الثلاثاء 16-مايو-1972
لم تكن أهمية الحملة الفرنسية على مصر سنة ۱۷۹۸م إلا في أنها كشفت للمصريين والعرب أن ثمة فجوة حضارية تفصلهم عن أوروبا النصرانية، ولم تكن هذه الحملة بالطبع حاملة رسالة حضارية - كما يزعم المستغربون - وإنما كانت غزوة استعمارية تهدف إلى تكوين إمبراطورية نابليونية في الشرق أول محاطها مصر وأكبر مراكزها الهند! وعندما رأت المجموعات البشرية التي كانت تعيش فوق الأرض المصرية، من فلاحين ومشايخ ومماليك وأتراك، عندما رأوا جميعًا مدافع نابليون تدك القاهرة علموا أنهم أمام عصر جديد، ومن يومها والعرب يحاولون البحث عن الطريق إلى اللحاق بهذا العصر، وكان أن ظهرت في هذا الطريق مدرستان:
فأما المدرسة الأولى فيسميها الأستاذ جلال كشك «المدرسة الاستعمارية» وهي تلك المدرسة التي أتيح لها منذ الغزوة الفرنسية الاستعمارية أن تتحكم في مسيرة الأمة، حتى وصلت بالمسيرة إلى عام ١٩٤٨، ثم ١٩٦٧، وترى هذه المدرسة أن الطريق إلى المعاصرة هو تسول الحضارة، الجلوس إلى أوروبا المتفوقة مجلس التلميذ الذليل، واستجداء كل ما عندها من البقايا الحضارية سواء بالشراء أو التسول أو غير ذلك وقد وصلت هذه المدرسة بالأمة العربية كما ذكرنا إلى أكبر هزيمة في التاريخ - تقريبًا - وهي هزيمة حزيران الأخيرة!
وأما المدرسة الأخرى فيسميها المؤلف « المدرسة الوطنية » وترى هذه المدرسة أن الحل الوحيد لتخلف الإنسان المسلم هو « التحديث » وليس التغريب، أي امتلاك كل المعرفة الحديثة التي يتفوق بها الغرب، إنتاج كل المعدات مقاومة أن نتحول إلى تلميذ ذليل، لأن التلميذ الذليل عبد لأستاذه أراد أم لم يرد، أن نعتقد بأننا يمكن أن نلحق بالغرب، وأن ندخل معه في صراع حضاري نعلم به أننا في معركة حياة أو موت كما فعلت اليابان والصين وغيرهما أن لا نشتري الحضارة، بل نصنع الحضارة من خلال مراحل الكفاح المشحونة بالدم والعرق، وترى هذه المدرسة أننا قد اشترينا الأسلحة كثيرًا ودفعت مصر وحدها أربعة آلاف مليون جنيه في التسليح وحده دون أن تصل إلى شيء لأنها - وإن اشترت الحضارة - إلا أنها لم تكن قادرة على استعمال حضارة لم تصنعها ولم تبلغ مستواها فكرًا وسلوكًا.
وهذا الكتاب الذي نقدمه اليوم، يتناول الحقيقة الصغيرة التي تمتد من ۱۷۹۸ إلى ۱۸۰۱ ـ أي فترة الاحتلال الفرنسي لمصر وما جرته من قضايا، من وجهة نظر المدرسة الوطنية.
في الباب الأول يمد المؤلف الطرف إلى الفترة التي سبقت هجوم الفرنسيين على مصر، والمفروض أن مصر قبل هذه الغزوة كانت تابعة لتركيا، ويحلل المؤلف طبيعة الوجود التركي في البلاد العربية، ويتساءل: هل كانت مصر مستعمرة تركية؟ ولكي يجيب على تساؤله اضطر إلى أن يعرف لنا الاستعمار - كما يعرفه كل المفكرين - فالاستعمار حالة معينة من التطور الاقتصادي تقف في نهاية النمو الرأسمالي الداخلي، فهل كانت تركيا تعيش حالة هذا النمو أم أنها كانت ضعيفة تحكم مصر حكمًا شكليًا؟، وبالطبع لم تكن تركيا المريضة تعيش أية حالة نمو بالمرة، بل كانت تعيش حالة انهيار في كل مؤسساتها، ولا يكتفي المؤلف بإظهار حقيقة المستوى الوجودي للأتراك في مصر وغيرها عن طريق هذا التعريف، بل يستطرد فيصف لنا طبيعة هذا الوجود من خلال الأحداث التاريخية، وكيف أنه كان بإمكان العلماء في مصر طرد أي وال تركي في أية لحظة يشاءون.
لكن: من كان يحكم مصر إذن قبل الغزوة الفرنسية؟ لقد كان المجتمع المصري يتكون من مجموعة من الطبقات المختلفة الجنسية، كان يتكون من المماليك الذين قاموا بالحماية الخارجية للبلد ورضا لهم الشعب المصري بهذه المكانة لاسيما بعد أن فازوا في عين جالوت، لكنهم تحولوا قبل الحملة مباشرة إلى عنصر يفرض نفسه داخليًا دون أن يقوم بالدور المطلوب منه وكان آخر هذا الدور مراد بك وإبراهيم بك وكان العلماء أو المشايخ يقومون بدور السلطة التشريعية « في حدود كتاب الله وسنة رسوله » كما كانوا حلقة الوصل والقضاة بين الفلاحين وبين المماليك، أما الفلاحون فكانوا القطاع الذي يصنع الحضارة، ويطعم الجميع، وعندما وصل نابليون الإسكندرية اصطدم بهذه الأرضية الاجتماعية وزعم بأنه جاء لتحرير الفلاحين من المماليك لكنه كان صريحًا مع نفسه في مذكراته التي كتبها في سانت ميلانه وذكر فيها أن هذا كان دجلًا وأنه جاء إلى مصر ليستعمرها ولينطلق منها لتحقيق آماله.
ومنذ اليوم الأول لوصول الفرنسيين إلى مصر وهم يؤكدون أنهم حملة بربرية وحشية، منذ تعذيبهم وتشهيرهم وقتلهم لمحمد كريم « المصري » وتنكيلهم بالقرى المصرية وحرقها على الطريق الممتد من الإسكندرية إلى القاهرة لقد جعل نابليون قرية « بني عدي » أكوامًا من الخرائب وأحرق ونهب « بركة غطاس » وكان قد فعل ذلك بقرية « نكلة » ثم « أبي زعبل »، ولم يبخل نابليون على العلماء بالإعدام وفرض الغرامات الفادحة وتعذيب الشيخ السادات أمام زوجته في السجن وهي تصرخ، بل وفرض الغرامات على النساء لفداء أنفسهن، وفرض العهر على بعضهن، أكان نابليون إذن قائد حملة حضارية؟ أكان نابليون الذي لم يستعمل المطبعة إلا في توزيع منشورات الدجل، والذي أذل كبرياء العلماء لأول مرة، والذي جعل من العلماء ـرغم أنوفهم - طبقة معادية للشعب تتولى جمع المال لخزانته فيما سماه الديوان، أكان هذا الرجل قادمًا لنشر حضارة؟
أكان نابليون الذي جعل الأزهر مسرحًا لخيله، وحول حارات القاهرة إلى بارات للسكارى والعاهرين من جنوده واصطنع طبقة من الخونة كيعقوب المعلم والشيخ البكري وابنته وبرطلمين وعبد العال وفرط الرمان، وأحدث الفرقة بين المسلمين المصريين والمسيحيين المصريين وأثار النعرة الدينية لدى القبط، أكان هذا الرجل بهذه الأخلاقيات باعث حضارة؟ أم كان مستعمرًا يلجأْ إلى وسيلة، في سبيل تحقيق أهدافه الخاصة؟
وفي الحملة الفرنسية، عرفت أمتنا الحل الوحيد لكي تصل إلى مستوى العصر، عرفته بالتحديث، بالمقاومة بمحاولة امتلاك السلاح الذي يتفق مع سلاح عدوها أو يتفوق عليه، ويذكر الجبرتي أن المصريين صنعوا في ذلك الوقت معملًا للبارود في أربع وعشرين ساعة، ومصنعًا لإصلاح الأسلحة والمدافع ومصنعًا آخر لصنع القنابل عرفته الأمة الإسلامية في مقاومتها بهذا الأسلوب للغزوة الفرنسية وبقيام المصريين بثورتي القاهرة الأولى والثانية حتى جاء محمد علي فضلل القافلة وحاول شراء الحضارة وعرفته الأمة عملًا حين تقدم مسلم عربي غير مصري ليقتل القائد العام - بعد نابليون - للحملة، حين تقدم سليمان الحلبي الشاب الأزهري ليتولى الدفاع باسم الإسلام والعروبة الصحيحة، عن كرامة وحرية مصر وبتنفيذ حكم الإعدام في سليمان الحلبي بهذه الصورة اللا إنسانية، عن طريق وضع الخازوق في أحشائه على دقات موسيقى الحرية والإخاء والمساواة الفرنسية، وبحرق يده حيًا.
بهذا التنفيذ تخرس كل الألسنة التي تزعم أن للحملة الفرنسية أهدافًا حضارية أو تقدمية!
وأخيرًا إذا كان دعاة التسول الحضاري قد استطاعوا التعبير عن أنفسهم حتى حزيران سنة ١٩٦٧ ولا يزالون يتبجحون، أفلم يحن بعد الوقت لكي نعبر عن أنفسنا في محاولة للبدء من جديد، لكي نصنع حضارة لكي نسير في الطريق الوحيد إلى التقدم والأصالة! لكي نبدأ من جديد بداية التحدي والبحث عن الموت وليس السهولة والاستسلام لملذات الحياة!
لكي نعلم أننا لن نصل إلى الشاطئ إذا لم نصطدم بالصخور والأشواك.
وعندما نبدأ هذه البداية الحتمية سنجد الإسلام هو الطريق والمنقذ والحياة وسنصل إلى الشاطئ.
هذا وقد بلغت الدراسة التاريخية التي قدمها المؤلف أكثر من خمسمائة صفحة من القطع الكبير.