; وحدة الصف الإسلامي ضرورة شرعية.. أيها الإخوان حذار من التفرقة | مجلة المجتمع

العنوان وحدة الصف الإسلامي ضرورة شرعية.. أيها الإخوان حذار من التفرقة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988

مشاهدات 68

نشر في العدد 850

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 05-يناير-1988

وحدة الصف الإسلامي قضية أساسية فرضها الإسلام ودعا إليها على مستوى الأمة الإسلامية منذ أن بزغ فجر هذه الدعوة زمن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).

وقد أصّل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا الجانب فعمل منذ اليوم الأول الذي حل فيه بالمدينة المنورة على مؤاخاة المسلمين مهاجرين وأنصارًا، حيث أوجد منهم على اختلاف بلدانهم وقبائلهم صفًّا واحدًا واجه به المجتمع الجاهلي بقوة وثبات إلى أن حقق لدعوته النصر المؤزر.

وقد تابع خلفاؤه رضوان الله عليهم سيرته من بعده حتى فتحوا العالم ونشروا فيه دين الله الحنيف مبتغين في ذلك مرضاة الله سبحانه، وهم جميعًا في صف واحد جمعته الغاية المنشودة السامية «الله غايتنا».. لا يفرقهم هوى.. ولا يعصف بهم شتات، مسلمين قيادهم لرب العزة الذي أمر قائلًا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46).

وعلى هذا الأساس قامت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث حيث انطلقت من تصور واحد ومن منهج واحد هو المنهج الرباني الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون هدى للمسلمين كافة في كل زمان ومكان.

ولما قامت دعوة الإخوان المسلمين على يد مؤسسها الشهيد حسن البنا رحمه الله الذي أقامها على نهج الكتاب والسنة كان من أوائل ما تعلمه الإخوان من مبادئ دعوتهم أن الغاية الأولى والأخيرة من حركتهم هي مرضاة الله عز وجل، وهي الغاية العليا التي حملها الأنبياء والمرسلون، نطق بها موسى عليه السلام، وهو متجه إلى ربه ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ (طه: 84). ونطق بها محمد صلى الله عليه وسلم وهو في أحلك ساعات محنته ومعاناته مع القوم المشركين: «إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي» ومن هنا كان هتاف الدعاة الأول: «الله غايتنا».

إن المزية الكبرى للعمل الإسلامي أنه لا يقبل الغش، ولا يرضى للعاملين فيه أن يشركوا مع مرضاة الله عز وجل حظوظ نفوسهم، وتطلعات ذواتهم الخاصة، وهذه حقيقة ضخمة متى غابت عن ذهن أحد العاملين في الحركة الإسلامية ضاعت جهوده، وضل عن السداد والرشاد، وسخط منه الناس، وخسر بذلك سمعته ومكانته.

ذلك أن الحركة الإسلامية التي تجعل مرضاة الله غايتها، يكون دائمًا سداها الإخلاص ولحمتها التقوى، ولا يصلح للقيادة فيها إلا من اتسم بالتقوى، وعرف بالإخلاص والتجرد لله عز وجل، وأننا لنذكر بالإكبار والتقدير موقف الأستاذ أبي الأعلى المودودي رحمه الله يوم قدم إلى بلاد الشام وكان أميرًا للجماعة الإسلامية في الباكستان، إذ جاءه أحد محبيه والمعجبين به يطلب إليه أن يقره على إنشاء تنظيم إسلامي في بلاد الشام يكون تابعًا للجماعة الإسلامية في الباكستان، فما كان جواب الأستاذ المودودي رحمه الله إلا أن قال له: ألا يوجد في بلاد الشام تنظيم للإخوان المسلمين؟ فأجابه مريده: بلى، ولكنني أرى تنظيمكم أتم وأفضل وأنفع، وقيادتكم للدعوة الإسلامية أحكم وأصلح. فلم تنتشِ نفس المودودي -رحمه الله- بهذا الثناء، ولم يهتبلها فرصة لينشئ له زعامة جديدة في بلاد الشام، بل أجاب مريده بلغة الداعية المؤمن المخلص المتجرد الصادق المتطلع إلى مرضاة ربه: اذهب واعمل مع الإخوان، فليس من مصلحة الدعوة الإسلامية أن تتعدد تنظيماتها، وتكثر كياناتها. بل إن من مصلحتها أن تتوحد تنظيماتها، ويرتص صفها، ويتسق فكرها، وتنسجم تطلعاتها، وتتلاقى خططها وأهدافها.

هكذا يقف القادة العظام من وحدة الدعوة وتنظيماتها في القطر الواحد، ولا يرضون تعدادها فيه، وهذا هو موقفهم من وحدة الحركة الإسلامية في أيام الأمن والعافية والازدهار والتقدم والنمو والرخاء! فكيف يكون موقفهم من وحدتها اليوم، والحركة الإسلامية تعيش في أكثر من أقطارها أيامًا سوداء كالحة حافلة بالمحن والتضييق والتهجير والشدة والتآمر؟!

لم تكن الحركة الإسلامية يومًا بحاجة إلى وحدة الصف، وتضافر الجهود وتلاقي الآراء، وتوجيه الطاقات نحو البناء والعمل أكثر من حاجتها اليوم. وإن المسلمين الواعين في مشارق الأرض ومغاربها، وإن العاملين في إطار الحركة الإسلامية العالمية لا يقرون أيًّا كان على أية دعوة خارج إطار الدعوة الأم، ذلك أن الذي لا يختلف عليه اثنان من الغيارى على الإسلام ودعوته أن يكون هناك كيان إسلامي عالمي واحد للحركة الإسلامية. بل إن الواقع ليدعونا إلى تعضيد الحركة الإسلامية الموحدة بكل الدماء الجديدة، والكفاءات العلمية العالية والعقول المتفتحة الحصيفة لتزداد قوة على قوة، ولتكون على المستوى الأوفى بالصحوة الإسلامية التي أصبحت معلمًا بارزًا من معالم نهضة المسلمين في العصر الحديث.

إن وحدة العمل الإسلامي تكفل للدعاة وحدة الرأي، وتعميق الأخوة وسلامة التنسيق وتزرع في نفوس الأجيال المسلمة الأمل والثقة بوحدة الحركة وهيمنتها على الساحة الإسلامية الواسعة في العالم الإسلامي هيمنة قائمة على التآخي والتشاور والحب والشورى، وأي طريق غير هذا لن يكون إلا تبديدًا للقوى، وتشتيتًا للطاقات وانشغالًا عن خدمة الدعوة الإسلامية في مجالاتها الرحيبة الواسعة.

أجل.. إن أي طريق غير طريق التوحد في الموقف الدعوي الإسلامي سيذر قرن الفرقة بين العاملين للإسلام في كل مكان، ويوجد فيهم الاختلاف والتنابذ والشقاق، وسيثلج صدور أعداء الإسلام في كل مكان، وسيكون مدعاة لسخط الله عز وجل، وحجب نصره وتأييده عن المسلمين، وفي ذلك تعويق لمسيرة الدعوة أي تعويق.

إنه سيشغل العاملين بالقيل والقال وكثرة السؤال ويبعدهم عن معالي الأمور وعظائمها، ويصرفهم إلى سفاسفها وصغائرها، ويجعلهم متنافسين متنازعين، والله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46). وسيبرز العاملين للإسلام على الصعيد العالمي متفرقين، والله تبارك وتعالى يحثنا على التوحد والاعتصام بحبله المتين: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103).

أما أنتم اليوم أيها الإخوان المسلمون الذين نشأتم في رحاب الجماعة الطاهرة النقية المستقيمة، التي أسسها حسن البنا، وسقى شجرتها بدمه الطهور، وحمل لواءها من بعده حسن الهضيبي، واستشهد في سبيلها قافلة من أكرم الدعاة على الله، وعلى رأسهم الإمام البنا، وعبدالقادر عودة، والشيخ الفرغلي، ويوسف طلعت وسيد قطب، وغيرهم.. حذار حذار أن تزل بكم الأقدام، بعد أن أوجدت دعوتكم -بتوفيق الله عز وجل- الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي كافة وأثرت الفكر الإسلامي المعاصر، وأمدت المكتبة الإسلامية بكنوز المؤلفات عن دعوة الإسلام العظيمة، وأوجدت أجيالًا من المسلمين والمسلمات انتشروا في أنحاء الأرض، فعرفتهم الدنيا بعقيدتهم السليمة، وفكرهم النير، وسلوكهم القويم، وإخلاصهم النادر، وتجردهم لله عز وجل.

وأخيرًا.. ليس لكم يا شباب الدعوة إلا أن تسلكوا الطريق الذي ترونه أرضى لله عز وجل، وأبقى على وحدة أخوتكم وحركتكم الإسلامية المباركة، وعليكم يا شباب الدعوة أن تكونوا يدًا واحدة ضد كل من يدعو إلى تفرقة الصف، فذلك ليس من خلق الإسلام، بل هو مخالفة شرعية لما أمر الله به من وحدة الصف وجمع الكلمة.

وإننا لنربأ بأي داعية أن يصح فيه تشبيه الشهيد سيد قطب رحمه الله للذين يبتعدون عن الجماعة أو يبعدون عنها بالغصن.. يقتلع من الشجرة، فسرعان ما يجف ويذبل ويموت، وتبقى الشجرة شجرة الدعوة الباسقة فارعة نامية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. (إبراهيم: 25 -24).

هدانا الله جميعًا إلى ما فيه مرضاته، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :