; وزر الدين يعلمون... ثم يسكتون أو يدلسون... | مجلة المجتمع

العنوان وزر الدين يعلمون... ثم يسكتون أو يدلسون...

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1977

مشاهدات 18

نشر في العدد 376

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-نوفمبر-1977

موقف العلماء من زيارة السادات للقدس

قام جمع من الذين ينسبون إلى العلم يباركون زيارة السادات للدولة التي تحارب الإسلام، والتي أقامت سلطانها على جزء من ديار الإسلام هو قبلة المسلمين الأولى، ومسرى الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأخذ هذا الفريق من الذين ينتسبون إلى العلم يلتمسون الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كي يجعلوا من هذا العمل أمرًا مشروعًا.

إن هؤلاء الذين يباركون مثل هذه الخطوات الجائرة التي لا يرضى عنها الله، بل تصادم ما جاء به الإسلام - ليعلمون أنهم يقولون زورًا، وينادون بباطل، ولكنهم رضوا بالحياة الدنيا الفانية، وآثروها على الآخرة؛ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

رضوا أن يخونوا الله الذي أخذ عليهم العهد بأن يقولوا كلمة الحق ولا يخشوا في الله لومة لائم حرصًا على منصب لو دام لغيرهم لما وصل إليهم، ورغبة في عرض من الدنيا زائل.

أراد الله من العلماء أن يكونوا أعلامًا للهداية يلتف الناس حولهم حينما تدلهم الخطوب وتختلط السبل فيهدون الناس بما أعطاهم من علم في دينه وفقه فيه إلى سبيل الله: {قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

فجعل كثير من هؤلاء ما أعطاهم الله من علم سبيلا للتدليس على الناس، وإلباس دينهم عليهم. فلا تكاد ترى حاكمًا في العالم الإسلامي يبادر إلى فعلة وينشط إلى أمر جار فيه أو عدل إلا ونرى مرتزقة العلماء يبادرون إلى تصحيح أمره، ويزيدون على ذلك تضليل الناس وذلك بالاستشهاد بالنصوص في غير موضعها كي تتفلسف وتبرر أعمال الذين يخرجون عن تعاليم الله.

إن الذين يخططون لأمور خطيرة ترضي أعداء الله وتغضب الله يعلمون أهمية الدور الذي يقوم به المرتزقة من العلماء لعلمهم بقوة تأثير الدين على النفوس، فيجعلون من هؤلاء أبواقًا لتضليل الناس باسم الدين، وقد كان اليهود من قبل يقومون بمثل هذا فنهاهم الله عنه: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42].

إن مهمة العلماء الربانيين الذين أخلصوا دينهم لله هي أن يحكموا على الناس حكامًا وأفرادًا، شهداء على الناس يبلغونهم الحق، ويحكمون عليهم بالميزان الإلهي الذي حمّلهم إياه ربهم.

عليهم أن يكونوا هم السابقين إلى دعوة الناس إلى فعل ما يرضي الله، وبذلك يكون الناس أتباعًا لهم، لا أن ينتظروا صامتين حتى إذا ما نادى منادي الحكام إلى الحرب صفقوا له ونادوا به، وإذا ما نادى مناديهم إلى السلم صفقوا بحناجرهم منادين بالسلم، وبذلك قصروا أنفسهم على متابعة خطى الذين بيدهم الحكم فأصبحوا في ذيل القافلة ومؤخر الركب.

لو كان الحكام الذين بيدهم زمام الحكم يقودون الناس بكتاب الله لما حصل الفرقان بين الإيمان والسلطان، أما وأن السلطان في جانب والإيمان في جانب فيجب علينا أن ندور مع الإيمان حيث دار، ولو أغضب ذلك الحكام.

ولا أدل على صدق ما نقول من أن الحكام في مصر وغيرها يقرون بأنهم يحكمون بغير شريعة الله؛ إذ قدمت مشروعات عديدة لقوانين موافقة للشريعة الإسلامية - كما يزعمون - لتحل محل القوانين المعارضة لشريعة الله.

إذا كان الأمر كذلك فإن هذه الزيارة التي قام بها السادات وتلك المناداة بالسلم والصلح التي تتردد أصداؤها في العالم العربي والعالم الإسلامي لم تصدر من رجال يخافون الله ويصدرون عن أمره ويلتزمون بشرعه، إنما هي آراء الرجال وأهواء الرجال.

متى كان للإسلام شأن في أمر السلم أو الحرب في أيامنا هذه؟ إن الحروب التي قامت بيننا وبين اليهود لم يحارب فيها الإسلام والمسلمون بل لم يُسمح للمسلمين أن يحاربوا، ولذلك فإن جولتنا مع اليهود لم تأت بعد؛ لقد مُنع صوت الإسلام من النزول إلى ميدان القتال.

ولن أنسى في عام 1967 أن الحكومة المصرية أرسلت ثمانين ألف بطاقة موقعة من العلماء لتحميس المقاتلين في ميدان القتال كما نشرت ذلك الصحف المصرية. ومن الذي يجهل أن الصوت الذي كنا نردده لتحميس الناس هو أصوات الفسقة من المغنين والمطربين؟ أما صوت القرآن فلم نسمعه إلا بعد ما حلت الهزيمة بهذه الأمة، فكان القرآن وآياته ما جاءت إلا لتتلى على الأموات. القرآن وآياته ما جاءت إلا لتتلى على الأموات وفي الهزائم وبعد حلول المصائب.

خير لكم أيها العلماء ـ إن لم تستطيعوا أن تقولوا كلمة الحق ـ خير لكم أن تسكتوا، فسكوتكم عن الباطل تجنون به إثمًا واحدًا ولكنه خير من نصرة الباطل وتبرير أخطائه، فهذا فيه إثم عام، وهو أخوف ما خافه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أمته من بعده: "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون"، فالعالم يضل بضلاله عالم كثير وكبير.

تبًا لعلماء رضوا أن يجرموا رجالات الإسلام الذين وقفوا في وجه الظلمة والطغاة في سنة 1954 وما بعدها، لقد أصدر أشباه العلماء فتاويهم يجرمون الذين قاموا ضد الطغيان وزج بهم في السجون على مدى أعوام طوال أمثال عبد القادر عودة وصحبه، تبًا لعلماء رضوا بأن يكونوا أبواق دعاية يهتفون ويسبحون بحمد الذين يذيقون الإسلام وأهله سياط الهوان والذل.

ولكننا نعتبر أن زيارة العدو الذي يحارب الإسلام وإنهاء حالة الحرب معه وتضليل الناس بالزعم أنه من الممكن أن تحل المحبة والوئام بدل الكراهية والعداء بيننا وبين أعداء الله الذين لعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ـ نعتبر ذلك جريمة لا تغتفر ونرى أن الساكتين عن هذه الجريمة الشنعاء متهمون أنفسهم، ضالون لأمتهم.

أين أنتم أيها المتشدقون قبل اليوم ولم نسمع أصواتكم تنادي بالسلام من قبل أن ينادي به الرؤساء والحكام؟! ألم تكن المداهنة بالسلم جريمة نكراء من قبل ما أصبحت اليوم خطوة موفقة مباركة؟!

نادى بورقيبة بالصلح مع اليهود فكنتم من أوائل من شَوَّهَهُ وَضَلَّلَهُ وكفره، فما الذي غيركم وبدلكم؟!

أيها العلماء الذين سكتوا خوفًا، أطلقوا ألسنتكم بكلمة الحق في يوم يحتاج الناس فيه أن تقال لهم الكلمة. ويا أيها الذين قالوا كلمة الباطل: اخشوا يومًا تنكشف فيه السرائر وتخضع الوجوه للحي القيوم، ويحاسبكم فيه الرب فلا ينفعكم شيء إلا أعمالكم ولا يعذبكم فيه أحد، فما حيلتكم حينئذ مع من عصيتم الله لأجلهم: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67].

لا تشبهوا أيها العلماء انطلاقة الفاروق لاستلام مفاتيح القدس في اليوم الذي دخلت فيه القدس في حوزة الأمة الصالحة بانطلاقة الذل التي قام بها السادات كي يستمع لأبواق اليهود تصدح بسلامه الوطني والعزف، وكي يسمع ويسمع العالم صوت اليهود قويًا متجرِّدًا، ذاك أين الثرى من الثريا، ذاك موقف العزة والكرامة والنصر والتأييد، وهذا موقف الهوان والذل والاستكانة والخضوع.

أيها العلماء الذين لا تزال في قلوبهم بقية من خشية الله: قولوا للناس إننا لا نرضى سلمًا وصلحًا يعطى لليهود أو غيرهم جزءًا من فلسطين، وإننا لا نرضى أن نقر لهم بحق في أرضنا وعلوهم علينا فضلاً عن القدس لأن الله لا يرضى عن ذلك، وإن كان هذا يسمى سلمًا وصلحًا فإننا نحن المسلمين نعده جريمة وخيانة.

أيها العلماء الذين جعلهم الله أمناء وحيه وورثة نبيه، هذا اليوم له ما بعده، وإن الله امتحنكم وأبلاكم إذ وقعت هذه الفتنة في عصركم، قولوا للناس إن هذا استسلام وليس سلمًا، قولوا للناس إن فلسطين أرض إسلامية يحرم التفريط في شبر منها، قولوا لهم لا فرق بين القدس والأقصى في دين الله ولا فرق بين القاهرة ودمشق وعمان وبين حيفا ويافا وعكا، قولوا لهم: إن فلسطين من بلاد الإسلام ولا نسمح لشخص ما أن ينصب نفسه حاكما على فلسطين فيجود بجزء منها لأعداء الله.

قولوا للحكام كفوا، فلا تمدوا أيديكم إلى أعداء الله وبدل ذلك مدوها إلى السماء تطلبون منه العون والتأييد والنصر، مدوها إلى المسلمين تطلبون منهم التكاتف والتآلف والتناصر وبذلك تحققون ما تصبون إليه.

قولوا للحكام إنكم إن قبلتم اليهود ورضيتم بهم فإن الله لا يرضى بهم ولا يرضى عنهم ولا يرضى أن يدنسوا مسرى نبيه، لا يرضى المسلمون المؤمنون بذلك، وسيأتي يوم يخسف الله بكم وبكل من ناصركم.

لقد حاول بعض الذين لا يخشون الله أن يتعاونوا مع الصليبيين عندما احتلوا الأقصى فأصبح هؤلاء الحكام لعنة في التاريخ وسبة في فم الأجيال، وزال الصليبيون من القدس ومن فلسطين وبقيت اللعنة تلاحق الذين ناصروا الصليبيين وهادنوهم.

أيها العلماء: قولوا للناس أن يصبروا ويصابروا ولا يطأطئوا جباههم ولا يحنوا قاماتهم فهذا الدين جاء ليعلو وليكن الأعز: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، وإذا تخلينا عن نصرة دينه فسيأتي الله بآخرين ينصرونه ويعلون لواءه: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، فإننا نحن الخاسرون في الدنيا والآخرة إذا تخلينا عن نصرة دينه ووافقنا عدوه.

أيها العلماء: بينوا للناس أن اليهود أشد الناس عداوة لهذه الأمة، لأنها أوتيت هذا الدين: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82]. عرفوهم أن السلام مع أعداء الله لن يكون إلا إذا دانوا للدولة المسلمة وكانوا أهل ذمة تجرى عليهم أحكام الإسلام، إن هذا العداء الذي تغلغل في قلوبهم لا يزيله إلا أن نخرج من ديننا: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۠ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]، وبما أننا متمسكون بديننا فلن يزول العداء.

أيها العلماء: بينوا للناس أن الحق لا ينال بمسالمة الأعداء بل بتحقيق أمر الله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، وبتحقيق قوله: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].

أيها العلماء: اصدعوا بكلمة الحق، وأنكروا هذه الزيارة التي هي بداية كارثة تدبر للمسلمين في غيبة الإسلام عن الحكم، تدبر لمضارة الإسلام واستعباد المسلمين.

فإن تخليتم عن البيان والإنكار فالله حسيبكم وهو يتولى أمركم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

144

الثلاثاء 28-يوليو-1970

إلى العمال - العدد 20

نشر في العدد 18

123

الثلاثاء 14-يوليو-1970

من بيان ‎25‏ يونيو ‎1970

نشر في العدد 34

157

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لعقلك وقلبك (34)