; ورحل الزاهد المتواضع عبد المنعم سليم جبارة | مجلة المجتمع

العنوان ورحل الزاهد المتواضع عبد المنعم سليم جبارة

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003

مشاهدات 1

نشر في العدد 1579

نشر في الصفحة 36

السبت 06-ديسمبر-2003

ورحل الزاهد المتواضع عبد المنعم سليم جبارة

عرفت عبد المنعم سليم جبارة، لأول مرة في منتصف السبعينيات في مقر مجلة الدعوة القديم، في ميدان السيدة زينب بالقاهرة في إحدى ليالي رمضان.

كنا على وشك التخرج، ونتردد على الدار، نهارًا أو ليلًا، وكان يداوم فيها عقب الإفراج عنه من السجن ولأنه كان يعمل أنذاك مدرسًا للمواد الأجتماعية بإحدى مدارس شبرا الخيمة، فقد كان دوامه بالدار ليلًا.

 د. عصام العريان

دخلت الدار في إحدى ليالي رمضان فوجدته مختليًا بنفسه في زاوية معدة للصلاة، يصلي منفردًا صلاة قيام رمضان، التراويح، صلاة طويلة بجزء من القرآن، فقد انتظرته حتى فرغ من صلاته، ومازالت تلك إحدى سماته التي لا تفارق مخيلتي، فقد عرفت فيه ومنه الكثير بعد ذلك حيث اقتربنا كثيرًا وتحاورنا طويلًا، وتتلمذت على يديه واستفدت من علمه الغزير واطلاعه الواسع، التقيته بعد سنوات طويلة في الإمارات العربية المتحدة، وكان قد سافر للعمل بها، وشارك في تأسيس إصدار مجلة «الإصلاح»، وعندما عدت وكان ذلك في بداية الثمانينيات أو قرب منتصفها وقد رحل عنا الأخ الحبيب الأستاذ جابر رزق - رحمه الله - كان اسمه من أوائل الأسماء المطروحة ليحل محله في الإشراف على إصدار مجلة «لواء الإسلام»، ولم يتلكأ ولم يتردد بل قطع وظيفته ليعود جنديًا مخلصًا قريبًا من المتاعب، بل في قلب الأحداث، ليكون في خدمة دعوته وقريبًا من قيادة الإخوان، كان يحب البعد عن الأضواء ويزهد في الإعلام رغم عمله بالإعلام وانتسابه إلى مهنة الصحافة، كان صامتًا أغلب الوقت، دؤوبًا على العمل في سكون، قليل الكلام، وإذا تحدث غلبت على حديثه اللكنة البدوية المحببة لأهالي وعرب مدينة فاقوس في محافظة الشرقية، ولا يخيل إذا استعدته الحديث مرة بعد مرة، درس في كلية الآداب، في قسم الجغرافيا؛ لذلك كان مغرمًا بالدراسات والبحوث والتحقيقات، يغوص خلف الأحداث، يحلها ويدرسها ولا يكتفي بالظواهر، ولا يغرق في الأخبار ،كان من القادمين على مهنة الصحافة بعيدًا عن الدور الكبرى والقواعد المستقرة في الصحف المرتبطة بسياسة الدولة، لذلك حرره هذا من القيود، فكان له منهجه الخاص، الذي تتلمذ عليه العشرات، ومزجو بين ما تعلموه منه وبين ما درسوه وتلقوه في دور الصحف التي عملوا بها، كان زاهدًا متواضعًا في حياته، فلم تشعر أن له في الدنيا نصيبًا، بل كان من أهل الآخرة متواضعًا في ملبسه بسيطًا في حياته، قليلًا في مطالبه، يؤخر نفسه، ويبتعد عن الأضواء، يدير العمل من بعيد ولا يشعربحرج أن يتقدم عليه تلاميذه ومريدوه، عاش في السجن نحو عشرين عامًا، حيث دخل في قضية الإخوان عام (١٩٥٥م)، وحكم عليه بالسجن المؤبد أشغال شاقة( ٢٠ سنة ) تنقل فيها بين سجون مصر المعروفة وشهد «مذبحة طرة» ويومها استغلق باب زنزانته فأنقذه الله هو وإخوانه من الموت برصاص صلاح الدسوقي وزبانيته الذين قتلوا وقتها( ٢٢) من خيرة الإخوان وهم في زنازينهم، وعاش بين ليمان طرة وسجن الواحات والمحاريق وسجن قنا، حتى عاد عام (۱۹۷۲م )إلى سجن مزرعة طرة، وأفرج عنه عام( ١٩٧٤م)، في آخر الدفعات التي خرجت من السجون، كنا نطلب منه تزويدنا بتحليلات أو وثائق أو آراء ما تعده من دراسات و أبحاث أو مقالات أو أحاديث، ولم يكن يتأخر، بل دائمًا كنت تجد عندما تريد، وقبل أن تطلبه منه كان أول القادمين دائمًا إلى مكتب الإخوان ونادرا ما يسبقه أحد، وكان رياضيًا، يمارس المشي الطويل حتى آخر أيامه، وكنت ألح عليه أن أوصله بسيارتي بعد أن تخلص من سيارته وباعها فيرفض ويحبذ المشي والمواصلات العامة على اقتناء سيارة أو الاعتماد على سيارات الإخوان، ولعل ذلك جعله بفضل الله متمتعًا بصحته حتى أخر عمره، فلم تسمع منه شكوى صحية، بل فقدناه فجأة بعد يوم عمل كالمعتاد، كان يعيش لقضايا أمته، دارسًا مطلًا مفسرًا وشارحًا، وأكثر ما كان يشغل باله في الشهور الأخيرة قضيتا فلسطين والعراق، وكان رحمه الله يشرف على كثير من الدراسات والبحوث التي تعين الإخوان على فهم مجريات الأحداث، وسيبقى ذلك كله علمًا نافعًا ينتفع الناس به في زمن تتوالى فيه الأحداث وتضطرب فيه الأمور، ويحتاج الدعاة إلى البصير الخبير بوقائع الأمور، المدقق في السياسات المطلع على خبايا الأخبار. رحل عبد المنعم سليم عن أكثر من سبعين عامًا في العشر الأواخر من رمضان، صبيحة ليلة السابع والعشرين من رمضان وقد صام شهره وقام ليالي رمضان ودعا دعاء المضطر في العشر الأواخر، وهذه عاجل بشرى المؤمن ومن حسن الخاتمة، إن شاء الله لقد فقدنا عددًا من شيوخ الدعوة في ظروف مماثلة، فمنذ عام كان فقيد الدعوة المرشد العام الأستاذ مصطفى مشهور، ومثل أكثر من شهر كانت وفاة الأخ المجاهد عز العرب فؤاد في بنها في بيت من بيوت الله صائمًا معتكفًا، ومنذ أيام كانت وفاة الحاج حسن جودة في صبيحة يوم صيام وقيام قبيل صلاة الفجر في رمضان، وها هي وفاة عبد المنعم في يوم جمعة بعد قيام وصلاة فجر ودعاء صباح وتلاوة قرآن فهنيئًا له، هنيئًا له، وتقبل الله منه صومه وقيامه وصلاته، هذه هي خاتمة الثابتين على طريق الدعوة، المرابطين على ثغورها المنافحين عنها، نسأل الله أن يعوضنا عن فقيدنا - رحمة الله خيرًا، وأن يجعل في تلاميذه الكثيرين النفع والخير العميم، كما نسأله سبحانه أن يرحمه رحمة واسعة وأن يعتقه من النار في هذه الأيام المباركة وأن يرزق أهله وأولاده الصبر الجميل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وترجل الكاتب الإسلامي

رجب الدمنهوري

رحم الله الأستاذ عبد المنعم سليم جبارة.. صاحب القلم النظيف الذي لم يعرف لغة النفاق أو المساومة على مبادئ الحق مهما كانت التبعات، فقد كان بإمكانه -لو أراد- أن يحتل مكانة مرموقة ككثيرين ولا تشوكه شوكة واحدة غير أنه كان صادقًا في منهجه الإسلامي الذي اختطه لنفسه وسار على دربه حتى أتاه اليقين، لقد تأثرت بكتاباته القيمة وتحليلاته السياسية العميقة، ومن قبلها بأخلاقياته الإسلامية الصحيحة، حيث التقيته مرات عدة في ميدان الصحافة، فكان لا يتحدث إلا قليلًا، وإذا تحدث فإن كلامه يفيض بالقيم والمبادئ والدروس الحكيمة، كما لم يكن يحب الحديث عن تجربته الخاصة التي عاصر خلالها أحد أزمنة الجور وانتهاك كرامة الإنسان وحريته، كان رحمة الله عليه باحثًا جادًا مهمومًا بأحوال أمته من أقصاها إلى أقصاها راصدًا ومتابعًا دقيقًا لتحدياتها والأخطار التي تتهددها، وكان صاحب قدرة فائقة على ربط الأحداث ببعضها وإدراك خلفياتها، واستشراف تداعياتها عبر تقاريره ومقالاته الرصينة، وأذكر أن إحدى الطالبات الجزائريات كانت تدرس بالقاهرة، قد دخلت على المكتب ذات يوم وروت أنها كانت محجوزة في أحد المستشفيات المصرية، ومكثت فيه أيامًا عدة حتى تماثلت الشفاء إثر مرض مفاجئ، وقد بلغت فاتورة العلاج مبلغًا كبيرًا من المال، وهي في حاجة إلى دفعه حتى تحصل على أوراقها الثبوتية التي كان المستشفى قد احتجزها، ولم يكن أمامي غير أن أتصل بالأستاذ عبد المنعم؛ لظني أنه الوحيد الذي يستطيع إنقاذ الموقف وبعد أن رويت له القصة، لم يتردد في دعوتي لتسلم المبلغ من جيبه الخاص دون أن يخوض في أي تفصیلات، ولم يكن الأستاذ عبد المنعم صحفيًا أو كاتبًا عاديًا، بل كان صاحب قلم إسلامي سيال غزير الإنتاج، صادق التوجه ولم يكن يرغب كثيرًا في تذييل مقالاته باسمه، فقد كان يكتب أحيانًا بأسماء مستعارة ليس خوفًا -وهو الذي قضى زهرة شبابه خلف قضبان الظلم والطغيان- وإنما إعراضًا عن حب الظهور ورغبة في أن يكون عمله خالصًا لوجه الله.

رجل عاش لإسلامه

صلاح عبد المقصود

في السابع والعشرين من رمضان رحل عنا الكاتب الصحفي والمفكر الإسلامي الكبير عبد المنعم سليم جبارة بعد حياة حافلة بالجهاد والعطاء، ولقي ربه في ليلة مباركة «هي ليلة القدر»، وفي يوم مبارك هو يوم الجمعة، وفي شهر مبارك« شهررمضان».

ولد عبد المنعم سليم في عام( ١٩٣٠) بمحافظة الشرقية، وتلقى تعليمه الأولي فيها، ليلتحق بعد ذلك بجامعة القاهرة في فترة من أدق الفترات التي مرت بمصر، ليشارك في عضوية اتحاد الطلاب، ويصبح أحد نشطاء طلاب الإخوان المسلمين بالجامعة، لم تمكنه ظروفه من المشاركة في كتائب الإخوان المسلمين في عام(١٩٤٨)، لكنه بعد ثلاث سنوات تمكن من الالتحاق بكتائب الإخوان التي قاومت الاحتلال الإنجليزي بقناة السويس، إذ كان من طلائع المتطوعين في حرب القناة بعد تخرجه في كلية الآداب التحق بالدراسات العليا، ليتم إعتقاله ضمن مئات الشباب في عام(١٩٥٥م)، بتهمة رعاية أسر الإخوان المسجونين، ويقدم عبد المنعم سليم للمحكمة العسكرية ليناله حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة، دخل عبد المنعم سليم السجن، وظل بضع سنين لا يعرف أهله له طريقًا، ولم يتمكن أحد منهم من زيارته، وكانت أول زيارة له من خارج السجن قام بها ناظر مدرسته الثانوية، وكان مسيحيًا نجح في ترتيب أمر الزيارة لتلميذه الذي كان الطالب المثالي للمدرسة، عندما كان يدرس فيها، فواساه وشد من أزره وشجعه على الصبر لأنه رجل مبادئ، خرج عبد المنعم سليم من السجن في عام (١٩٧٤) وكان عمره(٤٤) سنة، لينشط في الحياة العامة، ويشارك بعدها بسنتين (١٩٧٦م) - مع الأستاذ عمر التلمساني - المرشد الأسبق للإخوان المسلمين- في تأسيس أهم منبر إعلامي قاوم الهرولة نحو العدو «مجلة الدعوة» وتصبح فلسطين قضيته الأولى التي يكتب وينافح عنها. كنا طلابًا بالجامعة في النصف الثاني من عقد السبعينيات، وكنا نتتلمذ على كتاباته، فقد كان من أبرز الكتاب الذين عارضوا زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس عام (۱۹۷۷ )، واتفاقية كامب ديفيد(۱۹۷۹)، وكانت سلسلة مقالاته التي كتبها تحت عنوان « السلام على الطريقة الأمريكية، الصهيونية»، إحدى الوسائل التي استخدمت في تعبئة الحركة الطلابية والشارع المصري ضد كامب ديفيد وما تمخضت عنه. عبد المنعم سليم كان مدرسة في الأخلاق والتواضع، كان مديرًا لتحرير مجلة الدعوة ورئيسًا لتحرير مجلة لواء الإسلام، ومشرفا على تحرير الطبعة الدولية لمجلة الدعوة لسان حال الإخوان المسلمين، وكان أحد العقول المفكرة لتعاطي حركة الإخوان المسلمين مع الأحداث السياسية خلال العقود الثلاثة الماضية. كان دائما يعطي ظهره للدنيا ويقبل علي الآخرة فتراه صوامًا قوامًا، وكان دائمًا مشغولًا بقضايا أمته يذكر بها ويفكر لها. قبل رحيله بيوم واحد كانت لي معه جلسة طويلة موضوعها اعتزامه تنظيم ندوة علمية عن فلسطين في ظل التطورات الراهنة، ويطلب منى المعاونة في إسلامية القضية، وفي ليلة وفاته - ليلة السابع والعشرين من رمضان - صلى التراويح ثم التهجد، ثم صلى الفجر، وجلس تاليًا للقرآن الكريم حتى صلى الضحى، وبعد نهوضه من صلاة الضحى سقط مغشيا عليه اتصلت بي زوجته الفاضلة تطلب طبيبًا على وجه السرعة، ونزلت من بيتي مصطحبًا الطبيب، حيث وصلنا بعد خمس عشرة دقيقة لنجد روحه الطاهرة قد فاضت إلى بارئها في يوم مبارك .

أحد تلامذة الفقيد الكبير، وكيل نقابة الصحفيين المصرية.

   صلاح عبد المقصود 

الرابط المختصر :