; وزير الداخلية المصري ما بين مسرحية مجلس الشعب، ومسرحية سيد زيان | مجلة المجتمع

العنوان وزير الداخلية المصري ما بين مسرحية مجلس الشعب، ومسرحية سيد زيان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 914

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-أبريل-1989

وزير الداخلية المصري ما بين مسرحية مجلس الشعب ومسرحية سيد زيان

 

إذا كان وزير الداخلية المصري اللواء زكي بدر أراد أن يبتز كل من سبقه في منصبه، وأن يصطنع لنفسه شهرة تطبق الآفاق حتى خارج مصر وبأي طريقة، وأن يذكره تاريخ الداخلية المصرية كظاهرة فريدة من نوعها فقد نجح في ذلك، ولكن يا له من نجاح فقد أصبح زكي بدر محل تندر وسخرية في كل المجالس ولم يعد أسلوبه الذي أراده مثيرا - يلقى سوى الاستهجان ويؤلب عليه كل فئات الشعب، وهذا ما جعل المعارضة تختصر جميع مشاكلها مع الحكومة في وجوده على رأس وزارة الداخلية، ولكن هذا الوزير غير عابئ بالانتقادات التي تحاصره وهو ماض في طريقه لا يلوي على شيء، وقد طالت عصاته الغليظة مؤخرا فئة أخرى هي فئة الفنانين ويهمس البعض بأن فضيحة تعاطِي بعض الفنانين للمخدرات والتي كشفتها أجهزة الأمن والمعروضة حاليا على النيابة العامة إنما وقعت لإسكات أصوات أخرى تجاوزت الخطوط الحمراء في نقد الوزير وتصرفاته.

 

فظاظة وبذاءة:                                                                

 

يقف وزير الداخلية المصري زكي بدر على ثلة من الألفاظ البذيئة والعبارات الخشنة والأساليب الفظة، وقد أراد أن يقف على هذه الثلة ليراه الجميع ويسمعه ويرهبه ويخشى عصاته الغليظة وهذه العصاة ليست إلا قوانين الطوارئ المفروضة منذ اغتيال أنور السادات عام ۱۹۸۱ والتي تم تمديد العمل بها في مارس آذار من العام الماضي، ومن ضمن ما تتبعه هذه القوانين لوزارة الداخلية الاعتقال لفترة طويلة «٤٥ يوما» دون محاكمة وتتهم المعارضة المصرية وزير الداخلية الحالي بأنه ذهب بعيدا في تطبيق قانون الطوارئ وخرق الأعراف والتقاليد في التعامل مع المعارضين حيث لم يعد يتورع عن استعمال  أقزع السباب إزاء كل المعارضين على اختلاف مشاربهم، بل تعدَّى ذلك إلى وصف زملائه الوزراء بأوصاف لا تليق ولا يمكن نشرها على الصحف، ومن آخر أقواله ردا على من اتهمه بتجاوز سلطاته وبأنه أمر بتعذيب معتقلين «هؤلاء المغالطون والسفاحون والكاذبون والأفاقون، وهؤلاء الدعاة المغرضون يعملون ضد الصالح العام» وهذا الرد يعتبر مهذبا أمام وصف المعارضين والإسلاميين بالكلاب مرة وبالخنازير مرة أخرى أو بحفنة من القذرين أو بأولاد العاهرات أو .. أو ... وقد بلغت فظاظته وبذاءته ذروتها في مجلس النواب في الشهر الماضي بإهانة نواب المعارضة وسبِّهم ووصف البعض منهم بالكذابين والسفلة مما طوَّر الموقف إلى خناقة بينه وبين بعض النواب تبودلت فيها الصفعات، وقد قال بعضهم آنذاك إن ما حدث من وزير الداخلية هو انهيار دستوري وأخلاقي وقانوني وإهانة للشعب كله، وإنه ليس له مثيل في تاريخ الحياة النيابية المصرية منذ أن قامت بمصر عام ١٩٢٤ بل منذ قيام أول برلمان في عهد الخديوي توفيق سنة ١٨٦٩

 

ما بين زكي بدر والاسلاميين:

 

ليس هناك سوى العداء المتحكم بين زكي بدر والجماعات الإسلامية، وقد استعمل زكي بدر سلطته وكل الأجهزة الأمنية في الأشهر الماضية لملاحقة الإسلاميين وقتلهم أو الزج بهم في السجون وحتى قبل أن يتولى الوزارة وعندما كان محافظًا لمدينة أسيوط بصعيد مصر عرف زكي بدر بعدائه وقمعه للإسلاميين، وقد وصل الأمر به إلى حد منع أي رجل أو امرأة غير متزوجين في جامعة أسيوط بما في ذلك هيئة التدريس من أن يتحدثا معا وقد اتهم أخيرا الشيخ صلاح أبو إسماعيل (من الإخوان المسلمين) بأنه يقدم ديونًا بالربا و يضارب على العملة الوطنية، كما اتهم الحركات الإسلامية بأنها ضالعة مع شركات مالية إسلامية في عمليات نصب واحتيال، وفي الشهر الماضي شدد زكي بدر حملته على الإسلاميين وقال بأسلوبه المعهود «التلفزيون موجود ووسائل الإعلام موجودة وأنا سوف أهينهم وأشتمهم» كما أوصى شرطته قائلا «قولوا ما تشاؤون واشتموا المعارضة إذا أردتم وأنا سوف أهينهم» وتابع قائلا «إنهم حفنة من القذرين وليس هناك عداوة شخصية بين هؤلاء الكلاب» وإذا كانت هذه أقوال الوزير فليس مستغربا أن يطلب من شرطته أن تضرب في المليان أثناء المظاهرات، وأن تقتل دون تردد فيصل ضحايا شرطته إلى ۲۸ شخصا من الجماعات الإسلامية.

 

ما بين زكي بدر وأحزاب المعارضة:

 

لا يرى زكي بدر في نواب المعارضة سوى «شوية عيال» وقد كشفت المهزلة التي وقعت تحت قبة مجلس الشعب أن الوزير زكي بدر يتعامل مع أحزاب المعارضة فِعْلًا على أساس هذا المفهوم وقد خَوَّل لنفسه أن يراقبهم وأن يدس لهم أجهزة التنصت في مكاتبهم ومقر اجتماعاتهم، وأن يكلف رجال مخابراته باقتفاء آثارهم وتسجيل كل تحركاتهم، وقد كشف نفسه بنفسه عندما أمر بالإتيان بأجهزة الفيديو والتسجيل لقاعة مجلس الشعب وعرض شرائط التجسس على الأحزاب المعارضة ولم يعِ أنه وصم بأسلوبه هذا الديمقراطية المصرية، وجعلها أشبه بالملهات مما أثار جدلا سياسيا - لا زال متواصلا - حول هذا الوزير وصارت إقالته شرط المعارضة كلها للتعاون مع الحكومة، وكيف لا يكون الأمر كذلك وزكي بدر يستعدي الجميع في وقت واحد الوفد والتجمع والعمل والإخوان المسلمين والناصريين والشيوعيين، إضافة إلى نقابات المحامين والمعلمين وأساتذة الجامعات وجمعية حقوق الإنسان التي تتهمه بخرق حقوق الإنسان ليس بالنسبة للسياسيين فقط، بل حتى للسجناء والمعروف أن ظروف السجن في عهده صارت أسوأ مما كانت عليه وهو القائل:

 

«إن السجون ليست فنادق خمسة نجوم يقضي فيها الخارجون عن القانون أوقاتا طيبة».

 

وتأتي أخبار مخدرات الفنانين ..

 

بعد أن كشف زكي بدر عن طريقته في ممارسة الديمقراطية، وبعد أن أفقد مجلس الشعب شرعيته وأحدث بألفاظه البذيئة ومشاداته ولطماته ما اعتبر انهيارا دستوريًّا وقيميًّا وأخلاقيا، وبعد أن وصل في ردحه إلى ما وصل إليه، طلعت علينا أجهزته الأمنية بخبر القبض على مجموعة من الفنانين المصريين بتهمة تعاطي المخدرات في شقة أحدهم، وتضم هذه المجموعة سيد زيان، وعماد عبد الحليم، وأحمد الكحلاوي، وراقصة تدعى «سالي» وتقول الأنباء الواردة من القاهرة إنه من المنتظر ظهور مفاجآت عديدة تتعلق بكشف أسماء نجوم آخرين بعد الانتهاء من تفريغ الأشرطة الثمانية التي تم تسجيلها على مدى شهر كامل ويستغرق الشريط ٤٥ دقيقة.

 

وقد رد الممثل الكوميدي سيد زبان على هذه التهمة بقوله: «إنها ملفقة لمهاجمتي وزير الداخلية في مسرحيتي الأخيرة، وعندما وقعت مواجهته بالتسجيلات قال: «هذا ليس صوتي ولم أصل إلى السذاجة لكي أقول هذا الكلام في التليفون». ومما لا شك فيه أن مثل هذه القضية تشد الرأي العام من ناحية وتلمع صورة وزير الداخلية الذي يتهم بأنه أهمل الأمن العام واتجه للأمن السياسي وكرس له وقته وجهده لا سيما بعد انتشار ظاهرة الاغتيالات والمخدرات في عهده والكل يتساءل: أين الحكومة؟ أين رجال الأمن؟

 

ولكن هل هذه القضية تعبر فعلا عن جدية وزير الداخلية في القضاء على المخدرات المنتشرة بصورة رهيبة في مصر؟ أليس من السهل القبض على بعض الفنانين بتهمة التعاطي والكل يعرف الأجواء الموبوءة التي يعيش فيها كثير من الفنانين؟ ولماذا يتم القبض على هذه المجموعة وفي هذا الوقت بالذات والجهات الأمنية كما تقول إحدى الفنانات على علم تام بأسماء كثيرين، ولكنها لا تريد أخذ الرؤوس الكبيرة؟ وتتساءل «ما السر في عدم محاكمة «الكبار» والإصرار على محاكمة الصغار»؟ ولعل هذه الفنانة تعكس رأي كثيرين مثلها يتساءلون نفس الأسئلة فهل تكون الإجابة في تألب فئات كثيرة وقطاعات عريضة من الجمهور على وزير الداخلية الذي استعدى الجميع بغلظته وفظاظته؟

 

إن الفنانين أثارهم أيضا هم الآخرون أسلوب زكي بدر الفظ وسبابه وشتائمه التي لا تعرف التحفظ وقد دأبوا في الأشهر الأخيرة على نقد وزير الداخلية المصري بالتلميح ثم بالتصريح، كما هو الشأن في مسرحية سيد زيان التي تعرض حاليا وفي مسرحيات أخرى من قبل، فهل يكون الوزير قد ضاق ذرعا بهذه المسرحيات؛ فأراد القبض على مجموعة الفنانين لإشعال اللمبة الحمراء أمام جميع الفنانين حتى يدركوا حدودهم ولا يتجاوزونها، ثم إن الأمر لا يستدعي ذكاء كبيرا إذا قلنا إن الوزير يظن أنه بهذه القضية يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد وأكبر هذه العصافير إيقاف التطاول على شخصه وليس أصغرها شغل الجماهير عن قضاياها المُلحة ومعاناتها وتصديها للانهيار الديمقراطي المثير للقلق ولأن وخصوم زكي بدر في ازدياد مستمر والأصوات تتعالى مطالبة بإقالته فهل سيستمر أم يعفَى؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال.

الرابط المختصر :