; ورحلت.. الداعية زينب الغزالي | مجلة المجتمع

العنوان ورحلت.. الداعية زينب الغزالي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2005

مشاهدات 51

نشر في العدد 1664

نشر في الصفحة 36

السبت 13-أغسطس-2005

رحلت الحاجة زينب الغزالي، بعد أن تركت لنا منائر تضيء.. وصوى تهدي، وغدونا على مدار خمسة وستين عامًا نجتني من رياض معارفها العاطرة أنوارًا زاهرة، ونجتلي من حياض لطائفها الناضرة صبرًا ومثابرة وعزمات لله وفي الله قاهرة، كم خرجت لنا من أجيال، وشنفت سمعنا بلطيف أحاديثها التي هي أشهى من العافية إلى العليل، وأحلى من زلال الوصال لدى صب تأججت في أحشائه نار الغليل.. علمتنا الحب عذبًا صافيا.. إذا نظرت إلى محياها تراه ينطق دون نطق..

تهون الحياة وكل يهون *** ولكن إسلامنا لا يهون

نضحي له بالعزيز الكريم *** ومن أجله نستحب المنون

رحلت عنا ولسان حالها *** يردد كلمات أخيها سيد

أخي أن تمت تلق أحبابنا *** فروضات ربي أعدت لنا

وأطيارها رفرفت حولنا *** فطوبى لنا في ديار الخلود

نعم والله كما قال السباعي رحمه الله: إن لله عبادًا قطعوا علائق الشهوات وأسرجوا مراكب الجد بصدق العزمات وامتطوا جهاد الأمل واتجهوا إلى الله علا وجل، وتزودوا إليه بصالح العمل، مع إخلاص النية، وتوسلوا إليه بصفاء القلب وصدق الطوية فمروا بالخضرة الفاتنة مسيحين وبالخطب اللاهب مستعدين ولم يعبؤوا بالعقبات ولم يلتفتوا إلى المغريات قد صانوا وجوههم عن الابتذال وطهروا أقدامهم من الأوحال، استعانوا بالله على مشقة الطريق فذلل لهم صعابه، وعلى بعد المدى فلعلم لهم رحابه فلما اجتازوا الصعاب سألوا الله ففتح لهم بابه، فلما دخلوه استضافوه فقربهم ورفع دونهم حجابه، فلما استطابوا المقام بعد طول السرى قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (الزمر: 74).

رحلت الحاجة زينب الغزالي عن عمر ناهز ثمانية وثمانين عامًا وسبعة أشهر ويومين جلها دعوة وتربية وجهاد، فلقد أنشأت المركز العام للأخوات المسلمات، وهي في العشرينيات من عمرها وذلك سنة ١٣٥٦هـ - ١٩٣٦م، وصار هذا المركز منارة من منارات الدعوة في القرن المنصرم حتى صار له أكثر من ١١٩ فرعًا على مستوى مصر وكانت ترسل بعثات الحج من خلال هذه المراكز كل عام، وكان له مراكز في جدة والمدينة، وعرفة، ومنى وكانت تتصل بجميع وفود العالم الإسلامي، وقد من الله عليها فحجت بيته أكثر من أربعين مرة واعتمرت أكثر من مائة مرة.

التقت الإمام حسن البنا عام واحد ١٩٤١م وبايعته على العمل في سبيل الله، ثم بعد ذلك مع الشهيد سيد قطب حتى دخلا السجن ولقي الله شهيدًا.

رحلت الحاجة زينب الغزالي بعد أن تركت لنا تراثًا ضخمًا في الدعوة عملًا وفهمًا وتربية... فقد تركت آلاف المقالات والخطب كما تركت أيضًا كتبًا مطبوعة أولًا: أيام من حياتي ويتكلم عن محنتها في سجون الطاغية عبد الناصر وكان من بركتها وصدق حديثها أن انتشر هذا الكتاب في شتى أنحاء المعمورة بقاراتها الست، فلقدطبع في حاضرة الخلافة العثمانية تركيا وحدها في عام واحد ما يعادل طبعة كل ثمانية أيام.

ثانيًا: «نحو بعث جديد»، وتكلمت فيه عن دور الأنبياء من لدن آدم عليه السلام وسائر الأنبياء، وكيف كان دورهم في إحياء البعث الإسلامي.

ثالثًا: «نظرات في كتاب الله»، وهو تفسير قرآني شارفت فيه إلى سورة إبراهيم تقول عنه: أنا أحببت القرآن حتى عشته فلما عشته أحببت أن أدندن به لمن أحب فدندنت بعض دندنة المفسرين، ولا أقول إني مفسرة ولكنأقول: إنني محبة للقرآن عاشقة له، والعاشق يدندن لمن يحب والعاشق يحكي لمن يحب، ويجالس من يحب ويعانق من يحب فعانقت القرآن وتحدثت به وله في جميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وعشت أدندن به في المساجد لأكثر من ستين عامًا؟ أي عمر الدعوة التي أسستها في المساجد منذ ١٩٣٧م.

رابعًا: كتاب أسماء الله الحسني. 

خامسًا: كتاب و"العزيزة المرأة".

من أعمالها الاجتماعية

1- كانت أمًا رؤومًا لكل الطالبات الوافدات من العالم الإسلامي ترعاهم وتقوم على شؤون الكثيرات منهن. 

2- كان بيتها مفتوحًا للفقراء والمعوزين تطعم الجائع وتكسو العاري.

3- كانت صاحبة دور فاعل في إصلاح ذات البين في كثير من الأسر. 

4- تعتبر صاحبة الحركة النسائية الاجتماعية الحقيقية في الأمة فكان لها دور فاعل في الخدمة العامة حركة ومالًا ومقالًا.. لم تعرف راحة ولم تلن لها قناة. 

مآثرها

التقيتها منذ أكثر من ثمانية وعشرين عامًا في دار الدعوة بالقاهرة أبثها آلامي وأشجاني وهي تسمعني بأذان صاغية ونفس واعية فهي حريصة كل الحرص على تربية الفرد كما هي حريصة على تربية المجتمع لأنه إذا وجد الفرد الصالح وجدت معه أسباب النجاح، وفجأة وأثناء حديثي معها قالت يا أخ أحمد استميحك عذرًا فقد حان الآن موعد الطائرة عندي مؤتمر في السعودية، فقم أعرفك على أستاذ لي، فتساءلت في نفسي ومن يكون أستاذها يا ترى ثم قالت: هو أفضل مني رأيًا وأكثر مني علمًا، فإذا بها تدخلني على الشهيد المرحوم محمد كمال السنانيري، رحمه الله – هكذا كان دأبها مع كل فرد في الأمة تربية وتوجيهًا ونصحًا وإرشادًا. 

من مآثرها مواقفها ضد الطغاة والظالمين تذود عن الدعوة وتدفع عن حياضها. 

يقول لها أحد زبانية عبد الناصر: اكتبي كل معارفك على وجه الأرض، وإذا لم تكتبي فسنضربك بالرصاص، فكتبت تقول: إن لي في كثير من البلاد أصدقاء عرفوني عن طريق الدعوة الإسلامية، فحركتنا في الأرض هي الله سبحانه، والله يسوق إليه من يختار وجهته وطريقه الطريق الذي سلكه من قبلنا أصحاب محمد ﷺ والسلف الصالح... إن غايتنا أن ننشر دعوة الله وندعو للحكم بشرعه، وإني باسم الله أدعوكم أن تتخلوا عن جاهليتكم وتجددوا إسلامكم وتنطلقوا بالشهادتين وتسلموا لله وجوهكم وتتوبوا إلى الله من هذه الظلمة التي رانت على قلوبكم فأغلقتها في وجه كل خير، لعل الله يخرجكم من أقفال الجاهلية إلى الإسلام، وبلغوا ذلك لرئيس جمهوريتكم لعله يتوب ويستغفر ويعود للإسلام ويخلع عن نفسه أطمار الجاهلية، فإن أبي فأنتم مسؤولون عن أنفسكم وعن الطريق الذي اخترتموه وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله اللهم اشهد أني قد بلغت دعوتك فإن تاعوا فتب عليهم اللهم وتب علينا، وإن جهلوا فإنك أنت العزيز الحكيم، وثبت أقدامنا على الطريق وامنحنا الشهادة في سبيلك عطاء منك وفضلًا.

قالت هذا الكلام في عصر تأله فيه الحاكم وخارت فيه رجال كانوا يحسبون أنفسهم قممًا فإذا بهم أقزام، لقد تعرضت لتعذيب يفوق خيال وحوش التعذيب من البشر.

يقول لها أحد جلاوزة عبد الناصر: "لكن أقوال الإخوان تثبت أنهم كانوا يتآمرون على حاجات كثيرة منها قتل جمال عبد الناصر وتخريب البلد وأنك كنت تحرضينهم على ذلك وأنا وكيل نيابة ليس لي مصلحة إلا الوصول للحقيقة فما رأيك في هذا".

قالت: "ليس من أهداف الإخوان المسلمين قتل عبد الناصر أو غيره أو تخريب البلد الذي خرب البلد فعلا هو جمال عبد الناصر، إن غايتنا أكبر من ذلك إنها الحقيقة الكبرى قضية التوحيد في الأرض، توحيد الله، عبادة الله وحده، إقامة القرآن والسنة، إنها قضية (إن الحكم إلا لله)، وعندما نحقق غايتنا إن شاء الله ستنهدم هياكلهم وتنتهي أسطورتهم، إن أهدافنا الإصلاح لا التخريب، البناء لا الهدم، قال لها يعني فعلًا أنتم تتآمرون على عبد الناصر وحكمه، هذا ثابت من قولك يا ست زينب قالت: "الإسلام لا يعرف لغة التآمر ولكن يجابه الباطل بالحق ويوضح للناس الطريقين طريق الله تعالى، وطريق الشيطان، الذين يسلكون طريق الشيطان مرضى بؤساء نقدم لهم الدواء في إشفاق وعطف، والدواء في أيدينا دعوة لله، دين الله، شريعة الله، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: ۸۲).

كيف لا تقول هذا وهو جزء من معدنها الطاهر! وكيف لا يطفح على جوارحها وهو يملأ قلبها العامر، فلكم رأت النبي ﷺ والنبي ﷺ يقول: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي، فلقد رأته أثناء محنتها وهو يجيبها: «أنت يا زينب على قدم محمد عبد الله ورسوله»، سألته: «أنا يا سيدي يا رسول الله على قدم محمد عبد الله ورسوله»، وقال ﷺ: «أنت يا زينب يا غزالي على قدم محمد عبد الله ورسوله». سألته ثانيًا: «أنا يا حبيبي يا رسول الله على قدم محمد عبد الله ورسوله» قال ﷺ: «أنتم يا زينب على الحق أنتم يا زينب على الحق، أنتم على قدم محمد عبد الله ورسوله»، وتكرر ذلك ثلاث مرات فسلام الله عليك في الخالدين وألحقنا الله بك غير خزايا ولا مفتونين، وعزائي لكل محب ومحبة في ديار المسلمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

من أقوالها..

- الخلق في الأرض دائمًا فريقان فريق قائم بالحق، وفريق معاند للحق، والمقاومة مستمرة بين الذين يعلمون ويتقون، والذين يستقطبون لحساب الشيطان.

- من الضرورة الحتمية لعودة الإسلام وقيامه أن تؤسس لهذا الدين قاعدة بشرية تقوم بالحق وعلى الحق كما أقامها من قبل محمد r، وذلك بأن تغرس العقيدة في نفس المسلم بالكيف الذي غرست به في الأيام الأولى.

- ليعلم أهل الإيمان أنهم حملة رسالة، ودعاة حق مؤتمنون على أخطر ما يؤتمن عليه الإنسان مؤتمنون على حمل راية لا إله إلا الله وعلى شرح ما تلزم به وتكلف به أهلها من حقوق لله وحقوق للخلق من عقيدة وعبادة وحكم وشريعة إنهم بناة البشرية مكلفون بإخراجها من عالم الضلالة إلى عالم الهداية من عالم الشرك إلى عالم التوحيد، من عالم البشر يعبد لأنه يحكم في الأرض ويأمر وينهي ويحل ويحرم إلى عالم عدل مطلق لأن الله خالق، وخالق الكون هو الذي شرع ويحل ويحرم فليس لمخلوق حق تدبير أمر الخلق بل الله وحده ذلك الأمر.

- إن الإيمان طاقة بناءة باعثة للحياة التي تنتقل بصاحبها من عالم إنساني يقدر الحياة بعاطفة محدودة في محيط الأبوة والزوج والأمومة والولد والمال يصلح به أمر جماعته الصغيرة المحدودة، إلى عالم المسؤولية أولًا عن وجوده هو ذاته ومع من يقف وأي حياة تحتويه؟ إنها الحياة التي أرادها الله سبحانه.... إنها الرسالة الواجبة والتكليف بالعمل مع ذاته وأسرته المحدودة، ثم مع الكون كله يسوسه ويتعايش معه في ظل قانون الله قانون الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ ﴾(الروم: ٣٠)

- إن التصور الإيماني السليم لدى المؤمن من لدن آدم – عليه السلام، حتى مجيء محمد ﷺ وإلى أن تقوم الساعة هذا التصور يجعل المؤمن قويًا منطلقًا بطاقة فعالة، فهو يأخذ عهد الله بقوة وصدق إيمان، فيخرج عن الدنيا وعلى الدنيا كلها بسهولة، والسعادة تملأ حسه والطمأنينة تغمر قلبه... فالدنيا مسخرة لخدمته، وهو المستعبد لها، وشتان بين من تستعبده الدنيا فتستعمله لها، ومن يملكها فيستعملها لله سبحانه وتعالى. 

- إن المؤمن عبد: صدق مع الله فصدقه الله، ومنحه إحسانًا فرفعه مع الذين صفت أرواحهم وارتفعت بصائرهم، وظهرت سرائرهم وطابت أعمالهم، فعاشوا لله، وبالله، وفي الله، وكما قيل في المؤمن إنه إذا حكم أصاب وإذا فعل أطاب، وإذا تكلم أتى بفصل الخطاب، إنه إيمان الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله استعلاء على طين الأرض فأرادوا حكم الأرض بأمر الله ونبيه، حتى يرضى الله عنهم أبوا إلا أن يكون البيع لله صاحب النفس، وصاحب المال وصاحب الأرض وصاحب السماء.

الرابط المختصر :