العنوان وجهة نظر : مَنِ المسئول عما نحن فيه؟؟
الكاتب د. محمد البصيري
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994
مشاهدات 68
نشر في العدد 1095
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 12-أبريل-1994
وقفة مع خطاب سمو ولي العهد
لقد جاء خطاب سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ: سعد العبد الله
بعد طول انتظار وترقب، وموجة كبيرة من التكهنات، ورواج الكثير من الشائعات، ولا
ندري إن كان تسريب خبر التعديل الوزاري منذ أكثر من شهرين وعدم نفيه مقصوداً؛ لأجل
جس النبض، وإطلاق بالونات اختبار لمعرفة ردود الأفعال، وتوجهات الرأي العام
وتوظيفها؛ كي تصب حصيلة هذه البلبلة، التي عاشتها البلاد منذ شهرين حتى الآن في
إعداد وصياغة فقرات هذا الخطاب أم لا.
ولا يختلف اثنان في أن الخطاب اتسم بالصراحة والوضوح، واشتمل على
العديد من القضايا، التي تشغل بال وتفكير الكثير من الناس، وجاز للبعض تصنيفه بأنه
بداية الإعداد لمرحلة جديدة من مراحل التعمير والبناء، التي تمر بها البلاد بعد
الغزو الغاشم.
ونحن نتفق مع الخط العام للخطاب، ونعتقد بأننا نحتاج إلى مثل هذه
الوقفات الصريحة والمفتوحة والدقيقة من الحكومة، التي اعتادت في كثير من الأحيان
اللجوء للعموميات، والتهرب من تحديد المسؤوليات، وتشخيص الداء، الذي نعاني منه في
الجهاز الحكومي وغيره منذ سنوات بعيدة.
أما وقد بادرت الحكومة ممثلة برئيسها بانتهاج أسلوب المصارحة
والمكاشفة؛ لتحديد المسؤوليات، والبحث عن الحلول، فالواجب أن تقابلها الأطراف
المعنية الأخرى بنفس الأسلوب، وأقصد بالأطراف الأخرى: مجلس الأمة، وأبناء الشعب
الكويتي، والإعلام الرسمي والشعبي، والتيارات السياسية الكويتية بمختلف توجهاتها.
نحن جميعاً مشتركون في قيادة وسلامة هذا البلد، وجميعنا مستفيدون من
أمن واستقرار ورخاء هذا البلد، وجميعنا متضررون من التخبط والفوضى، وحالة الإحباط
التي يعيشها هذا البلد، ولا بد أن نكون حريصين على الخروج من المأزق، ولن يكون ذلك
إلا بالشجاعة في مواجهة الأخطاء وتشخيصها، والاعتراف بوجودها، وتحديد المسؤول
والمتسبب في تفاقمها، وإطالة أمدها، وانتشار أثرها، ووصف العلاج الناجع لحلها.
بغير ذلك سيبقى حالنا على ما هو عليه من ترد إن لم يزدد سوءاً، ولن
ينفع بعد ذلك تعديل وزاري أو تغيير في الاستراتيجية. إن المطلوب هو إحساس بالمسؤولية
والأمانة، فلا يحق للحكومة أن تلقي باللوم على المجلس أو الصحافة أو التيارات
السياسية وتنسى نفسها، فهي ضالعة حتى النخاع في الكثير مما نحن فيه.
والصحافة تحتاج إلى وقفة مع النفس، وانتباه لما يدور على صفحاتها من
فوضى وعدم مسؤولية، فالكلمة أشد من السلاح فتكاً وأكثر تأثيراً وانتشاراً، وما
تقوم به بعض الصحف والأقلام لا يمكن أن يقال عنه مسؤولية الكلمة، وأمانة وشرف
المهنة الصحفية.
ولا يعنى ذلك تشديد الرقابة المسبقة أو اللاحقة بقدر ما يعنى تفعيل
وإعمال الرقابة الذاتية، والإحساس بالمسؤولية العامة قبل المصلحة الخاصة، فالصحافة
أداة بناء لا معول هدم، فهي تراقب وتحاسب، وتنبه وتذكر، وتساهم في كل شؤون الحياة،
بل هي حياة الأمة وقوتها أو موتها، وكتم أنفاسها.
ومجلس الأمة لا بد أن يراقب ويحاسب نفسه قبل أن يراقب ويحاسب غيره،
فلقد اختلطت أوراقه، وتبعثرت اهتماماته، وتشتت أفكاره، واستدرج من حيث يدري أو لا
يدري إلى غير مهماته واهتماماته، فعليه أن يراجع أولوياته، ويعيد حساباته، ويعرف
ويتمعن في «أجندته» ولا يأبه بمن يحاولون عرقلة مسيرته، وتشويه صورته، وجره إلى
معارك هامشية جانبية تزيد من نفرة الناس منه ومن أطروحاته.
أما التيارات السياسية في البلد، فمسؤولياتها أعظم وتأثيرها ودورها في
عودة الوعي الغائب أكبر، فهي تمثل شرائح مثقفة وواعية لما حولها من أمور، وتدرك
أبعاد الاختلاف والصراع وأخطاره في هذه المرحلة بالذات، ونحن لا نزال نلملم ونضمد
جراحنا الغائرة من الغزو الغاشم، وهي التي يجب أن تساهم وتقود الشارع إلى الوفاق
والاتفاق لا أن تنشغل بالمصالح الشخصية والحزبية، وتشغل البلاد والعباد معها في
معارك وهمية ليس لها أي موقع من الأهمية.
الحديث حول الخطاب إن أردنا تحليله وتقييمه وتقييم ما ورد فيه من هموم
مسؤول يطول ويحتاج إلى أكثر من مقال، ولكنني أختم هذه المقالة بالدعوة إلى الله -
عز وجل - أن يحفظ بلاد المسلمين عامة، وهذا البلد خاصة من كل شر ومكروه، وأن يسدد
على دروب الخير والعطاء جهود المخلصين من أبناء المسلمين، وأن يتذكروا قول الله -
عز وجل - في محكم التنزيل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 10)، ويتذكروا قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى
الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ
وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة المائدة: 2).
هذه هي سمات المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان، فلو طبقت لكنا في أحسن
حال، والله المستعان.