العنوان وجهة نظر هل يرضى الغرب بقيام دولة إسلامية أصولية نموذجية؟
الكاتب د. محمد البصيري
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1994
مشاهدات 53
نشر في العدد 1098
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 03-مايو-1994
هل يرضى الغرب بقيام دولة إسلامية؟
يطرح سؤال على قدر كبير من الأهمية بين أوساط شباب الصحوة الإسلامية
مفاده «هل يرضى الغرب بقيام دولة إسلامية أصولية نموذجية؟»، ولمناقشة هذا السؤال
والإجابة عليهِ لا شك بأن أن الآراء ستختلف وستتباين بين مؤيد ومعترض ولا
يمكن أن نجد إجابة محددة ومجمعًا عليها ومحكومًا بصحتها ودقتها وخطأ ما سواها.
ولذلك ما سنستعرضه في هذه السطور القليلة هو أحد هذه الاجتهادات في
الإجابة على هذا السؤال المهم والخطير.
بداية إذا سلمنا بما يدعيه البعض بأن الغرب لن يرضى بقيام دولة
إسلامية أصولية فمعنى ذلك أن ولادة هذه الدولة ستكون عسيرة إن لم تكن مستحيلة فلا
قبل لنا بهم عددًا ولا عدة، وليس هناك أدنى شك بأن المسلمين يعيشون هذه الأيام في
أسوأ مراحل تاريخهم الطويل من حيث الضعف والفقر والتشتت والخلاف بل والعداء بين
بعضهم البعض، وفي الجانب الآخر يعيش الغرب عصره الذهبي من حيث القوة والسيطرة
والنفوذ والتقدم الحضاري في كل المستويات والتعاون بين شعوبه ودوله لتحقيق الأهداف
والمصالح المشتركة.
ولذلك فالمعادلة غير موزونة ورجوح الكفة في غير صالح المسلمين إلا أنه
من الخطورة بمكان أن يتسرب مثل هذا الشعور بالضعف وقلة الحيلة إلى نفوس المسلمين
لما في ذلك من زرع لبذور اليأس والقنوط والاستكانة والعجز والتسليم بالأمر الواقع
والتوقف عن بذل الأسباب للنهوض بالأمة من سباتها وضعفها من جديد في سبيل الوصول
إلى قيام الدولة الإسلامية النموذج.
ولعل الغرب يفرحه انتشار مثل هذه الحالة الانهزامية اليائسة بين
المسلمين، ويحاول من خلال أدواته الإعلامية أن يرسخها ويعزز من الأدلة الدالة على
صحتها أملًا منه في تأخير قيام الدولة الإسلامية النموذج.
لقد ظهرت في الغرب وبالذات في الولايات المتحدة دراسات استراتيجية
عديدة في السنوات الأخيرة حول إمكانية قيام مثل هذه الدولة أو الدول الإسلامية
النموذج، وأثبتت جميع هذه الدراسات أن كل المؤشرات تدل على أن قيام الدولة
الإسلامية الأصولية النموذج قادم لا محالة وأن كل المحاولات لمنع قيام هذه الدولة
ستبوء عاجلًا أم آجلًا بالفشل، وأن هذه المحاولات لن تستطيع الصمود كثيرًا أمام
هذا التيار الجارف من رغبة الشعوب الإسلامية في قيام هذه الدولة الإسلامية
النموذج، وأن أقصى ما تستطيعه هذه المحاولات هو فقط تأخير ظهور وقيام هذه الدولة.
ولذلك ظهرت دعوات عاقلة وحكيمة وبناءة بين بعض السياسيين وعلماء الفكر
والثقافة وراسمي الاستراتيجيات الغربيين تدعو إلى فتح الحوار والإكثار من قنوات
الاتصال مع الجماعات السياسية ذات التوجهات الإسلامية في بلدان العالم الإسلامي
عمومًا والعالم العربي على وجه الخصوص، ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة وفهم متبادل
على بعض المبادئ واستكشاف مواضع التوافق والاختلاف بين هذه الأطراف والعالم الغربي
وهم يطمحون من خلال ذلك النهج العاقل والحكيم إلى تفادي الصراع الحضاري والسياسي
القادم أو على الأقل تأجيله إلى أبعد مدى زمني والتخفيف من حدته وخطورته على
الإنسانية جمعاء في حال حدوثه.
ونحن إذ نوافق مثل هذه التوجهات عند بعض الغربيين الحكماء لما فيها من
تغليب للحكمة والعقل والتعامل الإنساني الحضاري بين شعوب العالم أجمع لنتمنى أن
تزداد رقعة ومساحة هذه الدعوات بين أصحاب القرار السياسي في العالم الغربي، وألا
تقتصر هذه الدعوات بين شريحة العلماء والمفكرين والشخصيات العامة والإعلاميين
وترتقي إلى شريحة المؤثرين من أصحاب القرار السياسي.
وفي المقابل فنحن على يقين بأن مثل هذه الدعوات الحضارية ستقابلها
دعوات أخرى إيجابية من العالم العربي والإسلامي من أرباب الفكر والثقافة والسياسة
وقيادات الجماعات السياسية ذات التوجهات الإسلامية ترحب بمثل هذه الأطروحات وتعزز
فتح المزيد من قنوات الاتصال والحوار المبني على التفاهم والاحترام المتبادل بين
جميع الأطراف والذي يأخذ في اعتباره أن هذا العالم أصبح كالقرية الصغيرة التي
تتشابك فيها مصالح سكانها، وإذا لم يجدوا وسيلة للتعايش السلمي والتفاهم واحترام
مبدأ عدم التدخل في شؤون الغير، والتعامل على أسس ومبادئ إنسانية راقية ومصالح
تعايشية متبادلة وإلا فالصراع سيأكل الأخضر واليابس وهذا ما لا نرجوه.
هذا الموضوع يطول الحديث حوله ويتشعب ولا يمكن أن نعطيه حقه في مقال
واحد، وليأذن لي القارئ الكريم أن أقف عند هذا الحد في هذا الأسبوع على أن نكمل
بقية الموضوع في مقال قادم حول أسباب نشوء الصراع بين العالم الإسلامي والعالم
الغربي، وننقل من خلاله مقولات بعض الغربيين وغيرهم حول خوفهم وهواجسهم وقلقهم من
نهوض العالم الإسلامي من جديد ورعبهم الشديد من قيام الدولة الإسلامية النموذج..
وللحديث بقية.
والله المستعان!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل