; وزير الصحة السوداني البروفيسور محمد شاكر السراج: المشكلة الصحية وبرنامج الإنقاذ | مجلة المجتمع

العنوان وزير الصحة السوداني البروفيسور محمد شاكر السراج: المشكلة الصحية وبرنامج الإنقاذ

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990

مشاهدات 52

نشر في العدد 958

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 13-مارس-1990



  • برنامج الإنقاذ الصحي يواجه مهامًا اجتماعية وصحية معقدة؛ بسبب تفاقم ظاهرة النزوح المترتبة على الحرب في الجنوب.

    نجحنا في تطوير الجهد الذاتي، ونسعى لاستقطاب الاستثمار المحلي والعربي لصناعة الدواء محليًا.

    البروفيسور محمد شاكر السراج، وزير الصحة والرعاية الاجتماعية في الحكومة السودانية، يعرفه الكثيرون من خلال الدائرة الوظيفية التي شغلها في مجال تخصصه، فهو وظيفي "تقني" عريق في الطب، وترقى في سلمه الإداري كذلك من طبيب مدير منطقة حتى تسلم منصب وكيل الوزارة، وتقلب قبل ذلك في العمل النقابي؛ حيث تولى نقيب الأطباء لفترة قلقة للنقابة، بالإضافة إلى توليه لعمادة كلية الطب في جامعة جوبا. هذا هو د. السراج الطبيب والإداري والنقابي والأستاذ، وفوق هذا فالرجل يتحلى بخلق رفيع، وتفهم لقضايا وزارته.

    المجتمع: في البداية نود أن نلقي بعض الضوء على برنامج الإنقاذ الصحي الذي أعدته وزارتكم، وما هي أهم العقبات التي تواجه تنفيذ مشاريعكم تلك؟

    الوزير السراج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين، أما بعد، فإنه لمن دواعي سروري أن نلتقي بالإخوة في مجلة المجتمع الكويتية، والتي ظلت تؤدي دورًا رائدًا في مجال الإعلام دفعًا للقضايا الإسلامية، ومعالجة مشاكل الأمة في شمولية متميزة. وأما عن برنامج الإنقاذ الصحي فإنني أريد أن أشير في البداية إلى الوضع الصحي الذي ورثناه من العهد الماضي، وهو وضع أقل ما يمكن أن يوصف به هو التردي الكامل، فقد ورثنا أوضاعًا بالية في كل المجالات، في المستشفيات من حيث الأجهزة، والكفاءة الوظيفية، وتكدس الأطباء في العاصمة. وكانت هناك أوبئة سارية في أغلب مناطق السودان؛ مما حتم علينا في تخطيط الإنقاذ الصحي معالجة سريعة لأوجه القصور التي ساعدت في تنمية تلك الأوضاع. وكان الاهتمام مركزًا حول إمكانية رفع الكفاءة القائمة للمستشفيات، وعن طريق الجهد الذاتي، كما اعتمدنا على إصحاح البيئة حتى نوفر الجو الصحي للحياة مما يؤدي تلقائيًا إلى تحجيم الأمراض الوبائية كالملاريا، والتيفوئيد، والبلهارسيا. وإصحاح البيئة عن طريق العون الذاتي والجهد الشعبي (النفير) عنوان أبدعته الثورة، وفجرت الجماهير طاقاتها الكامنة عن طريقه. وقد تبع ذلك تحسين نوعي لظروف العمل الطبي، كما وضعنا أسسًا عادلة في توزيع الخدمات الطبية، وتوزيع الأطباء على المستشفيات الإقليمية، وانطلقنا في معالجة الخدمات طويلة الأمد على خطوات وفقًا لبرنامج الإنقاذ.

    المجتمع: فيما يتعلق بتوفير الدواء حاليًا، ذكرتم بأن مساعيكم قد تكللت بالنجاح بعد أن شاركتكم بعض الدول العربية في ذلك، ولكن ماذا عن حل المشكلة مستقبلًا، وهل هناك سعي للاكتفاء من الدواء بواسطة تطوير صناعة الأدوية؟

    الوزير السراج: في الحقيقة هناك اهتمام كبير بتصنيع الدواء في برنامج الإنقاذ الصحي؛ حيث إن الدواء المصنع محليًا يوفر على الدولة كثيرًا من النفقات، بالإضافة إلى توفيره للعملات الصعبة. وفي هذا النطاق، نحمد للمصانع السودانية المحلية الثمانية جهودها في توفير الدواء، وتكبدها للصعاب المتعددة التي تواجهها من وقت لآخر. ومن جانبنا، فإننا نسعى للتوسع في مجال تصنيع الدواء، وإقامة المزيد من المصانع سواء في نطاق القطاع العام، أو بواسطة القطاع الخاص، كما أننا في ذات الوقت نوفر مدخلات الإنتاج للمصانع القائمة حاليًا. ومن جانب آخر، فإننا نفتح المجال للاستثمار في مجال صناعة الدواء للأشقاء العرب وحتى للأجانب، ونحن نفضل ونشجع الاستثمار الوطني والعربي؛ لأن الإنتاج العربي يبقى للكل، وهذا مما يقيم اكتفاءً ذاتيًا؛ حيث إن الدول الكبرى تحارب مشاريع التصنيع الدوائي في العالم العربي حتى لا نشاركها في امتلاك تلك التكنولوجيا. ونحن نرى أن المستثمرين العرب هم الأقدر على توفير مثل هذا الاستثمار. وأيضًا من مظاهر انهيار الخدمات الصحية قبل ثورة الإنقاذ هو تزايد الطلب للعلاج في الخارج، وهو من الأمور المرهقة للمواطن وللدولة حيث التكلفة المرتفعة. ولهذا فإن برنامج الإنقاذ الصحي يعمل على حل تلك المشكلة عن طريق عقد (اتفاقيات صحية) مع الأشقاء في الدول العربية لتنظيم العلاج في الخارج بطريقة أقل معاناة، وأيسر في تقديم الخدمة العلاجية. وفي هذا المقام، أود أن أتقدم بالشكر لدولة الكويت التي فتحت أبواب مستشفياتها لاستقبال المواطنين السودانيين، وعلاجهم بدون مقابل (مجانًا). وفي مجال الاتفاقيات الصحية مع الأشقاء العرب فالتعامل قائم مع كل من مصر، والسعودية، والأردن. وكذلك يعمل برنامج الإنقاذ على تشجيع الاستثمار في المجال الطبي لإقامة مستشفيات ومراكز صحية على مستوى رفيع من التقنية الصحية المجهزة بأجهزة التشخيص والعمليات الدقيقة مما يوفر على المواطنين السودانيين السفر للخارج من أجل العلاج، أو حتى من أجل الفحص الطبي، وتشخيص الحالات الدقيقة. ومع هذا كله، يبقى تركيزنا في وزارة الصحة من أجل إعادة تأهيل المستشفيات الحكومية، وتوفير الأجهزة العلمية الخاصة بإجراء أدق العمليات، ولكن بعض العجز حال دون مواصلة المشوار في تطوير الخدمات الطبية، بل وأدى لانتكاسة ما اكتسبناه في الماضي القريب من نهضة في مجال العمليات الدقيقة. فإنني أعلن بكل ثقة بأننا سوف نعمل على تأهيل المستشفيات لتؤدي أحسن الخدمات بإذن الله.

    المجتمع: هل لكم أن تزودوا القراء بما تجري عليه الأمور حاليًا فيما يتعلق بالشق الثاني من وزارتكم؛ أعني الرعاية الاجتماعية، وما هو الحيز الذي تشغله في برنامج الإنقاذ الصحي؟

    الوزير السراج: فيما يتعلق بشأن الرعاية الاجتماعية فهي شأنها شأن غيرها من الخدمات عمومًا، أصابها الاضمحلال والإهمال طيلة الفترة الماضية. وأما وضعها الآن فإننا نسعى من خلال برنامج الإنقاذ الصحي أن نعدل من وضعها بحيث تؤدي دورها في الخدمات، وهو دور أصيل بالنسبة لصحة المجتمع ودور تكميلي مشارك فيما يتعلق بالجانب الصحي. والرعاية الاجتماعية حاليًا أصبحت مهمة أساسية بعد ظاهرة النزوح الكثيف إلى شمال البلاد، والمترتب على أوضاع الحرب في الجنوب؛ مما يخلق عدة ظواهر مزعجة كظاهرة التشرد، والجنوح، والتفكك الأسري، واليُتم. ونحن من جانبنا نسعى لتوسيع دائرة العمل في الرعاية الاجتماعية التقليدية - رعاية الأطفال والمعوقين - بالإضافة للظواهر المستجدة. وفي هذه الأخيرة نسعى كذلك لاستقطاب الجهود التطوعية المحلية والإقليمية منها، كما أننا نعمل على ترشيد تلك الجهود التطوعية لتواكب خطتنا في الرعاية الاجتماعية. وقد أدت ظاهرة النزوح والحرب في الجنوب إلى فرز مجالات مما يستدعي فعلًا استقطاب العون المحلي، والعون العربي والإسلامي؛ حيث اتسع الهم وتعددت مجالاته.

    المجتمع: بمناسبة الحديث عن استقطاب العون الأهلي (المحلي) والإسلامي، نذكر أن هناك جمعيات ولجانًا تطوعية منها الإسلامي، ومنها الدولي والأجنبي، فهل لمستم من خلال التعامل فيها سلبيات المقاصد التنصيرية والغزو الثقافي والفكري من خلال تقديم تلك الخدمات؟ وهل ترى أن المنظمات الإسلامية كانت في مستوى البذل المطلوب؟

    الوزير السراج: في الأساس نحن هدفنا من العمل التطوعي هو العمل الأهلي (المحلي) باعتبار أن السودانيين هم أصحاب المشكلة. أما الآخرون فقد ساعدت الظروف التي مرت بالسودان في الفترة الماضية إلى تكوين أوضاع فتحت المجال أمام الهيئات والمنظمات الصليبية والتبشيرية؛ لتعمل في مجال الإغاثة، وقد استغلت الظروف السائدة وقتها بافتقاد المراقبة القانونية، مما استدعاها للممارسات الخبيثة، وإثارة الفتن، وأحدثت سلبيات كثيرة جدًا مما اضطر الدولة إلى طرد بعض المنظمات التي انحرفت عن طبيعة عملها، كما حددت العقوبات للمخالفات القانونية، ومنعت بذلك السلبيات التي تنشأ تحت ستار العمل التطوعي. وعندما قامت ثورة الإنقاذ الوطني أوقفت تسجيل المنظمات والهيئات الأجنبية، ثم تم فتح باب التسجيل وفقًا للضوابط المقررة في استمارة العمل التطوعي، وتشمل هذه الضوابط كل المنظمات الدولية والإقليمية، وبذلك أُحكم تنظيم العمل الطوعي الأجنبي بعد أن قررت الجهات المشرفة والمراقبة لأعماله. وأما فيما يتعلق بمنظمات الإغاثة العربية الإسلامية فهذه معلومة المقاصد، وبالطبع ليس بيننا وبين أشقائنا العرب والمسلمين دسائس ولا أهداف غير كريمة، ولهذا فالمنظمات التطوعية العربية تقوم بجهد طيب، وهو مقدر من جانبنا، والتي نذكر منها الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والهلال الأحمر الكويتي، والهلال الأحمر السعودي، ولجنة مسلمي أفريقيا وغيرها من المنظمات الخيرية، ونتمنى أن تتوسع تلك المنظمات في مجالات أعمالها هناك سواء مناطق التماس مع جنوب السودان، أو في أوساط النازحين.

    المجتمع: نريد أن ننتقل إلى جانب آخر من الحوار، وهو ذلك المتصل بقضية جنوب السودان من حيث التداخلات الأجنبية والوجود المتنامي لـ"إسرائيل" في إثيوبيا وتأثير ذلك على الأمن العربي؟

    الوزير السراج: لا بد أن نُجدد القول بأن حركة التمرد في جنوب السودان والتي يقودها جون قرنق ليست حركة معارضة داخلية، وإنما هي أداة مستخدمة من قبل جهات أجنبية يهمها زعزعة الأمن في السودان، ولها مطامع مستقبلية فيه. وغني عن القول بأن حركة جون قرنق تتخذ من إثيوبيا مقرًا لوجودها ومركزًا لتدريبها ونشاطها الإعلامي والسياسي، وتبث منها إذاعتها. كل هذا يثبت بأن حركة التمرد ضالعة في التآمر الإقليمي والدولي ضد السودان، وكانت هناك قناعة بأن هذه الحركة لا تنطلق من منطلقات وطنية، فقد كشفت الأيام عن ذلك بعد أن رعتها إثيوبيا، وكوبا، وألمانيا الديمقراطية. ولكن مجال التآمر اتسع فيما بعد ليشمل المنظمات المسيحية، ومجلس الكنائس العالمي. وهنا والحال هذه كان لا بد أن يكتمل تلوث الشر، فتدخلت دولة العدو الغاصب ("إسرائيل")، وبذلك تلاقت أطماع الدول الكبرى في زعزعة أمن السودان مع أطماع الكنيسة الرامية لفصل الجنوب بأطماع ("إسرائيل") في زعزعة أمن السودان، ومصر، ودول البحر الأحمر. والمؤامرة هذه تجري في الخفاء، وفي أجواء شديدة التكتم خاصة بالنسبة لـقرنق، إلا أن عالم اليوم لم يعد ذلك العالم المجهول الذي تصنعه القوى الخفية، وإنما هو قرية - كما يقولون -. وقد حاول قرنق أن يخفي تعامله مع "إسرائيل"، وانكشف ذلك بوقائع عدة، منها: زيارة قرنق لـ"إسرائيل" والتقائه بأولياء نعمته، كما تبين من التحالف الإثيوبي الإسرائيلي، وتعاون الاثنين في دعم حركة التمرد. وهنا أريد أن أشير إلى أن ("إسرائيل") لها أهداف كبرى في تعاملها مع قرنق ومع منغستو هيلا مريام. فبالإضافة لخنق السودان مائيًا، فإنها كذلك تهدف إلى بسط نفوذها على منابع النيل للضغط على مصر، وشل حركتها ومواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية عمومًا. وبالطبع من يسيطر على منابع النيل يستطيع أن يحكم تهديده على مصر، والسودان. وأيضًا فإن وجود ("إسرائيل") في إثيوبيا يفتح ثغرة واسعة في نظام الأمن العربي، ومن خلال تواجد ("إسرائيل") في شمال البحر الأحمر وفي جنوبه يجعل البحر الأحمر تحت رحمتها؛ مما يشكل تهديدًا مباشرًا للدول العربية ودول الخليج، كما يهدد الملاحة في البحر الأحمر الذي يشكل قناة أساسية لتصدير النفط وحركة مرور الواردات العربية. أما عن التأثير المباشر لحركة التمرد في القرار السياسي السوداني فأنا لا أعتبر قرنق قد سجل في هذا المجال ما يذكر، وقد فشل فشلًا ذريعًا في استقطاب أهل الجنوب. وبدلًا من نزوح الجنوبيين إلى مناطق نفوذ قرنق والدول الأفريقية المجاورة صار النزوح إلى شمال السودان؛ مما أغلق الطريق على قرنق في مجال الحصول على مقاتلين جنوبيين، مما دفع به للوقوع تحت رحمة الجنود المرتزقة، واشتراطاتهم، وشروط الجهات المصدرة لهم. وحتى قبيلة الدينكا التي ينتمي لها قرنق فشل قرنق في استقطاب أبنائها، والشاهد في ذلك حضور 47 سلطانًا (زعيم فرع من القبيلة) من سلاطين الدينكا في المؤتمر الوطني لمشكلة النازحين الذي عُقد مؤخرًا في الخرطوم. وقد كانت إدانة قرنق وحركته واضحة في هذا المؤتمر، وشهدها وشهد عليها كافة القبائل في الجنوب، كما وأشهدنا العالم على ذلك.

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8