العنوان وجهة نظر- المسلمون.. ومدرسة الصوم في رمضان
الكاتب د. محمد البصيري
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1994
مشاهدات 76
نشر في العدد 1088
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 15-فبراير-1994
منذ أيام أطل على المسلمين بهلاله الأغر،
ووجهه الأبر وخيره العميم، وفيضه الكريم، ونبعه الفياض، وعطائه المدرار، وافد حبيب
وزائر عزيز ذلكم هو شهر رمضان الذي تزكو فيه الأنفس بالصيام، وتسمو به الأرواح في
القيام وتصفو فيه القلوب مع القرآن، وتتطهر به الأفئدة التي تتطلع إلى الملأ
الأعلى من الشح والضغينة والطمع والرذيلة راغبة فيما عند الله من كريم الفضل،
وعظيم الأجر، وجزيل العطاء، وسابغ الغفران، وواسع الرحمات، وجليل المنح التي
يفيضها الحنان المنان على عباده الذين أخبتوا له القلوب فاستجابوا لدعوته، وخضعوا
لشرعته، ولبوا نداءه الذي ناداهم به في كتابه الكريم وبلغهم إياه رسوله
العظيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:
183)، وحدد لهم معالمه بأنه شهر نزول القرآن الذي أنشأ أمة من شتات وبنى دولة من
تفرق، وصنع جيلًا فريدًا صار مثلًا أعلى تتطلع إليه النفوس، وتتشوق إلى سيرته
العطرة القلوب ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا
هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185)، ولقد كان من الطبيعي أن يفرض
الصيام على الأمة التي فرض عليها الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في الأرض،
وللقوامة على البشرية، والشهادة به على الناس، فالصوم هو المدرسة الربانية التي
تتربى فيها النفوس على الإرادة الحازمة العازمة الجازمة التي لا تعرف النكوص، ولا
النكول، ولا الضعف ولا التراجع ولا التفريط ولا الذلة والاستسلام وإنما هو الإصرار
على الهدف في ثبات والاستمساك بالغاية في قوة وعزة، والصبر على آلام المسير ومصاعب
الطريق، وذلك لأنها اتصلت بربها اتصال طاعة وانقياد فاستعلت بذلك على ضرورات الحياة
واستعصت بهذا الاتصال على همزات الشياطين ومغريات الدنيا إيثارًا لما عند الله من
رفيع الأجر، وعظيم الجزاء.
أجل.. أطل على المسلمين وأظلهم شهر أوله رحمة
وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.. أوله رحمة يتراحم بها المسلمون فيغسلون قلوبهم
من الأحقاد المدمرة وأفئدتهم من الأطماع الباغية التي تمزق الروابط والصلات فيرحم
الغني الفقير بالصدقات والخيرات والزكوات، ويقدر فضل الله عليه بان جعله ذا مال
لينفقه في طاعة الله وشكر نعمته ببذله لإخوانه المسلمين الذين عضهم الفقر بنابه
ويرحم القوي الضعيف فيأخذ بيده، ويكون عونا له على مشاق الحياة لا أن يكون حربًا
عليه وبلاء ينزل به ويرحم الناس بعضهم بعضا فينبذون الفرقة والخلاف ويشيعون
التسامح والوداد ويحققون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم
وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى
والسهر». أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أطل على المسلمين شهر الطاعات فنهاره صيام
وقربات وليله قيام وطاعات ودعوات مستجابات بأن يرفع الله عن المسلمين البلايا
والمحن، ويفك الشدائد والكرب، فيعزهم بعد هوان، وينصرهم بعد خذلان بعد أن يكونوا
هم قد نصروا الله في أنفسهم فأقاموا شرعه، وحكموا منهجه واستجابوا لله والرسول
الذي دعاهم لما يحييهم.
أطل على المسلمين شهر الجهاد جهاد النفس حتى
تستقيم على أمر الله فتصوم عن البغي والظلم وتمسك عن الهذر والفحش وذميم الخصال:
إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم،
إني صائم، وجهاد الأعداء لنصرة دين الله في فلسطين وكشمير، وفي البوسنة والفلبين،
وفي بورما وطاجيكستان وفي كل مكان ديست فيه كرامة المسلمين وانتهكت حقوقهم واغتصبت
اعراض نسائهم، وهن يصحن وامعتصماه!
أطل على المسلمين شهر المحاسبة والمراجعة..
شهر يقف فيه المرء مع نفسه محاسبًا لها على ما أسلفت من خير أو اجترحت من سوء او
قصرت في عمل، أو سوفت في طاعة أو أخلت بعقد أو أخلفت وعدًا مع الله ورسوله أو مع
جماعة المؤمنين.. ثم ماذا أعدت من خطة لتستقبل بها هذا الشهر فتستزيد من الخير
وتكفر عن السوء وتجبر التقصير وتصحح العزم على الوفاء بجميع العهود عهد الله
وكتابه ورسوله وجماعة المؤمنين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل