء والمساكين أو على ذويه وأقربائه من الفقراء والمساكين، ونحن
بذلك قد حققنا خطوة للأمام لكننا لا نستطيع الادعاء بأننا قد أحطنا بالفقر في هذه
الفترة الوجيزة، لكن من المؤمل حسب ما رأينا ولمسنا من أجهزتنا أنهم قد استطاعوا
أن يقيموا في كل أقاليم السودان أمانات إقليمية للديوان واستطعنا أن نقيم لجانًا
للزكاة في كل حي ففي العاصمة توجد لجنة للزكاة في كل حي للصرف بواسطة إمام المسجد
وبعض الخيرين.
وقد تمكنا
من البداية أن نوفر لدافع الزكاة الثقة في ديوان الزكاة بأن زكاته في أيد أمينة
صادقة عاملة مجاهدة مؤمنة تستطيع أن تقوم بهذا الدور نيابة عنه بصورة مرضية.
السياسة: كيف ترون الوضع الاقتصادي في
السودان بعد قيام الثورة؟
وزير
الإرشاد: إن من
أسباب قيام الثورة هذا الوضع الاقتصادي المتضخم وشظف العيش ونستطيع أن نقول إن
الاقتصاد في السودان إلى الآن في درجة الصفر، لكننا في هذه الفترة الوجيزة استطعنا
أن نضغط الإنفاق الحكومي، فضغط الإنفاق الحكومي صار مظهرًا واضحًا وملموسًا الآن
في السودان فلم يعد هناك مظاهر للصرف البذخي للدولة فكل وزير يملك سيارة واحدة فقط
يؤدي بها جميع المهام وفي السابق كان لكل وزير سبع سيارات على الأقل والإجراء
الثاني أننا بصّرنا الشعب بأن هذه الأزمة وهذا التدهور الاقتصادي وهذا التضخم نحن
مسؤولون عنه أولًا لأننا نحن الذين خلقناه، فقد شاركنا جميعًا في هذا الوضع
المتردي للاقتصاد لأن كل واحد منا قصر في مجاله وإلا ما وصلنا إلى ذلك وهذا يجعل
الشعب يشعر بأن هنالك أمانة وهناك صدقًا في القول ومعنى ذلك أننا وقد شاركنا في
هذا المأزق يمكننا أن نخرج منه بأن نتجه إلى الإنتاج وننبذ الفرقة والشتات ونهتم
بأعمالنا ونترك هذا التسيب وعدم المبالاة والفوضى وقد أدى ذلك إلى تحقيق الانضباط
والاهتمام بالعمل والإنتاج، والروح المعنوية رغم هذا الضيق عالية، وقد برزت بوادر
الانضباط في الإنتاج الوفير من السكر حيث حققنا فيه الآن اكتفاء ذاتيًّا، وبذلك
مزقنا فاتورة استيراد السكر كما وفرنا نصف الاستهلاك من القمح.
ومعنى ذلك
أننا قد بدأنا السير في الطريق الصحيح لإزالة هذه التشوهات في الاقتصاد وبتبصير
الشعب بالواجب.
وفي
النهاية يمكننا القول إن الوضع الاقتصادي غير مرض لكننا نسير في الطريق الصحيح من
ضغط للإنفاق وتحقيق للانضباط وزيادة في الإنتاج كما أن هناك برنامجًا ثلاثيًّا
للإنعاش الاقتصادي ننعش اقتصادنا ثم ننطلق به.
القبس: سمعنا عن «قرية حنان» كأحد المشاريع
الخيرية، هل تحقق الهدف منها؟
وزير
الإرشاد: نستطيع أن
نقول إن «قرية حنان» هي هدية قيمة من شعب الكويت للسودان وقرية حنان جهزت لاستيعاب
الأطفال ففيها مجموعة كبيرة من الأطفال تحت رعاية هذه المؤسسة فهي قد حققت أغراضها
ونأمل أن تحقق أقصى ما يمكن من الأهداف التي رصدت فهي لفتة بارعة وهدية قيمة نعتز
بها في السودان.
المجتمع: هناك تصور لدى الأكثرية في العالم
العربي أن جنوب السودان عبارة عن منطقة مسيحية خالصة وليس فيها للإسلام نصيب
ويترتب على ذلك أن مشكلة الجنوب هي صراع عربي مسلم ضد المسيحية الموجودة في الجنوب..
نرجو إلقاء الضوء على ذلك.
وزير
الإرشاد: في الواقع
والحقيقة الإسلام أسبق من النصرانية في الجنوب فمعظم المؤرخين يرجعون اتصال جنوب
السودان بالعالم الخارجي لعام ١٨٤٠ في العهد التركي، ولكني أعتقد أن اتصال الإسلام
بجنوب السودان أسبق من هذا التاريخ، فمملكة سنار في الإقليم الأوسط في السودان
نشأت في سنة ١٥٠٠ وإحدى هذه الروايات تجعل الشلوك من ملوك هذه المملكة، والشلوك
قبيلة من الجنوب وهذه المملكة كانت مملكة إسلامية.. ومعنى ذلك أن الإسلام قد عرف
طريقه إلى جنوب السودان منذ وقت مبكر.
لكن مجيء
الاستعمار فيما بعد استطاع أن يضع قوانين يحاول بها أن يحد من المد الإسلامي
القادم من الشمال إلى الجنوب بقيود كثيرة منها قانون المناطق المقفلة كأن يمنع
المسلم من الشمال أن ينتقل إلى الجنوب إلا بإذن خاص من الحكومة البريطانية ومعظم
المدن في الإقليم الجنوبي مظاهرها مظاهر إسلامية والمسلمون يتركزون في هذه المدن،
ولكن لعوامل تراجع المد الإسلامي، ورغم تلك القيود استطاع الإسلام والثقافة
العربية أن يشقا طريقهما إلى الجنوب بعد رفع قوانين المناطق المقفولة، فالصراع لم
يكن دينيًّا لأن الجنوب في معظمه إلى الآن سكانه من أصحاب المعتقدات المحلية
والإحصاءات التي أبرزتها الكنيسة تشير إلى أن المسلمين يمثلون 18% من السكان
والنصارى 17% وهذه وثائق كنسية، وفي الجنوب وفي السودان عامة نستطيع أن نقول إن
السودان شعب متسامح فليس هناك صراع ديني وكلٌّ يمارس شعائره بحرية تامة بل ويمارس
التبشير وإلا ما وجدنا حوالي أكثر من خمسين مؤسسة إغاثة تبشيرية في السودان.. هذا
من التسامح وحرية الاعتقاد فلم يكن الدين عاملًا من عوامل الصراع.
وفي مؤتمر
الحوار الوطني الذي حشد له كل أبناء السودان بمختلف اتجاهاتهم ولغاتهم قرروا أن
الدين لم يكن عاملًا للصراع في السودان في أي فترة من الفترات، ولما تحدث المؤتمر
عن دين الدولة جاء بتعبير يرضي الجميع، وقد حضر المؤتمر وشارك فيه ألف من
السودانيين من جميع الاتجاهات والتخصصات في السياسة والأمن والاقتصاد وخرجوا بأن
الدين لم يكن عنصرًا من عناصر الصراع في السودان، فهذا ادعاء لا أساس له ونحن
نرفضه وخاصة في الجنوب فأنت تجد في الأسرة الواحدة المسلم والنصراني والذي مازال
على معتقداته المحلية فكيف يكون الصراع دينيًّا؟ بل الصراع هو صراع تنموي.. صراع
على قسمة السلطة.. والمؤتمر قد أشار إلى هذه الأمور بوضوح ووضع لها المعالجات
المرضية لكل الأطراف.
البلاغ: قد يكون التسامح موجودًا عند
المسلمين ولكن الأحداث التي حدثت من قبل النصارى في مناطق شتى- ولن تكون ليبيريا
آخر هذه الأحداث- تدل بالحقيقة على أن النصارى لا يتحدثون عن التسامح، إلا إذا كان
ذلك في مصلحتهم، أما إذا كانت لهم غلبة فإنهم سيضربون بهذا التسامح عرض الحائط،
فما الداعي للمناورة بذلك؟
وزير
الإرشاد: النصارى
في السودان إذا ما تركوا تنطبق عليهم المقولة التي تحدثنا عنها لكن هذه المظاهر
التي تراها من جانبهم تأتي بها هذه المؤسسات التبشيرية الغربية، فهي التي تبذر بذور
التعصب والصراع، لكن المواطنين السودانيين من النصارى هم أهل لنا، وحرية الدين
والعبادة مكفولة لهم وليس لنا إلا أن ندعوهم بالتي هي أحسن كما أمرنا الإسلام ﴿وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (النحل:125)
فنحن في السودان لا نشعر بأن هنالك كبتًا أو محاولة لفرض جماعة من الدين دينهم على
الآخرين إلا عندما تحضر هذه المؤسسات ولذلك فقد بدأنا بسودنة الكنيسة منذ وقت مبكر
فسودنَّا الكنيسة الأسقفية وهم يسيرون وفق سياسة الدولة، وحتى في تطبيق الشريعة
الإسلامية كما وضح في المؤتمر من أن للمسلمين الحق في ممارسة دينهم وفي إبرازه إلى
أرض الواقع لأن ديننا سلوك وممارسة وقول.. فليس مجرد طقوس تؤدى في أيام الجمع
والعيدين فهو سلوك وممارسة في كل الحياة فإذا تكلمنا عن كل مناحي الحياة سوف نجد
للإسلام قولًا وتشريعًا في ذلك، إذن هو ممارسة عملية وليس طقوسًا محددة تؤدى في
أيام محددة كيوم الأحد أو ميلاد المسيح فهم يعرفون طبيعة ديننا والشعب السوداني
شعب مسلم في مجمله فمن حقه أن يمارس دينه في الحياة والذي حدث في ليبيريا إنما هو
من تدخلات أمريكية.
مراسل البلاغ: الله عندما قال ﴿وَلَن
تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ﴾ (البقرة:120) لم يقل إلا نصارى
السودان فهم متسامحون.
وزير
الإرشاد: هم لن
يرضوا لكن المطلوب منا نحن المسلمين أن نقدم الدين في صورة سهلة ميسورة، لأن الدين
المعاملة فنحن مطلوب منا أن ندعوهم بالمعاملة والمجادلة بالتي هي أحسن وبالالتزام
بالسلوك الإسلامي الذي قد يؤثر فيهم ويأتي بهم إلى الإسلام، وليس عن طريق التضييق
والاضطهاد، وإنما العكس، ونحن نعاملهم من هذا المنطلق لنقدم لهم الإسلام سلوكًا
لكن دون تفريط، والآن القساوسة في الجنوب يسلمون فضلًا عن العاديين فنحن نريد أن
نقدم إسلامًا سليمًا معافى، لكن هذا لا يعني التفريط في الدين، فنحن لا نفرط في
ديننا إنما نقدم نموذجًا للدين الإسلامي.
فنحن إذا
قدمنا إسلامًا نظيفًا معافى خاليًا من الانحرافات سيوفر علينا جهد الدعوة،
فالآخرون سوف يأتون إلى الإسلام طوعًا ولا يحتاجون إلى أن ندعوهم لأنهم سوف يرونه
سلوكًا عمليًّا.. لا غش.. النظافة من الإيمان.. لا تطفيف في الميزان.. وهذا كله من
الصور المنحرفة التي تحدث في الأرض الإسلامية، فإذا جئنا وقدمنا الإسلام بصورة
سمحة وطيبة كما جاء لا نحتاج لإنشاء أجهزة للدعوة في هذه البلاد، لأنهم سوف يرون
الإسلام واقعًا حيًّا وسلوكًا عمليًّا فهم سيرون وضوح الإسلام وعدالته ونوره، ونحن
في السودان لنا ظروف تختلف حيث يوجد عندنا ما لا يقل عن خمسمائة قبيلة
وحوالي ۱۱۲ لغة،
فأنت في وضع تحتاج فيه إلى التوفيق بين كل هذه التناقضات، وذلك يحتاج إلى حكمة
وصبر لكي نصل إلى نتيجة نتمكن بها من إيصال الإسلام إلى هذه المناطق فنحن لا نفرط
أبدًا في الدين ولكننا نعاملهم بالطريقة التي قد تجذبهم فيما بعد إلى الإسلام، حيث
يرون الإسلام دين عدالة ومساواة على العكس مما يشيعه عنه الغربيون، ولعل قضية درع
سيدنا علي مشهورة، فاذا رأوا هذا العدل وتلك المساواة لا شك سوف يتأثرون.
البلاغ: هل فكرت الحكومة في دور المؤسسات
الغربية التنصيرية التي تزرع هذه الأفكار؟
وزير
الإرشاد: الحكومة
عندها أجهزة تتابع هذه المؤسسات وتتثبت من أهدافها وهويتها ثم تسجل، ونحن نعرف
أنهم يتسترون وراء مسميات كثيرة فهم لا يأتون باسم التبشير ولكنهم يجيئون كمؤسسات
إغاثة ومنظمات خيرية تريد تقديم مساعدات في أماكن بعينها، سواء كان في صورة آبار
أو مدارس أو مستشفيات أو تقديم طعام، فأنت لا تستطيع أن تمنع ذلك لأنهم سيشنون
عليك حربًا خارجية باسم حقوق الإنسان، فيقول: إنسان يريد تقديم طعام للناس الذين
يعانون من المجاعة، فلا تستطيع أن تقول له لا تدخل، ولكن هناك لجنة متخصصة تفحص
أوراق هؤلاء وأهدافهم، فإذا شعرت بأن هناك مؤسسة تخرج على أهدافها تطرد، وقد طردنا
بعضًا منها، وأثاروا ضجة.. لكنهم يستغلون هذه الظروف الطارئة.
البلاغ: صندوق النقد الدولي مؤسسة تهدف إلى
إخضاع الدول الفقيرة لسياسة الهيمنة الغربية، وقد تخصص في تقديم الوصفات التي تثير
الشعوب على حكوماتها، فما موقف حكومة الثورة من هذا الصندوق؟
وزير
الإرشاد: هم بدأوا
معنا بهذه الوصفة المعروفة وهي واحدة في كل العالم، رفع الدعم عن السلع، خفض قيمة
العملة على اختلاف طبيعة الشعوب دون مراعاة لظروف الدول، وقد بدأوا معنا بهذه
الوصفة وقد رفضناها منذ البداية، نحن لدينا رؤية وقلنا لهم إننا لدينا رؤيتنا
الخاصة بإصلاح اقتصادنا وجاءوا ورأوا جديتنا في العمل وقد أقروا خطتنا حيث قمنا
بإيقاف كل مظاهر الصرف البذخي، وقمنا بضغط الإنفاق وترشيد الاستهلاك، لكننا لم
نلتزم بوصفتهم وقد أقروا سلامة اتجاهنا بعد أن جاءونا في البداية وقالوا لابد من
تخفيض الجنيه... إلخ، وصفتهم التي أصروا عليها، لكننا رفضناها وقدمنا لهم خطتنا،
وقد عقدنا مؤتمرًا للإنقاذ الاقتصادي حشدنا له كل خبراتنا، وأصحاب الرأي فينا حتى
من خبراء الصناديق ووصلنا إلى قرارات محددة وقد التزمت الحكومة بها.
س: ماذا فعلت الحكومة بشأن طمأنة
المستثمرين على المشاريع التي يقومون بها؟
ج: في هذا
أيضًا عقدت ندوة الاستثمار للعرب والأجانب وحضرها نسبة كبيرة من المستثمرين خاصة
الكويتيين الذين كان لهم دور في إنجاح ندوة الاستثمار، ورأس المال يحتاج إلى
ضمانات أمنية وسياسية واقتصادية، ويحتاج إلى توفير قواعد البنية الأساسية من طرق
وخلافه وبعض المشكلات وقد طمأناهم بأننا سوف نوفر ما يحتاجون إليه وكانت الندوة
طيبة وخرجت بتوصيات لا بأس بها، ونحن ندعو المستثمرين أن يأتوا ليروا وقد شارك
المستثمرون العرب والأجانب في صياغة قانون الاستثمار مع الدولة، حيث عرض القانون
على المستثمرين المحليين والعرب والأجانب ونوقش معهم، وصدر بناء على ما توصلوا
إليه وأهم مميزاته أنه أعطى المستثمر الأجنبي حق تحويل أمواله بأحسن سعر صرف
بالعملة التي أدخل بها رأس ماله، وأعطته فترة سماح خمس سنوات بعد سنة التأسيس
ومنحته حماية من التأميم والمصادرة، ونوقش في الغرفة التجارية بجدة والسودان ثم
نوقش في ندوة الاستثمار ثم صدر، ومن مميزاته أيضًا أنه وحّد كل القنوات التي
يتعامل معها المستثمر في هيئة لتقضي على الشكوى من البيروقراطية.
المجتمع: هذه الإضافة تفتح سؤالًا جديدًا
هو: ما هي الضمانات ضد الاستثمار الطفيلي الذي يدخل ولا يبذل شيئًا ثم ينزح ثروة
البلاد فيدخل مثلًا بنصف مليون وينزح بالملايين؟ فهل راعيتم هذه النقطة؟
وزير
الإرشاد: لقد صيغت
القوانين بما يخدم مصالح الدولة والمستثمرين ولم تساوِ بين ألوان الاستثمار فهناك
فرق بين الاستثمار الاستراتيجي وغيره.
المجتمع: من المعروف أن السودان يتمتع
بإمكانات كبيرة في مجال الوقف، لكن هذه الإمكانات لم تستثمر الاستثمار الحسن إلى
اليوم.. وبعد مداولاتكم مع وزير الأوقاف ومع مسؤولي الهيئات الخيرية فهل وضعت
الوزارة خطة لذلك الاستثمار؟
وزير
الإرشاد: أول خطوة
نحو الاستثمار كانت تحويل إدارة الأوقاف التي كانت تابعة للوزارة إلى هيئة حتى
تستطيع أن تتحرك بما لها من استقلالية وتستطيع أن تستثمر هذه الأوقاف وقد كون لها
مجلس إدارة يشرف على العمل وكان من خطوات العمل الدخول في مفاوضات مع بنك التنمية
الإسلامي بجدة لاستثمار بعض المواقع، وحصرنا كل الأوقاف الموجودة بالسودان ما عدا
الجنوب وكانت الأوقاف غير معروفة، بالإضافة لأوقاف خارج المملكة، فقمنا بحصر
وتصنيف الأوقاف لأن الوقف يقوم بمهمتين أساسيتين: تحقيق التكافل الاجتماعي
والإنفاق على مجال الدعوة ولكي تقوم بهذا العمل لابد أن تستثمر وقد تبادلنا
الخبرات مع بيت الزكاة ووزارة الأوقاف لاختيار بعض المشروعات.
البلاغ: تحاول إسرائيل الضغط على السودان
ومصر عن طريق إثيوبيا كما أننا نرى محاولات التمكين للجبهة الشعبية في أرتيريا وهي
جبهة يسيطر عليها النصارى وذلك باصطناع انتصارات تمكن لها من السيطرة حتى يكون في
أرتيريا وضع نصراني جديد يخدم أعداء السودان ومصر من اليهود والنصارى، فما موقفكم
من الحركات الإسلامية الأصيلة على الساحة الأرتيرية؟
وزير
الإرشاد: نحن كدولة
نقر مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين هذه واحدة، ونضع دائمًا علاقات حسن الجوار
بين الدول التزامًا بالقانون الدولي، ولا نستطيع أن نفرض على الآخرين ما ينبغي،
لكننا لا نساعد أعداء إثيوبيا حتى لا تفعل مع أعداء السودان مثل ذلك، فنحن نتعامل
مع دول الجوار انطلاقًا من هذا المبدأ ومنها إثيوبيا، فبصورة عامة نستطيع أن نقول
إن هذه مشكلة تخص إثيوبيا ونحن نحتضن فقط لاجئين لجأوا إلينا يحتمون بأرضنا
والقانون الدولي ينظم ذلك، فنحن نقدم خدمات في حدود إمكاناتنا لهذه الأعداد
الكبيرة التي تأتي لا من أرتيريا فقط بل ومن إثيوبيا كذلك، منهم نصارى ومنهم
مسلمون، نعتبرهم لاجئين ونتعامل معهم على هذا المستوى ونطلب من إثيوبيا ذلك، فلذلك
العلاقات بين السودان وإثيوبيا فيها اضطراب نظرًا لتلك التعقيدات الموجودة في
المنطقة لكن القضية الأرتيرية قضية معروفة للأمم المتحدة، كانت دولة لها سيادة لكن
نتيجة للمؤامرات الدولية سلمت لإمبراطور الحبشة، فهي قضية تعرفها الأمم المتحدة
إلى أن صارت إلى الوضع الذي هي عليه الآن والأرتيريون قادرون على التعبير عن
مشكلتهم.
البلاغ: هل تعتبر إعانة ثوار أرتيريا على
استعادة حقوقهم تدخلًا في الشؤون الداخلية؟
وزير
الإرشاد: أنا لا
أقول قولًا قاطعًا هذا تدخل، وإنما أقول إن وجودهم في السودان كلاجئين فنحن نقدم
لهم الخدمات من هذه الزاوية والقانون الدولي يؤيد هذا والأمر الثاني إذا كانوا
مسلمين فمن واجب المسلم أن يعين أخاه المسلم.