العنوان إعلان قطاع غزة «إقليماً متمردا».. وطلب قوات دولية لتحريره.. ورقة عبّاس الأخيرة لضرب «حماس»!
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2008
مشاهدات 108
نشر في العدد 1825
نشر في الصفحة 32
السبت 01-نوفمبر-2008
سلطة عباس لم يعد في جعبتها سهام قادرة على إيذاء «حماس»... فاخترعت هذه الخطة للهروب من الواقع!
الخطة تتشابه مع قرار صهيوني سابق اعتبر قطاع غزة كيانًا معاديًا وقطع عنه الكهرباء والماء والوقود والمواد التموينية
محللون: الخطة المقترحة تمثل توجهاً خطيراً يعزّز الانقسام ويدخل فلسطين في أتون حرب أهلية حقيقية
في مواجهة الانتصارات المتتالية لحركة «حماس» وصمودها في وجه الضغوط والضربات والحصار، لم يعد في جعبة منافسي الحركة في سلطة «رام الله» الكثير من السهام القادرة على إصابة «حماس» إصابة موجعة، حيث تتراجع خيارات فريق السلطة يوما بعد يوم في مواجهة «حماس» وحكومتها في غزة.. ويبدو أن الخيار الأخير أمام رئيس السلطة محمود عباس هو التخلي عن القطاع، بزعم أنه «إقليم متمرد»، وإيقاف رواتب الموظفين من أبناء القطاع، ولاسيما أن حكومة سلام فياض تمر بأزمة مالية قد تؤدي إلى سقوطها قريبًا، وبالتالي سقوط مشروع عباس برمته.
وتدور في كواليس فلسطين أنباء عن أن الرئيس عباس يتجه لهذا الإجراء كورقة أخيرة لضرب «حماس» وحصارها، ما اعتبره مراقبون «خطوته الأخيرة»، وتوقعوا أن تُمنى بفشل كبير يُضاف إلى سجله الحافل بالفشل ولاسيما في سياساته تجاه «حماس»، ومحاولاته لاحتوائها، ومن ثم تحوّله لمواجهتها وصولا إلى تحريضه على حصارها وتقويض حكومتها في غزة.
ورقة أخيرة
وملامح خطة الهروب هذه بدأت تلوح في الأفق منذ فترة، فالتلويح المتكرر باعتبار قطاع غزة «إقليما متمردًا تحت إمرة مليشيات مسلحة»، ووقف الخدمات المقدمة له بكافة أنواعها بات ظاهراً في أحاديث عدد من المسؤولين. والهروب الأخير لحكومة ومقاطعة «رام الله» وحركة فتح التي لم تألُ جهداً طيلة العامين الماضيين في تعزيز الانقسام بين شطري الوطن والهروب والتغطية على هزيمتها أمام حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة ووضع العراقيل أمام أداء الحكومة الفلسطينية واستخدام أعمال العنف والتخريب وإثارة بعض الجيوب المتبقية لفلول «التيار الخياني»، أصبحت واضحة بهدف القضاء على حكم حماس.
وتقول مصادر فلسطينية: إن الخطة الجديدة والمبيتة التي تكشفت خيوطها وتفاصيلها ، وناقشتها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مؤخراً، تقضي بإعلان القطاع إقليماً متمرداً ووقف الخدمات المقدمة له، وقد اعتبرها المراقبون ورقة الضغط الأخيرة لدى حكومة عباس التي تعاني الإرباك والإفلاس فيما يتعلق بالحوار الوطني أو العملية التفاوضية مع «إسرائيل».
تفاصيل الخطة
وتتلخص تفاصيل الخطة المذكورة التي وصفها العديد من المراقبين بـ«المتطرفة وغير الواقعية» في عدة نقاط أهمها:
- إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً تحت إمرة «مليشيات مسلحا»، وبناء على ذلك سيتم وقف كافة الخدمات المقدمة للقطاع.
- الطلب رسمياً من كل البنوك الفلسطينية وقف كل خدماتها وإغلاق أبوابها إلى إشعار آخر في قطاع غزة، وستقوم السلطة بوقف تصدير أي «شيكلات» (عملة التعامل المالي الإسرائيلية) للقطاع منذ تاريخ القرار حتى تصبح أي ورقة عملة مهما بلغت قيمتها بلا معنى.
- فتح باب القضاء لاستلام الدعوات ضد حماس، وتقديم هذه الملفات للقضاء الفلسطيني والتوجه إلى محكمة العدل الدولية في «لاهاي»، وتقديم ملفات ووثائق ضد قيادات حماس بتهمة إقامة مجازر جماعية في غزة، وطلب السلطة الفلسطينية رسميا من الأمم المتحدة التدخل بإرسال قوات أمن إلى غزة لتحريرها من حماس!
وتتشابه هذه الخطة، إلى حد كبير مع قرار صهيوني سابق، اعتبر قطاع غزة كيانًا معاديًا، وبناء عليه تم حرمانه من كل الخدمات المقدّمة له، مثل: الكهرباء، والماء، والوقود، والمواد التموينية والغذائية، علاوة على تشديد الحصار، وإبقاء المعابر في حالة إغلاق متواصل.
خطة «جهنمية»
ويقول مراقبون: «إن الخطة المطروحة من قبل اللجنة التنفيذية لحركة فتح «جهنمية» وتقود الشعب الفلسطيني إلى سنوات جديدة من الضياع وأيام النكبة التي يعيش على ذكراها هذه الأيام. ومثل هذا الاقتراح الخطير - لو تجاوبت معه وقبلته الأطراف النافذة في حركة فتح - سيكون آخر مسمار في نعش المصالحة الوطنية الفلسطينية التي يسعى الجميع إلى تحريك مفاصلها الجامدة، وبعث الحياة في عروقها المتصلبة.
ولم تكن هذه الخطة المقترحة جديدة أو وليدة اللحظة، فثمة إجراءات عديدة تمت ترجمتها فعليًا من قبل سلطة عباس وحركة فتح على أرض الواقع سابقاً، وتتفق إلى حد كبير مع ما جاء في بنود الخطة المقترحة. فقد حاولت رموز محسوبة على حركة فتح في أعقاب فوز حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة الهروب والتغطية على هزيمتها، وذلك بعرقلة أداء الحكومتين العاشرة والحادية عشرة، ومن ثم استخدام أعمال العنف والتخريب والتفجيرات لزعزعة الاستقرار، التي فشلت وانتهت بهروب ما سُمي «التيار الخياني» في أعقاب هزيمته أمام صمود حماس في الرابع عشر من يونيو ٢٠٠٦م.
وهناك محاولات عديدة قامت بها حركة فتح إبان الحسم العسكري لإثارة بعض الجيوب الباقية في القطاع، إلا أن هذه المحاولات باءت أيضًا بالفشل وانتهت بهروب آخر فلول التيار الانقلابي شرق غزة. وقد دفعت الهزائم المتوالية لحركة فتح وهروب قادتها إلى الضفة الغربية الرئيس محمود عباس وقيادات فتحاوية عديدة لإصدار تصريحات عدة تلوّح لإمكانية إعلان قطاع غزة «إقليماً متمردًا»، في حال عدم تجاوب حركة حماس مع مبادرات الحوار والتراجع عن الحسم العسكري. وسبق أن أكد «عزام الأحمد»، رئيس كتلة فتح النيابية في المجلس التشريعي، نية الرئيس عباس واللجنة التنفيذية اتخاذ مثل هذا القرار، حيث قال في تصريحات سابقة له: «إن مؤسسات السلطة الفلسطينية تدرس بجدية اقتراحاً يقضي باعتبار قطاع غزة إقليماً متمردًا يخضع لسيطرة عصابة عسكرية نفذت عصيانا مسلحًا، على حد وصفه!
وثمة مواقف مسبقة للرئيس عباس من دخول ونشر قوات دولية، حيث ألمح في أكثر من موقف إلى تأييده لجلب ونشر أي قوة دولية في قطاع غزة لإنهاء حالة الانقسام، وهو ما رفضته حركة حماس.
خطوات فعلية: وقد ترجمت حكومة عباس وحركة فتح منذ سيطرة حماس على قطاع غزة بعض ما جاء في الخطة فعليًا وعلى أرض الواقع، إذ لعبت دورًا رئيسًا في تشديد الحصار والخناق على القطاع، من خلال إصرارها على إغلاق معبر رفح ورفضها التجاوب مع الجهود المبذولة، وتمسكها باتفاقيات عام ٢٠٠٥م المجحفة، وإنهاء ما يسمى بالانقلاب في القطاع. ودفع هذا الموقف الجانب المصري إلى تشديد الحصار على القطاع والتمسك بعدم فتح معبر رفح إلا وفق الاتفاقيات وعندما يكون هناك انتشار وسيطرة كاملة لأجهزة عباس عليه.
وحرمت حكومة عباس منذ تولي حماس سدة الحكم عشرات الآلاف من الموظفين والعاملين والأطباء من رواتبهم دون أي مبررات، أو بتهمة الانتماء لحركة حماس. وتحدثت مصادر إعلامية مؤخراً عن أن حكومة فياض تدرس بجدية قطع رواتب بقية الموظفين في قطاع غزة بعدما قطعت رواتب حوالي نصفهم بحجة أنهم يعملون ضد الشرعية الفلسطينية. ومنذ فوز حماس بالانتخابات التشريعية ترفض البنوك - وبضغط دولي وعربي – بناء على طلب الرئيس عباس التعامل مع أية حكومة تتولاها حركة حماس، وذلك خوفا من موجة عقوبات ودعاوى قضائية أمريكية.
وقطعت البنوك على الفور الروابط مع أي مؤسسات ترتبط بحركة حماس، كما امتنعت عن تحويل المنح العربية والإسلامية إلى قطاع غزة الذي يمر بضائقة مالية لتفادي عقوبات أمريكية، وتمارس سلطة «النقد» ضغوطًا على عدد من البنوك الفلسطينية لنقل مقارّها الرئيسة من غزة إلى مدينة «رام الله» في الضفة الغربية، وتهدف السلطة من ذلك إلى الحصول على معلومات خاصة بأسماء العملاء وحساباتهم الخاصة في البنوك.
تدخلات دولية
ويرى خبراء ومراقبون أن اعتبار القطاع «إقليمًا متمردًا» وتنفيذ مثل هذا المخطط من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام تدخلات دولية وإقليمية في شؤون القطاع ومصيره ويعتبرون هذا القرار والخيار غير واقعي ويعزز حالة الانقسام بين شطري الوطن ويزيد الأمور تعقيدًا.
يقول د. «وليد المدلل»، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الإسلامية: «هذه الخطة ستكون وصفة سحرية لإدخال القطاع في حرب أهلية وحالة استنزاف من خلال الاستعانة بقوات دولية على غرار ما يحدث بدارفور». ويضيف: «في حال اتخاذ مثل هذا القرار فإن السلطة ستستعين بقوات دولية وعربية لتأديب هذا الإقليم المتمرد، مما يفتح الباب أمام حرب استنزاف مع فصائل المقاومة دون استثناء، وستضع أي قوات دولية الفلسطينيين في القطاع بعد عامين من الحصار الدامي أمام حالة غير متكافئة من القوة، بين قوة شعبية لديها سلاح خفيف وتقليدي، تتمثل في حماس وقوى المقاومة، وبين قوة نظامية مدعومة إقليميًا ودوليًا، ما سيضع القطاع أمام سيناريوهات خطيرة أقلها حرب أهلية ستودي بحياة الآلاف من المواطنين».
نتائج خطيرة
ويصف المحلل السياسي «حسن عبدو» الخطة المطروحة بأنها «غير واقعية ومتطرفة، وستؤدي إلى مزيد من الانقسام وإنهاء الحركة الوطنية؛ بكل ما مرت به من تضحيات .. ولن تنجح هذه الخطة إذا تم طرحها، وستزج الشعب الفلسطيني إلى الهاوية، وبالتالي القضاء على قضيته برمتها».
ويوافقه الرأي الكاتب والمحلل السياسي «ناجي شراب»، فيقول: «التداعيات والنتائج ستكون خطيرة جداً، ومنها تعميق حالة الانقسام، وإنهاء ملف الحوار الوطني دون أي نتائج، وجرّ المشهد السياسي الفلسطيني إلى حالة من العنف والتصعيد، ومن ثم الدخول في أزمة الشرعية من جديد». واستبعد «شراب» اللجوء لمثل هذا القرار من أجل إنهاء حكم حماس، ويوضح قائلا: «حماس جزء من مكونات النظام السياسي الفلسطيني، ولم يعد بمقدور أي قوة إنهاء وجودها، بقطع الرواتب أو إغلاق المعابر وتشديد الخناق على القطاع.. فإنهاء حكم حماس يعني اقتطاع جزء من مكونات النظام السياسي الذي لا يكتمل إلا بمشاركة حماس ومختلف القوى الفلسطينية».
وعزا الكاتب والمحلل السياسي «هاني حبيب» التلويح بهذا المخطط إلى انسداد الأفق أمام السلطة الفلسطينية، سواء بخصوص الحوار الوطني، أو ما يتعلق بالعملية التفاوضية مع «إسرائيل»، ووصفه بأنه «تعبير عن الإفلاس والارتباك». ويضيف: «إن سلطة رام الله تراهن على مزيد من الضغط الداخلي وتشديد الخناق على المواطنين لإجبارهم على التحرك والعصيان المدني، وهو رهان أثبت فشله في الماضي، وسيثبت فشله لاحقاً». واتفق الخبراء على ضرورة إنهاء الانقسام بين الضفة وغزة والاحتكام للوحدة والمصالحة الوطنية للخروج من المأزق الراهن.
موقف «حماس»
من جانبها أكدت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أن أي محاولة لاستجلاب قوات دولية بهدف فرض واقع جديد في غزة ستقاوم بكل قوة.. وتساءل د .«محمود الزهار» القيادي في حركة «حماس» عن شرعية منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية ومجلسها الوطني. وقال الزهار: «إن خطورة الموضوع أنهم يمكن أن يأتوا بقوات دولية ويكرروا تجربة دارفور، ولكن هذا الأمر لن يُكتب له النجاح».