العنوان وجهة نظر في واقع الحـال للعالم الإسلامي المعاصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
مشاهدات 59
نشر في العدد 418
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين
هذا الذي يحدث في لبنان، بالإضافة إلى أنه عذاب وانتقام وجزاء وفاق من الله -تبارك وتعالى- وكما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكما حذر العرب بقوله: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، فقد تحقق هذا الذي حذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
هذه الجرائم التي تحدث في لبنان، الجريمة الأولى من أسبابها هي جعل العرب لقضية فلسطين قضية عربية وليست قضية إسلامية.. أول جريمة ارتكبها العرب والفلسطينيون في المقدمة هو أنهم اعتبروا قضيتهم عربية، والعرب بلا عقيدة.. نسأل التاريخ عنهم.
العرب الذين كانوا قبل عقيدة الإسلام التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية الأولى كانوا قبائل متناحرة.. متقاتلة مستعبدة لدول الشرق والغرب في زمانها الفرس والروم. ولما جاءت دعوة الحق، ولما جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- وقطع جميع الولاء والمودة بين الناس إلا على أساس الإيمان بالله، وكون الفئة المؤمنة التي ملأت قلوبها بمحبة الله ودينه ورسوله، انطلقت تجاهد في سبيل الله لرفع راية الله -سبحانه وتعالى- فوق كل راية وفوق كل شعار، عندئذ انقلب هؤلاء القوم المتقاتلون المتناحرون المتباغضون، إلى إخوه أحبة هكذا على يدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، بعد أن جمعهم جميعًا على عقيدة التوحيد على عقيدة لا إله إلا الله.. وغرس في قلوبهم أنهم يجب أن يعيشوا من أجل رفعة هذه الكلمة وأن يموتوا من أجلها.. كان الصحابة -رضوان الله عليهم- كذلك حتى إنهم عندما دخلوا في الإسلام، وعندما بقي في مكة بعض من النساء والشيوخ والأطفال المستضعفين في الأرض، الذين لم يتمكنوا من الهجرة ولم يستطيعوا أن يدافعوا عن أنفسهم، خرج المؤمنون من كل مكان من المدينة المنورة.. خرجوا لتلبية نداء الله -سبحانه وتعالى- لأن يقاتلوا في سبيل الله.. ومن القتال في سبيل الله نصر المظلومين والدفاع عن الذين لم يستطيعوا الهجرة من المستضعفين، والذين لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، خرج المسلمون جميعًا بغض النظر عن جنسياتهم وألوانهم وعروقهم، خرجوا إلى مكة ليستجيبوا لنداء إخوانهم.. لينصروهم في الدين وقد نصروهم وقد كان الفتح المبين كما هو المعلوم.
ونحن اليوم إذا نظرنا إلى أوضاع لبنان وما يجري في لبنان، ونظرنا إلى العرب قاطبة والذين يقفون متفرجين، لماذا؟ هذا لم يحدث صدفة.. هذا الأمر له سبب.. له مبررات.. لأن الناس في هذا القرن وفي هذا الزمان تعارفوا على روابط شتى.. على روابط الجوار واللغة والجنس وما إلى ذلك، ولم يترابطوا برباط الإيمان ورابطة الإسلام.. هذا الرباط القوي الذي دعا الله إليه بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10).. فلو كان العرب يدعون الإسلام من الحكام والمحكومين، نجد أنهم والمسلمون المتفرجون على شيء من الإيمان لما وقفوا ولما تفرجوا، أما إذا نظرنا إلى الأنظمة العربية فإن من مصلحتها السكوت والتفرج، لأن في ذلك بقاء كل حاكم على كرسيه فيما يزعمون ويظنون.. ولكن المسألة أخطر من ذلك!! إن الصليبية الحاقدة واليهودية المجرمة والشيوعية الملحدة، أعلنت وكشرت عن أنيابها تريد أن تستأصل كل من يقول لا إله إلا الله في هذه الأرض.. هذه هي الوقائع وهذه هي الأحداث، وإن الذين يقفون اليوم مع الفلسطينيين في لبنان وهذا أمر يجب أن يتنبه إليه الفلسطينيون.. فطالما دعوا إلى ذلك ولكن يبدو أن أكثرهم ليسوا من المؤمنين، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، فلقد لدغ الفلسطينيون مئات المرات.. تاجروا بكل الشعارات.. رفعوا كل الرايات.. نصحوا مرارًا منذ سنين طويلة وقيل لهم إن العروبة ليست رابطة.. إنها جاهلية.. إنها حقد إنها شيء من صنع البشر.. إنها أقرب إلى الطين منها إلى روح الإيمان.. أما الرابطة.. أما اللواء.. أما الراية التي يجب أن يقاتل تحتها الفلسطينيون والعرب المسلمون، فهي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.
إن الصليبيين وأعوانهم من الشيوعيين واليهود الملحدين وغيرهم، كلهم يسنون سكاكينهم هذه الأيام وقد جردوها وبلغوا بحملة التطهير وبذبح المسلمين.. ونحن نسمع ونتفرج والذي عنده شيء من إيمان لا يملك أن يقول إلا: لا حول ولا قوة إلا بالله.. أما الأنظمة العربية وكثير من الشعوب اليوم عادت إلى الجاهلية الأولى.. إنهم يعيشون في جاهلية عربية.. إنهم يتناطحون يتحاربون يتذابحون لأنهم ليسوا مؤمنين.. لأن الذي عرفناه من كتاب الله -تعالى- ومن هدى نبينا محمد -صلى الله عليه وسم-، أن المؤمن لا يرفع سلاحه في وجه المؤمن.. والمؤمن في أي مكروه.. إلى محنة.. إلى شدة فإنه يسارع مكان من الأرض إذا تعرض له أخ مؤمن إلى نصرته ويسارع إلى نجدته.. لأنه يشعر بشعوره.. ولكن شعور الإيمان أقول وللأسف إنه ليس موجودًا لأن المرابطة بيننا مفقودة.
لا تجمعنا رابطة الإيمان.. فلم ترفع هنا ولم ترفع هناك فعندئذ لم يتحرك مسلم لنصرتهم لأنهم لم يعلنوها إسلامية.. وفلسطين أيها الإخوة كما تعلمون منذ أن كانت أرض النبوات.. فلسطين فيها مسرى الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-.. أول من أنقذها من الصليبيين هو الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ثم عندما رجع الناس إلى جاهلية.. وانغمسوا في شهوات وابتعدوا عن تعاليم دينهم.. تمكن الصليبيون من احتلالها واحتلال أجزاء كثيرة من الوطن الإسلامي فبعدئذ ماذا حصل؟ جاء صلاح الدين الأيوبي البطل المسلم وجمع الناس جميعًا على راية «لا إله إلا الله».. ووحد بين قلوبهم.. وأوجد بينهم الأخوة الإسلامية الحقة وقادهم جميعًا تحت «لا إله إلا الله.. والله أكبر».. فكان النصر المؤزر المبين. ونحن إذا أردنا ذلك فإنه يجب أن نعلم من الآن العدو من الصديق، فنعامل العدو والصديق كما علمنا الله -تبارك وتعالى-.. الله -عز وجل- أمرنا إن كنا مؤمنين أن نقطع العلاقة والمودة والمحبة بيننا وبين أي إنسان لا يدين بديننا ولا يرفع راية الإسلام شعارًا له. ولو كان هذا الإنسان أخًا لنا أو ابنًا أو أبًا. هكذا علمنا القرآن الكريم نهانا أن نوالي أعداء الله.. واليوم كل حكامنا.. كلهم بلا استثناء يوالون أعداء الله.. كان أمراء العرب وملوكهم قبل الإسلام يوالون الفرس والروم.. واليوم يوالون أمريكا أو المعسكر الغربي والشرقي.. ولا أرى والله حتى الآن أي نظام بعيد من النظام الشرقي أو الغربي.. لا أرى أي نظام يترك الكفرة الذين يريدون ذبح الإسلام والمسلمين.. لقد هانت فلسطين الإسلامية على الذين يدعون الإسلام.
لقد هان مسرى رسول الله.. الله أكبر أيها العرب.. لقد هان مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي تركه أمانة.. لقد حمى الأمانة خلفاؤه الراشدون وفتحها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ثم فتحها صلاح الدين الأيوبي.. وخلص البلاد والمسلمين من شر الصليبيين الحاقدين.. ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى قائد يعلن نفسه صلاح الدين جديد وإن من المسلمين اليوم كثير منهم تتعطش نفوسهم وتشتاق إلى الجهاد في سبيل الله وإلى رفع راية الله.. وإلى الموت في سبيل الله.. ولكنهم يحتاجون إلى قيادة -راشدة- إلى حاكم مؤمن يبيع كرسيه ومنصبه.. يبيع هذا العرض ويبيع هذه الدنيا الزائلة بما أعد الله للمجاهدين المخلصين يوم القيامة.. ولن يخلصنا الله مما نحن فيه إلا إذا أوجدنا القاعدة الإيمانية.. أوجدنا المجتمع المؤمن.. ثم أوجدنا الأخوة في هذا المجتمع ثم القيادة الراشدة التي تقاتل في سبيل الله.. الله -سبحانه وتعالى- وعد بالنصر لمن يقاتل في سبيله ولمن ينصر دينه ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ هكذا كما قال الله -تبارك وتعالى- لا خلاص لنا من هذه المحنة إلا على هذا الأساس.. واليوم لنا إخوة، وإن كان فيهم انحراف.. يموتون ويقتلون ويذبحون وتبقر بطون نسائهم الحبالى.. ويذبح أطفالهم في حضونهم على أيدي الصليب الحاقد الذي اعتبرناه أخًا لنا عندما نادينا بالقومية العربية منذ عشرين عامًا، ومنذ ذلك الوقت ويقال إنه لا توجد أخوة بين ميشيل ومحمد وبين بطرس ومصطفى وبين إلياس وخليل.. لا يمكن أبدًا.. والله -سبحانه وتعالى- قطع هذه الولاية وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ثم قال عن هؤلاء الأعداء: ﴿يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ﴾ (سورة الممتحنة: 1) أخرجوكم من دياركم ثم ظاهروا على إخراجكم ثم تعتقدون أنهم إخوانكم؟ هذه هي المغالطة.. وهذه هي الجريمة التي من أجلها نقاسي ما نقاسي، ولكن أكرر وأقول إننا مطالبون ومدعوون أن نقدم ما نستطيع من دعم من أجل النساء.. من أجل الأطفال.. من أجل الشيوخ المستضعفين في المخيمات وفي الأحياء الإسلامية اللبنانية يجب علينا أن نفعل ذلك.. انظروا.. انظروا إلى الصليبيين في كل مكان على الأرض يمدون الكتائب وأعوانها حتى من البلاد العربية.. نعم حتى من البلاد العربية.. أموال عربية إسلامية من هنا ومن هناك تذهب إلى أعدائنا يذبحون بها أبناءنا ونساءنا ومشايخنا وأطفالنا.. هذا هو الواقع! الله يدعونا أيها الإخوة أن نجاهد ويبين أن الإيمان ليست بالصلاة كما يظن البعض..
﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾.. هذا هو الصنف المفلح.. هذا هو الصنف الصادق.. هذا هو الذي يدعي الإيمان بصدق، فعلينا جميعًا أن نتآخى فيما بيننا، وأن نجتمع تحت راية الإسلام ولا راية لنا غيرها، وآن الأوان لأن يعرف قادة الفلسطينيين أولهم ياسر عرفات وآخرهم أقل جندي رتبة.. آن الأوان أن يعلموا أن لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.. والله والله لن ينقذهم مما هم فيه إلا الله.. منذ عشرات السنين ويقال لهم اتركوها، لا ترفعوا شعارات اللينينية ولا الماركسية ولا الاشتراكية ولا القومية ولا العلمانية، ومع ذلك ما زلنا نسمع من بعض قادتهم من ينادي بدولة علمانية لا دين لها كل هذه السبل، وكل هذه النداءات.. وكل هذه الشعارات ستسير بهم من ذل إلى ذل، ومن هزيمة إلى هزيمة.. وتعجل بنهايتهم ولن تعيدهم إلى أوطانهم مطلقًا.. وإنما آن الأوان لأن يرفعوها ويعلنوها إسلامية.. فالانتساب إلى الإسلام لا عيب فيه، الانتساب إلى الإسلام انتساب إلى الله، عبودية لله عندئذ نستمد النصر من الله.. من الذي بيده النصر وعندئذ يكون حقًا على الله نصرنا إذا فعلنا ذلك ولم تسنح ولم نخف. اليهود يعلنوها.. النصارى يعلنوها، اليهود يقاتلون من أجل عقيدتهم والنصارى من أجل صليبهم، ونحن أهل الحق والدين الحق يجب أن نعلنها ونقاتل من أجل الله، فإن أرض فلسطين فيها مسرى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإن سكانها غالبيتهم من المسلمين الذين رضوا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا ورسولًا -عليه أفضل الصلاة والسلام- هذه الطريق الوحيد.. هذا هو السبيل الوحيد وليس من سبيل غيره، ولا يكذبوا علينا أو يدجلوا فيقولون نريد أن نتبع أقصر الطرق إلى فلسطين، ليس هناك من طريق إلا أن يسيروا خلف محمد -صلى الله عليه وسلم- وأن يجاهدوا كما جاهد الصحابة -رضوان الله عليهم- وأن يسيروا خلف عمر بن الخطاب.. الذي فتح القدس باسم الله وباسم الإسلام وباسم الدين، وفتحها صلاح الدين كذلك.. ولا تفتح اليوم إلا بهذا الشعار وبهذا الاسم.. وليس ذلك على الله ببعيد ونحن اليوم بانتظار القرن الهجري الرابع عشر.. بانتظار عام ١٤٠٠ من الهجرة.. بانتظار الحدث العظيم الذي سيقلب موازين هذا العصر والذي أخبر عنه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل