العنوان وحدهم بين اللهب والصمت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1982
مشاهدات 68
نشر في العدد 575
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 15-يونيو-1982
المراقبون يقولون -وهم «يتفحصون» الغزو الإسرائيلي الكبير للجنوب اللبناني: إسرائيل تريد القضاء على المقاومة الفلسطينية، وإسرائيل تريد أن تحتل بيروت وإسرائيل تريد أن تنشئ في لبنان دولة طائفية موالية لها، وإسرائيل تريد أن تسقط أي مبادرة سلمية إلا كامب ديفيد.. وإسرائيل تريد.. وتريد.. ونحن جميعًا نعلم أن إسرائيل تريد هذا كله، وتريد أشياء أخرى كثيرة غيره أيضًا.
وحين تملأ أذهان الصحفيين والسياسيين «إرادات» إسرائيل تلك. يدفعنا هذا إلى البحث عن نقيض لهذه الإرادات في ساحة المعارك الدائرة على أرض لبنان. إسرائيل تريد ولكن أما من أحد يريد شيئًا آخر يصدم إرادة إسرائيل؟
نعم وحدهم الفلسطينيون واللبنانيون في ساحة المعركة الدامية أثبتوا أنهم يريدون شيئًا آخر، يصدم إرادة إسرائيل!
بطولاتهم أكبر من وحشية الغزو الهمجي، وثباتهم أقوى من حرب الإبادة التي تقذفها حمم الطائرات والدبابات والمدافع وحزنهم إدانة عظمى للصمت التي يرين على الوجوه الخرساء!
ولكنهم تركوا وحدهم.. يتلقون الصدمة الأولى للهجمة الشرسة، فسقطت معاقلهم... وعبرت على أشلاء الكثيرين منهم دبابات إسرائيل لتدق أبواب بيروت.
لقد تركوا وحدهم لأن اللعبة تقتضي ذلك:
في بداية الغزو أعلن قادة سياسيون وعسكريون في إسرائيل أن هدف الغزو هو القضاء على الوجود الفلسطيني دون المساس بالقوات السورية، وفي الوقت نفسه أجابهم مسؤول سوري كما نقلت السياسة الكويتية في 8/6: إن سوريا مصممة على الدفاع عن «مواقع قواتها» في لبنان. فأثبت بذلك أن الرسائل التي تبعثها إسرائيل تفهم فهمًا دقيقًا. وهذا ما صرح به هيغ وزير الخارجية الأمريكي في مقابلة تلفزيونية مع برنامج «غود مورننج أمريكا» يوم 9/6 بقوله: إن موقف سوريا من الأزمة الحالية في لبنان اتسم بالحذر والاعتدال وأعرب هيغ عن ثقته بعدم حدوث تدخل سوري واسع النطاق هناك وكان حقيقًا بأبي إياد أن يصرخ العرب صامتون كالقبور!
تهامس الناس: أين صواريخ البقاع؟ وأين الأربعين ألف جندي من قوات الردع الذين كانوا يزرعون لبنان رعبًا خلال أكثر من ست سنوات.. وصرخت بعض الصحف العربية عاليًا.. «حافظ الأسد ماذا تنتظر؟»
حدث ذلك عندما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن الجيش الإسرائيلي نفذ مهمته قبل الوقت المحدد بـ ٤٨ ساعة. وكانت سلاسل الدبابات الإسرائيلية قد حفرت أخاديد عميقة على مشارف بيروت. وبدأت عند ذاك طلعات الطيران السوري الاستعراضية، وأراد الفلسطينيون واللبنانيون أن يتغافلوا قليلًا عن مجريات اللعبة التي يلمسونها بجراحهم وأشلائهم أملًا في أن يكون للتدخل السوري أثر في حمل جزء من عبء المعركة عنهم، ولكن الأمل -كما توقعوا- سرعان ما تبدد حين أعلن النظام السوري عن وقف النار استجابة للقرار الإسرائيلي بوقف النار، ولم يكن وقف النار هذا يعني إلا أن يعود الوضع كما كان في بدء الغزو: الفلسطينيون واللبنانيون وحدهم. وهذا ما أعلنته إسرائيل أن وقف النار لا يشمل المقاومة الفلسطينية واللبنانية وأدرك الفلسطينيون واللبنانيون الحقيقة المرة، وأعلنوا بكل شجاعة عدم موافقتهم على وقف النار حتى يخرج الغزاة من لبنان، ولكنهم لم يعلقوا في بيانهم الذي أصدر على الموقف السوري.
المراقبون يتساءلون أيضًا عن الموقف السوفياتي.. ويتأملون معاهدة التعاون الاستراتيجي بينه وبين النظام السوري.. ثم يسمعون تصريح أبو إياد في 11/6: كنا نتمنى أن يكون موقف الاتحاد السوفياتي من الغزو أكثر حزمًا. ولقد كان موقف السوفيات معروفًا منذ البداية حين أعلن ممثل منظمة التحرير في موسكو محمد الشاعر: السوفيات لن يرسلوا قوات للمنظمة، ونخشى أن تحتل إسرائيل بيروت!
وتدور عيون الفلسطينيين بحثًا عن معنى «معاهدة الدفاع الاستراتيجي» بين المقاومة الفلسطينية وبين النظام السوري التي لم يجف مدادها بعد.. فيكظمون غيظهم، ويشدون على جراحهم.
وليس هذا كل شيء.. ولكن اللعبة لم تعد خافية على أحد:
إسرائيل المدللة تريد وتريد.
والدول العظمى تستطيع أن تتفاهم فيما بينها.
وفي المنطقة ممثلون مخضرمون على خشبة الشرق الأوسط لأداء الدور.
والفلسطينيون واللبنانيون -بطولاتهم... ثباتهم... حزنهم- وحدهم بين اللهب والصمت!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل