; انتخابات لجان المجلس.. الحقيقة والأسباب | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات لجان المجلس.. الحقيقة والأسباب

الكاتب د. محمد البصيري

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

مشاهدات 55

نشر في العدد 1124

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

شُغِلَ الرأي العام الكويتي في الأسبوع الماضي من خلال الصحافة وحديث الدواوين بتحليل وتفسير وتأويل نتائج انتخابات لجان مجلس الأمة في دور انعقاده الثالث، وتعددت وتنوعت الآراء حول هذه النتائج وخاصة سقوط بعض الرموز النيابية ذات التوجهات الإسلامية وعدم تمكنها من الوصول لمواقعها السابقة في بعض اللجان المهمة.

فذهب البعض للتفسير التآمري وأرجع السبب إلى تآمر الحكومة وتحركها لإسقاط بعض النواب الإسلاميين وخاصة الذين أثبتوا صلابة في مواقفهم من القضايا التي شغلت المجلس والناس والحكومة خلال السنتين الماضيتين، ومثال على ذلك موقف النائبين الفاضلين د. ناصر الصانع ومفرج نهار المطيري من قانون المديونيات وكثرة تصريحاتهما المضادة للتوجه الحكومي بتعديل ذلك القانون المشؤوم نحو مزيد من الإفراط والإهدار للمال العام.

أما النائب الفاضل خالد العدوة فلقد أسقطه وزير التربية والتعليم العالي حسب رأي أصحاب تفسير دور الحكومة في الانتخابات الأخيرة؛ حيث لاحظ جميع من حضر جلسة انتخابات اللجان تحرك الوزير المكشوف والمفضوح أمام الحضور وجولاته المكوكية بين النواب والوزراء وأحاديثه الجانبية والانفرادية مع بعض النواب وحثه لبعضهم على النزول في اللجنة التعليمية العامة لأن ذلك سيؤدي لا محالة لتشتيت الأصوات وإضعاف فرص النجاح لخصمه اللدود في تلك اللجنة النائب خالد العدوة، ولقد نجح الوزير الذكي في تخطيطه وتكتيكه!

وكذلك الحال بالنسبة للنائب الفاضل أحمد باقر فهو من أكثر النواب الإسلاميين حماسًا لتعديل المادة الثانية من الدستور كي تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وأكثر من تصريحاته في الصحف حول هذا الأمر وحول أسلمة القوانين، وهو ما أزعج الحكومة في فترة من الفترات وأوقعها في حرج شديد مع الرأي العام الكويتي، وإن وجوده في اللجنة التشريعية -وهي اللجنة المختصة بمثل هذه القوانين- سيجعل من الأسلمة قضيته الرئيسية في الفترة القادمة وخاصة أنه ترك أمانة السر.

لا شك في أن هذه التفسيرات والتحليلات والتأويلات لها موقع من المصداقية وتتوافر لها دلائل وقرائن عديدة، إلا أن هناك أسبابًا أخرى لا يمكن تجاهلها أو الإقلال من أثرها في سقوط أو نجاح بعض النواب في بعض اللجان، ومنهم النواب ذوو التوجهات الإسلامية.

وهذه الأسباب ليست مبنية على اعتبارات أيديولوجية أو حزبية، بقدر ما هي مبنية على اعتبارات مصلحية تبادلية؛ فهناك تكتل جديد ظهر بوضوح، وأثر بشكل كبير في نتائج انتخابات اللجان لهذا الدور، وهو تكتل النواب العوازم، وهو تكتل قبلي ليس له توجه أيديولوجي أو حزبي عدائي ضد النواب الإسلاميين، ولكنه يفاوض من منطلق الأخذ والعطاء، وهو مبدأ المصلحة المتبادلة، ولم يكن يمارس هذا الدور بوضوح والتزام في الأدوار الانعقادية السابقة.

ولعب تكتل نواب الحكومة دورًا آخر مؤثرًا ومرجحًا في بعض اللجان، وهو ما لم يحدث في الماضي أيضًا، وكان لنواب اليسار والمستقلين وبعض الوزراء المحسوبين على هذا التيار المسمى بالتيار الليبرالي دور واضح في العمل على إسقاط رموز التيار الإسلامي داخل المجلس من خلال انتخابات اللجان.

وعامل آخر مهم، هو أن كتلة النواب ذوي الاتجاهات الإسلامية كانت أكثر تماسكًا وتنسيقًا وتعاونًا في الأدوار الانعقادية السابقة وهو ما سهل لهم الأمر في السنتين الماضيتين من عمر المجلس، إلا أنهم دخلوا هذا الدور دون تنسيق أو تعاون أو حتى تشاور مسبق، مما أضعف دورهم التفاوضي مع الآخرين من النواب وشتت اهتماماتهم وأحدث ارتباكًا وتعارضًا في ترشيحاتهم لبعض اللجان، ونزل بعضهم منافسًا ومزاحمًا للبعض الآخر، وهذا في نظري من أهم العوامل التي أفرزت تلك النتائج المخيبة لآمال جماهيرهم العريضة التي تتوقع منهم ممارسة دور أكبر وتأثير أكثر، وفهمًا ووعيًا وإدراكًا لخفايا ودهاليز اللعبة السياسية.

بقي أن نقول إن انتخابات لجان المجلس ليست هي نهاية المطاف، وليست هي المؤشر لانحسار التيار الديني في المجلس أو المجتمع، فالصحوة الإسلامية جذورها عميقة -ولله الحمد- في المجتمع الكويتي الذي جُبِل على الخير وحب الخير والالتزام بتعاليم دينه وقيمه وعاداته وتقاليده الحميدة.

فليهدأ الشامتون والمغرضون والذين في قلوبهم مرض، فأرض الخير لن تنبت إلا خيرًا، وهذا المجتمع لن يفرز أو يرفع من بين جموعه من يفرح لانحسار الدين أو تراجعه.

والمجلس لا يزال بخير بأعضائه المخلصين والمحبين لكل ما فيه خير البلاد والعباد، وشعورهم العام لن يخرج عن شعور واهتمام من أوصلوهم لكرسي القرار والمسؤولية أمام الله عز وجل أولًا ثم أمام الناس.

وما هذه الانتخابات سوى انتخابات لجان تخضع للعبة المناورة والتكتيك والمصلحة المتبادلة ويجب ألا تكون نتائجها وإفرازاتها عوامل هدم أو إحباط أو تثبيط لأي جهد من أي نائب كان، وخاصة من لم يحالفهم الحظ في الوصول للجان التي يريدونها.

بل على العكس من ذلك يجب أن يكون العطاء أكثر والسخاء أكبر، فالتحدي والطموح وإثبات الوجود والتأثير في المجلس هو الأصل، والعمل داخل أروقته والمناقشة من خلال جلساته وما ينتظره الناس من النواب كثير، والوقت أمامهم قصير ولابد من برمجة المشاريع والأفكار وترتيب الأولويات والبعد عن المساجلات وهوامش الأمور والتفرغ لتنفيذ الوعود والعهود التي قطعها النواب لناخبيهم، فأعين الناخبين ترقبهم وترصدهم وتقيم عطاءهم وستشهد للمحسن منهم بالإحسان والإتقان في صنعه وفي عمله، وستحاسب المقصر منهم وتجازيه على قدر عمله وعطائه.. وإن غدًا لناظره قريب.

الرابط المختصر :