العنوان وجهة نظر: قرار خاطئ.. في وقت خاطئ.. في مكان خاطئ
الكاتب د. محمد البصيري
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994
مشاهدات 74
نشر في العدد 1094
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 05-أبريل-1994
لدينا يقين جازم بأن هناك من الأطراف الداخلية والخارجية من لا يريد
لهذا البلد الأمن والاستقرار والعيش في هدوء، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى
وتذكر في مثل هذه المقالة القصيرة، ولعل قرار المجلس الأعلى للمرور برئاسة وزير
الداخلية بشأن منع المنتقبات من قيادة المركبات أحد الأدلة الصارخة، والواضحة وضوح
الشمس في رابعة النهار في مسلسل إثارة الفتنة وعدم الاستقرار في هذا البلد.
ويخطئ من يظن أن هذا القرار جاء هكذا بدون إرهاصات أو مؤثرات داخلية
وخارجية، وأنه لن يكون لمثل هذا القرار الخاطئ انعكاسات داخلية أو حتى خارجية،
وباستعراض تاريخي بسيط نجد أننا في افتتاحية المجتمع قبل أكثر من عام وفي معرض
تعليقنا على قرارات وتوصيات مؤتمر وزراء الداخلية العرب الذي عقد في تونس قد أشدنا
بموقف وزيري الداخلية السعودي والكويتي عندما تحفظا واعترضا على البيان الختامي
للمؤتمر والذي أراد أن يؤلب ويحرض الحكومات العربية على الجماعات الإسلامية بلا
استثناء بحجة أن جميع هذه الجماعات متطرفة وإرهابية وتستخدم السلاح في دعوتها
للوصول إلى أهدافها.
ولقد دأبت بعض الدول العربية وخاصة تونس والجزائر ومصر على محاولة جر
بقية الدول العربية معها في صدامها مع الجماعات الإسلامية والإصرار على أن
الجماعات الإسلامية جميعها متطرفة وإرهابية ويجب مطاردتها وكبح جماح انتشارها بشتى
وسائل القمع وغلق كل وسائل الحوار معها واستخدام لغة السجون والاعتقالات التعسفية
بدون محاكمة والإعدام بل تعدى الأمر إلى درجة التصفية الجسدية وإطلاق النار
العشوائي على أماكن تجمع هذه الجماعات حتى وإن كانت مساجد تغص بالمصلين.
وما كنا نظن أن مثل هذه الوسائل القمعية ومحاربة انتشار الصحوة
الإسلامية ستصل إلينا بمثل هذه السرعة خاصة وأن التصريحات العلنية للمسؤولين تؤكد
باستمرار أن الكويت خالية من التطرف والإرهاب وأن الجماعات الإسلامية على الساحة
الكويتية تختلف عن غيرها لاختلاف ظروفها واستيعابها لدورها في المجتمع من خلال
القنوات الدستورية والحرية والديمقراطية التي كفلها لها الدستور الكويتي.
إن قرار منع المنقبات من قيادة المركبات قرار خاطئ في وقت خاطئ وطبق
في مكان خاطئ وليس له تفسير سوى التحدي والاستفزاز وإثارة الفتنة والبلبلة بين
الناس وإشغالهم بقضايا هامشية وتهيئة الأجواء لانتشار التطرف وزرع بذوره.
إن المطلوب في مثل هذا الوقت العصيب الذي تمر به بلادنا خاصة ومنطقة
الخليج وبلاد المسلمين عامة هو العودة إلى الله والتضرع والتقرب إليه بالأعمال
الصالحة، وفتح المجال لكل الخيرين والصالحين من أبناء المسلمين كي يمارسوا دورهم
في الإصلاح ودفع عجلة النمو والتقدم والرقي لبلدانهم لا أن نحاربهم ونطاردهم ونضيق
عليهم في كل مكان، فكثرة الكبت تولد الانفجار، والتطرف والإرهاب لم ينتشرا في ظل
الحرية بل وجدا مرتعهما ومرعاهما في المجتمعات التي تنعدم فيها الحريات وتتحكم
فيها الديكتاتوريات.
هذا القرار الخاطئ هو إشغال للناس جميعًا بهوامش الأمور بعد أن كان
البعض يتهم مجلس الأمة الحالي وهو بريء بمثل هذه التهمة وعليه يجب على مجلس الأمة
ألا يقبل بمبدأ الاستدراج الذي تمارسه معه السلطة وأن يبتعد عن منهج الانفعال
وردود الأفعال ويسارع من فوره بأخذ زمام المبادرة والتحكم في الدفة وتوجيه
اهتمامات السلطة والناس إلى القضايا المصيرية، وأن يفوت الفرصة على بعض المتنفذين
والمسؤولين وأصحاب المصالح الحزبية والفكرية الذين يقفون خلف هذه المشاكل ويحاولون
إثارتها كلما انطفأت نار فتنتها فهم أصحاب فتنة ومثيرو فتنة والفتنة أشد من القتل.
فلو أن المجلس مارس دوره التشريعي من البداية في مثل هذه القضايا
المثيرة للجدل وابتعد عن التسويف لكنا في حال غير هذه الحال، ولذلك نطالب النواب
بسن التشريعات والقوانين المنظمة لهذه القضايا، فقضية النقاب ما كان لها أن تطول
وتتفاعل وتفرخ قضايا ومشاكل أخرى تبعًا لها ومن إفرازاتها لو أن المجلس تعامل معها
منذ البداية بحزم بسن القوانين المنظمة ولن نقبل بعد الآن تسويفًا أو تباطؤًا من
أحد وخاصة في القضايا الإسلامية وعلى رأسها تطبيق الشريعة والقضايا التي تمس حرية
الاعتقاد والعبادة والسلوك.
بقي أمر أخير هو أن الحكمة والتعقل في التعامل مع الأحداث هو شعارنا
نحن المسلمين انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) ونرفض مبدأ الاستفزاز والتحدي والمزايدة ولن نقبلها من
الآخرين ونطالب بتفعيل مبدأ التشاور والتحاور وفتح القنوات مع كل الأطراف الفاعلة
على الساحة، ونحذر من بعض الأطراف الداخلية والخارجية التي لا تريد لهذا البلد
الأمن والاستقرار وننبه إلى أن هناك من يرصد الساحة المحلية ويحاول أن ينفذ أهدافه
ومخططاته التخريبية، وبعضنا يحقق له ذلك بغباء وسذاجة سياسية واضحة فهل ننتبه؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل