; ورحل الداعية القرآني | مجلة المجتمع

العنوان ورحل الداعية القرآني

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 27-فبراير-2010

مشاهدات 77

نشر في العدد 1891

نشر في الصفحة 37

السبت 27-فبراير-2010

رحل عنا الداعية المجاهد أحمد أبو شادي. الرجل العظيم في علمه وتقواه وخلقه الرجل الذي ملكه قرآنه، واستولى عليه إيمانه، وحفظ القرآن الكريم بجنانه واستوعبه بكيانه، وطوع نفسه لتعاليمه وأحكامه.
لقد رحل الداعية العظيم أحمد أبو شادي الرجل النوراني الرباني الذي تحس ذلك منه بسهولة أول ما تجلس معه، وعندما تلتقي به تشعر أن فيوضات من الرحمات القرآنية ترفرف حولك، ونفحات من أنوار التنزيل تداعب عواطفك وتلامس شغاف قلبك وأمثال هذا الداعية المبارك المحاط بالنفحات الصمدية قربه رحمة ومصاحبته طاعة، وحديثه غذاء للأرواح وفقده خسارة فادحة قد لا تعوض؛ لأنهم معارج إلى الرضوان، ومدارج إلى نفحات الرحمن. 
قال الخطابي: جاء في الأثر أن عدد أي القرآن على قدر درجات الجنة، فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من أي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءًا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة.
والداعية الكريم «أبو شادي» عاش مع القرآن سعيدًا به في حياته الدنيا، وسيكون سعيدًا به في آخرته إن شاء الله حين يتجلى على أصحابه يوم الفزع الأكبر ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج:2).
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب وهم على كثيب من مسك حتى يفرغ من حساب الخلائق رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله تعالى وأم به قومًا وهم به راضون وداع يدعو إلى الصلاة ابتغاء وجه الله وعبد أحسن فيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين مواليه».  
ودخل «أبو شادي» دعوة الإخوان المسلمين، وناله ما نال غيره من المجاهدين من سجن وتعذيب، ولكن هذه الفترة كانت من أخصب الفترات عنده وحكى قائلا: «حفظنا القرآن الكريم داخل السجن، وتربينا مع الإخوان وحصلنا على الكثير من الدروس، وكنا في رمضان نقسم أنفسنا إلى مجموعات لمدارسة القرآن والسيرة وممارسة الأنشطة الرياضية.. 
وأضاف: «ومن الذكريات التي لا أنساها أنه في ١٨ رمضان عام ١٩٥٥م حدثت واقعة مؤلمة جدا في السجن الحربي، وضبط عند أحد الإخوان حديث يحث على الصبر فقاموا بجلد الإخوان الخمسة الموجودين في الزنزانة في ظهر هذا اليوم أمام الجميع حتى إن أحد الضباط المسيحيين عندما شاهد ذلك قال: «حرام عليك يا حمزة بيه (مدير السجن الحربي آنذاك) دول صايمين»، ولم يلتفت حمزة البسيوني لذلك نهائيًا!!
من ظن قانونًا هناك فإنما *** قانوننا حمزة البسيوني
جلاد مصر الغرز رمز عذابها *** أسموه زورًا قائدا لسجون
الشر يتبعه كظله كلما *** وافي إلينا الحين بعد الحين 
كالذئب تشفيه الدماء إذا جرت *** ولربما ذنب فيه بعض حنين! 
سأظل أذكر يوم زار السجن *** في رمضان زورة جاحد مفتون 
ماذا نقمتم من شباب مؤمن *** صلب القناة لدى الخطوب رصين 
الآن يومهم الصيام ويومكم *** فالجلد والشهوات والتسخين 
اذهب لغزة يا همام وأنسنا *** بجهادك الرامي صلاح الدين 
وعن برنامجه في رمضان، قال: أصلي بالناس إماما منذ عام ۱۹۷۰م، وأصلي التراويح بجزء كامل ثم نتهجد في العشر الأواخر بثلاثة أجزاء في الليلة، ونختم ختمة التراويح في ليلة السابع والعشرين علها تكون ليلة القدر، ثم ختمة التهجد في ليلة التاسع والعشرين علها تكون آخر ليلة من رمضان ويعتق الله فيها من النار بقدر ما أعتق طوال الشهر». 
وتابع: «حتى عندما سافرت إلى الكويت من عام ١٩٧٤م إلى عام ١٩٨٠م اتبعت نفس الأسلوب. كما كنتُ أحرص على عمل حلقات تعليم تجويد في رمضان لما رأيته من الناس من إقبال شديد على القرآن في هذا الشهر الكريم وتعلًق قلوبهم به».
وكان «أبو شادي» رجلًا داعية ذكيًا ناقدًا نصيرًا، يقول عن معاصرته لجميع مرشدي جماعة الإخوان السابقين: «لقد عاصرت الإمام حسن البنا، وهو هدية الله لهذه الأمة، فقد حضرت له عددا من المحاضرات، ولكني تأثرت به أكثر بعد استشهاده حيث أقبلت على قراءة الرسائل وتأثرت بها جدًا، ومشهور بين الإخوان أني أكاد أحفظ الرسائل عن ظهر قلب».
وعن المستشار حسن الهضيبي، يقول: «كان يمتاز بالرزانة والهدوء والعقلانية، وقد واجه حكما عسكريًا ظالمًا، ولو كان غيره لما استطاع أن يواجه هذه المحنة! فلكل مرحلة رجالها، وكان الهضيبي بحق هو رجل تلك المرحلة».
ويصف عمر التلمساني المرشد الثالث للجماعة بقوله: «صاحب نفس شفافة وقلب رقيق، حتى إن البعض اعترض على اختياره مرشدًا، لكنه قام بدوره كأحسن ما يكون، وفي عهده ازدهرت الصحوة الإسلامية، وانضم الكثير من الشباب إلى جماعة الإخوان، فقد كان هادئًا عفيف اللسان والقلم مما جذب الناس إليه وإلى دعوة الإخوان». 
أما المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر فيذكره بأنه أول من أنشأ مركزا لجماعة الإخوان في الصعيد، وصبر في مواجهة الحكم الذي صدر ضده بالسجن ٢٥ عامًا خلال حكم الرئيس عبد الناصر، لافتا إلى أن المرشد الخامس مصطفى مشهور قد جاء ليستكمل البناء الذي بدأه البناء وذلك واضح من كتاباته في فقه الدعوة، وتحركاته العملية، بعد خروج الإخوان من المعتقل. 
ويصف المستشار المأمون الهضيبي المرشد السادس بأنه «رجل تقي ورع حفظ القرآن في ستة أشهر، وقد اعتقلت معه عام ١٩٥٤م، ثم في ١٩٦٥م، وكانت له صلابة والده في الحق»، وعن محمد مهدي عاكف المرشد السابق، فيقول: «هو الهمام صاحب العزيمة والإرادة القوية».
وهكذا رحمه الله كان نير البصيرة متقد الذهن، ثاقب النظر له في كل أمر نظرة وفي كل شيء فكرة يعيش دنياه ناصحا لإخوانه داعيًا إلى الحق متبعا لميزانه.
رحمك الله يا أخي رحمة واسعة، وجزاك الله عن دعوته خير الجزاء وعن الشدائد أفضل ما جازى داعية عن أمته، وصدق من قال:
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى *** تقلب عريانا ولو كان كاسيا 
وخير لباس المرء طاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية