; وجهة نظر أخرى حول معركة كوسوفا جذور الصراع ودوافع الحلفاء | مجلة المجتمع

العنوان وجهة نظر أخرى حول معركة كوسوفا جذور الصراع ودوافع الحلفاء

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999

مشاهدات 80

نشر في العدد 1348

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 04-مايو-1999

•الأزمة من صنع لاعب واحد هو الرئيس الصربي الذي دفعه جنون العظمة لينصب من نفسه زعيمًا قوميًّا ودينيًّا رافعًا راية الصربية ومرتديًا العباءة الأرثوذكسية 

•القوميون الصرب أقحموا العنصر الديني ونهجوا نفس المسلك التبريري للقوميين السهود في إضفاء شرعية دينية على أيديولوجيتهم 

•الحقوق الثلاثة في مذكرة بلجراد للقوى الكبرى عام ١٩١٣م حول أحقيتها في احتلال كوسوفا 

لندن-د-عزام التميمي 

ما من شك في أن مأساة كوسوفا- ودونما حاجة إلى إجراء أي مقارنات - ستدون في سجل التاريخ على أنها واحدة من أبشع المآسي التي شهدها العصر الحديث. لقد حفل هذا القرن الذي يوشك على الانقضاء- بالعديد من المآسي الأوروبية، إلا أن قلة منها- بما في ذلك مأساة كوسوفا - بلغت من الشدة ما أهَّلها؛ لأن تترك آثارًا بالغة على مجريات الأمور في الحاضر والمستقبل، ليس فقط داخل أوروبا وإنما على مستوى العالم بأسره، وهذا ما حفز بعض الخبراء على التنبيه منذ بداية الأزمة إلى أن قضية كوسوفا من بين جميع النزاعات التي شهدها البلقان قد تكون الأعقد والأكثر استعصاء على الحل، وتنبأ هؤلاء بأنه إذا ما قدر للحرب أن تشتعل بسبب تعذر التوصل إلى حل سلمي للنزاع، فإن القتل والدمار سيكون أشد من أي شيء شهدته المنطقة حتى تلك اللحظة، لقد أثبتت الأحداث صدق هذه التوقعات، ولم يعد ثمة خلاف على ما سيتمخض عنه النزاع من بؤس وشقاء، إلا أن الخلاف سيظل قائمًا بشأن طبيعة وجذور النزاع الذي ولد ما نحن بصدده من مأساة إنسانية مرعبة. 

من السهل الجزم بأن التباين العرقي والديني هو أهم ما يميز النزاع في كوسوفا، فمن الواضح أن خط التماس بين الفريقين المتنازعين هو الخط الفاصل بين من هم صرب ومن هم ألبان، أو من هم مسيحيون أرثوذكس ومن هم مسلمون، ولن يعجز أصحاب هذه النظرية الإتيان بالعديد من الأدلة المثبتة لوجهة نظرهم بأن التوتر العرقي والديني هو السبب في تفجر الأزمة، لقد ساد الأوساط الإعلامية الظن بأن الحروب الطاحنة التي دارت رحاها في النصف الأول من عقد التسعينيات في كل من كرواتيا والبوسنة كانت بسبب نزاعات عرقية أو دينية، وفي حالة كوسوفا تبدو الصورة أكثر جلاء حتى إنه ليتراءى للمتأمل أن النزاع نزاع عرقي / ديني محض، فالانقسام هو بالدرجة الأولى عرقي بكل ما تعنيه هذه الكلمة، فعلى النقيض من الحالة البوسنية؛ حيث يتحدر جميع المتنازعين من أصول عرقية سلافية، وينطقون اللغة نفسها، فإن الصرب والألبان متباينون تمامًا عرقيًّا ولغويًّا وترافق التباين اللغوي تشكيلة من الاختلافات الثقافية منبعها في الأساس المعتقد الديني، فالانقسام إلى صرب وألبان يوازي الانقسام إلى أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية وأتباع الديانة الإسلامية «ويكاد يكون الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة وجود أعداد قليلة داخل إقليم كوسوفا من الألبان الكاثوليك ومن المسلمين المنحدرين من أصول سلافية، وهؤلاء الأخيرون يعتبرون أنفسهم بشناق لا ألبان» وهكذا يعد المسرح الصراع دموي بين شعوب بأكملها أقامت بينها فروقات اللغة والدين هوة لا سبيل إلى تجسيرها .

  تحليلات سطحية

يقع كثير من المسلمين - ولربما كثير من المسيحيين أيضًا - فريسة لمثل هذه التحليلات السطحية والتشخيصات غير العلمية لطبيعة النزاع في البلقان، وفي كوسوفا بالذات، وما أنا بصدده في هذا المقال هو تقديم تفسير مختلف أزعم أنه أكثر علمية وأقرب إلى الواقع، يرتكز على فرضية أن الأزمة الحالية وليدة ظاهرة بالغة التعقيد. يزعم نويل مالكوم الخبير في شؤون البلقان ومؤلف كتابي «البوسنة» و«كوسوفا» أننا ما أن نشرع في فحص الوضع السياسي الراهن والسجل التاريخي لكوسوفا؛ حتى نكتشف وهن النظرية القائلة بأن السبب في النزاع هو ما استقر في أعماق الذاكرة الشعبية من أحقاد دينية وعرقية توارثتها الأجيال جيلًا بعد آخر. ويستدل على ذلك بأن ألبان كوسوفا لا يزيدون على كونهم شعبًا مستنفرًا سياسيًّا دون أن يكون للدين أدنى دور في هذا الاستنفار، فلا وجود بين الألبان لحركة سياسية إسلامية، بل إن أي دور يمكن أن يذكر للدين في الوضع السياسي الحالي يظهر في الجانب الأرثوذكسي؛ حيث يستغل الدين بشكل مستمر لتبرير الدفاع عما يسمى المصالح الصربية المقدسة، ومع ذلك فلا يعدو ذلك نموذجًا لاستنفار الدين والتلاعب به لتحقيق أغراض أيديولوجية. 

أما فيما يتعلق بما يثار حول وجود تاريخ طويل من الصراع العرقي في الإقليم، فرغم أن كوسوفا شهدت الكثير من المعارك عبر العصور، فإن أيًّا من هذه المعارك لم تنشب حتى مائة عام مضت بسبب نزاع عرقي بين الألبان والصرب، ولا أدل على ذلك من أن معركة كوسوفا الشهيرة عام ۱۳۸۹م شهدت تحالفًا بين الألبان والصرب في كل واحد من الطرفين المتعاركين، فبعضهم قاتل تحت راية الأمير لازار، وبعضهم قاتل تحت راية السلطان العثماني.

تحالف الصرب والألبان

وحينما غزا الجيش النمساوي كوسوفا بعد ثلاثمائة عام، ثار تحالف بين الصرب والألبان أرثوذكس ومسلمون ضد السلطان العثماني تعاطفًا مع القوة الغازية أملًا في التخلص من الحكم العثماني، وتكرر الأمر عام ١٧٣٧م حينما تفجرت ثورة داخلية دعمًا لغزو نمساوي آخر. وقادت الثورة مجموعة من الألبان والسلاف انحدرت من الجبال الواقعة في المناطق الشمالية لألبانيا والجبل الأسود، وذلك أن القبائل الجبلية من السلاف والألبان درجت على التعاون والتزاوج فيما بينها، بل ويوجد في تراثها أساطير تتحدث حول وحدة الأصل السلالي للفئتين، بل يزعم بعض علماء الأنثروبولوجيا أن الفروق العرقية بين الصرب والألبان في إقليم كوسوفا - ولقرون متباعدة - لم تكن في يوم من الأيام واضحة المعالم، فقد حدث اندماج عرقي ولغوي في الاتجاهين، وسادت في الإقليم أنماط من السلوك المشترك لدرجة أن المستعمرين الصرب الذين وصلوا كوسوفا في العشرينيات من هذا القرن كانوا يشعرون بالغربة تجاه الصرب المحليين بنفس الدرجة التي كانوا يشعرونها تجاه الألبان. 

يمكن تقصي جذور الصراع الحالي في كوسوفا إلى الأيديولوجية الصربية التي تبلورت في القرن التاسع عشر، والتي نسجت أسطورة حول معركة كوسوفا (عام ۱۳۸۹م) وصاغت لها خطابًا قوميًّا صورها على أنها أهم حدث تاريخي ومعنوي تحددت بموجبه الهوية القومية للصرب، ولا يمكن بحال عزل هذا التطور عن سلسلة التحولات المتسارعة التي شهدتها القارة الأوروبية في ذلك الوقت، والتي صاحبها صعود النزعات القومية، كما كان لعمليات الإبعاد الجماعي التي تعرض لها الألبان وغيرهم من المسلمين الآخرين من المناطق التي غزتها صربيا والجبل الأسود بين عامي ۱۸۷۷-١٨٧٨م دور في إقناع ألبان كوسوفا أن صربيا-وكذلك صرب كوسوفا الذين صوروا على أنهم الشق المحرر من الشعب الصربي - يشكلون خطرًا يتهدد وجودهم. لقد اعتبر الألبان سيطرة صربيا والجبل الأسود وإعادة فرضها عليهم من قبل يوغسلافيا عام (۱۹۱۸م) استعمارًا أجنبيًّا مماثلًا للحكم الذي فرض بالقوة على الشعوب الأخرى التي غزتها واستعمرتها القوى الأوروبية المسيحية، فكما فعل الفرنسيون في الجزائر والروس في الشيشان عمد الصرب إلى تنفيذ برنامج استيطاني استمر طوال فترة ما بعد الحربين العالميتين جلبوا بموجبه المستوطنين الصرب إلى كوسوفا. 

ولعل من المفيد لفهم جذور الصراع في كوسوفا التأمل في المذكرة التي أرسلتها بلجراد إلى القوى الكبرى في مطلع عام ۱۹۱۳ م، وحددت بموجبها المبررات الثلاثة لفرض الحكم الصربي على كوسوفا، وهي الحق المعنوي للشعب الأكثر تحضرًا، والحق التاريخي في منطقة تحتوي على مباني بطريركية الكنيسة الصربية الأرثوذكسية، والتي – بزعمهم- كانت جزءًا من الإمبراطورية الصربية التي سادت في العصور الوسطى، والحق العرقي القائم على الزعم بأن الإقليم كان في الماضي السحيق مأهولًا من قبل أغلبية صربية يفترض أنها تلاشت بسبب الغزو الألباني للإقليم لاحقًا.

الحق المعنوي

يلاحظ هنا أن ما يسمى الحق المعنوي للشعب الأكثر تحضرًا، هو الحجة التي لجأ إليها معظم القوى الاستعمارية في القرنين الثامن والتاسع عشر لاستعمار ونهب شعوب الأرض في كل من آسيا، وإفريقيا، وأستراليا، والأميركتين، وهي حجة أقبح من ذنب؛ لأنها كشفت عن همجية القوى المستعمرة التي ادعت التحضر، ولعل ما يقوم به الصرب اليوم دليل صارخ على مدى تحضرهم. 

كما يلاحظ في هذا السياق أن القوميين الصرب نهجوا نفس المسلك التبريري الذي سلكه القوميون اليهود «كما تعبر عن أفكارهم الحركة الصهيونية» لإضفاء شرعية دينية على أيديولوجيتهم حينما ادعوا أن كوسوفا هي قدس الصرب، مع أن هذا الادعاء تكذبه حقيقة أنه لا يوجد «مكان مقدس»، في أي شكل من أشكال المسيحية - بما في ذلك الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية - يقوم بأي دور عقائدي مشابه لما تحتله القدس من موقع في العقيدة اليهودية، يضاف إلى ذلك أن كرسي الكنيسة الصربية الأرثوذكسية لم يتأسس في كوسوفا، وإنما انتقل إليها بعد أن أحرق في موقعه الأصلي في وسط صربيا، كما يكذب المزاعم الصربية أيضًا عدم ثبوت استمرارية تاريخية للبطريركية كمؤسسة، فبعد أن ظلت ميتة لأكثر من ١٥٤ عامًا أعادت الدولة اليوغسلافية إحياءها عام ۱۹۲۰م، وظلت منذ ذلك الوقت تتخذ من بلجراد مقرًا لها. 

ثمة ما يشير إلى أن الأزمة الحالية في كوسوفا على رغم ما تقدم  هي من صنع لاعب وحيد هو رئيس صربيا سلوبودان ميلوسوفيتش، والمثير في الأمر أن ميلوسوفيتش على رغم رفعه للراية الصربية وارتدائه عباءة الأرثوذكسية ليس صربيًّا وليس متدينًا، وهذا ما دفع البعض إلى البحث عن إجابات لألغاز تطورات البلقان خلال العقد الأخير في تاريخ ونفسية هذا الدكتاتور الذي وصل إلى السلطة في بلجراد عام ۱۹۸۷م. حتى ذلك التاريخ كان ميلوسوفيتش مجرد عضو طامح في الحزب الشيوعي اليوغسلافي، تمكن من تسلق سلم السلطة داخل الحزب بفضل نفوذ زوجته وأبيها، يرجح المختصون في الشأن اليوغسلافي أن ميلوسوفيتش ما كان ليحقق نجاحاته الشخصية إثر انحسار الشيوعية وانهيار المعسكر الشرقي لولا تلويحه بكارت القومية الصربية، فبعد أن أصبح رئيسًا لصربيا مباشرة عمد إلى إلغاء الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به إقليم كوسوفا بحجة الانتصار للصرب المقيمين في الإقليم، والذين نسجت حولهم أساطير تتحدث عما تعرضوا له من اضطهاد ومظالم من قبل العثمانيين أولًا، ثم من قبل الألبان، وهي أساطير يكذبها التوثيق التاريخي. 

كفرعون مصر، وهتلر ألمانيا وسواهما من المستبدين في زمننا وفي غابر الأزمان، إن ما يحكم تصرفات ميلوسوفيتش وما يقرر مصير الأمة الصربية التي نصب نفسه زعيمًا قوميًّا ودينيًّا لها هو جنون العظمة والطمع والحماقة، مثله مثل غيره من الطغاة احتاج ميلوسوفيتش إلى ما يضفي الشرعية على جرائمه فوجد ضالته في القومية والدين.

   تحرك أطلسي مقابل جمود إسلامي

دفعت مشاعر العداء الكاسحة لأمريكا في العالم الإسلامي كثيرًا من المسلمين إلى التشكيك في دوافع العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية باسم حلف شمال الأطلسي «الناتو» ضد صربيا، بل إن بعض الحكومات العربية؛ وخاصة حكومات العراق وليبيا والجزائر - أعلنت عن معارضتها لحملة الناتو وعن تضامنها الكامل مع الصرب، ومن المفارقات أنه وحتى أيام قليلة قبل بدء الغارات الجوية كان العديد من المعلقين العرب والمسلمين ينددون بالغرب - وبالولايات المتحدة بشكل خاص- لما اعتبروه تقاعسًا عن إنقاذ الألبان على الرغم من الإنذارات المتكررة الصادرة عن الأوروبيين والأمريكيين للصرب بأنهم سيعاقبون إن لم يوقعوا على اتفاق رامبوييه الذي وافق عليه الألبان، وتكررت الإشارة إلى أن التقاعس الغربي مبعثه بالدرجة الأولى أن الضحايا هم من المسلمين، وبأنهم لو كانوا غير ذلك لما تأخر الغرب لحظة واحدة عن التدخل لإسعافهم، وبعد أن بدأت الحرب ذهب البعض نحو تحميل تحالف الناتو المسؤولية عن المأساة؛ لأنها - بنظرهم - دفعت الصرب نحو التوحش، وحفزتهم على تهجير ألبان كوسوفا وتدمير بيوتهم وقتل واغتصاب المئات منهم، فعلى رغم أن حملات التطهير العرقي ضد الألبان استبقت بدء القصف الجوي، إلا أن المآسي التي نقلت وسائل الإعلام المرئية صورًا مريعة منها إلى الملايين من سكان المعمورة؛ حيرت المراقبين، وجعلت المتشككين منهم يتساءلون عن نوايا الناتو وأهدافه. 

ومع ذلك، فإن النظرة المتأملة فيما جرى حتى الآن تدل على وجود عدد من الاعتبارات تشكل في مجملها محفزًا لدى التحالف الغربي للتحرك ضد صربيا، ومع أن الاعتبار الإنساني داخل في هذه التشكيلة إلا أنه بالتأكيد ليس الاعتبار الأول على رغم أهميته، فمع أن صناع القرار في الغرب هم بشر، ويشعرون بما يشعر به غيرهم من تعاطف وغضب، إلا أن المصالح لا العواطف هي التي تملي السياسة، ومع ذلك، فإن من شأن الاعتبارات الإنسانية- وخاصة إذا ما تصادفت مع وجود مشاعر تعاطف شعبي عارمة - أن تسهل تبني إجراء معين قد يتعسر تبنيه في ظروف مغايرة وغير مواتية، ولابد هنا من التذكير بأنه ليس سهلًا على أي تحالف غربي في زمننا هذا أن يتخذ قرارًا بقصف وتدمير البنية التحتية لبلد أوروبي بالشكل الذي عهدناه عبر الأسابيع الماضية، ولكن الإجراءات التي بادر باتخاذها سلوبودان ميلوسوفيتش يسرت على حلف الناتو ما كان عسيرًا، وذلك أن هذا المستبد الطاغية قد أثبت بما لا مجال للشك معه أنه مصدر تهديد للاستقرار في أوروبا، وبالتالي للمصالح الأمريكية فيها، فتوجهاته القومية المتطرفة- وخاصة ما كان يبيته لإقليم كوسوفا والأغلبية الألبانية فيه - كان يمكن أن تورط القارة الأوروبية بأسرها في صراعات لا نهاية لها، وكان يمكن لعدة دول - منها على الأقل ألبانيا واليونان وتركيا وربما إيطاليا - أن تزج في حروب طاحنة ستجر إليها كافة دول المنطقة ما لم يتم ضبط ميلوسوفيتش ووضع حد لمغامراته. إذن إن الحفاظ على الاستقرار والتوازن والإبقاء على تماسك حلف الأطلسي - وخاصة أن العدوين اللدودين تركيا واليونان عضوان فيه - والتحسب للعواقب الوخيمة لنزوح ما يقرب من مليون نسمة على دول الجوار هي الاعتبارات الأهم في تحرك حلف الأطلسي. 

ولكن هل ستفي الغارات الجوية وحدها بالغرض وتنجز الهدف على رغم الإعلانات المتكررة من قبل الناطقين الرسميين باسم المجموعة الأوروبية وحلف الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية بأن الحملة لن تشتمل على غزو بري، إلا أن المحللين العسكريين والسياسيين باتوا يؤكدون - وخاصة بعد دخول العمليات العسكرية أسبوعها الثاني - أن المعركة لن تحسم في نهاية المطاف إلا بتدخل بري وغزو لإقليم كوسوفا لإخراج القوات الصربية منه وتهيئة الأجواء لعودة المهجرين وتقرير مصير الإقليم وأهله.. ولذلك يتوقع عدد غير قليل من المراقبين أن حلف الناتو سيبادر عاجلًا أو أجلًا إلى اتخاذ قرار بالغزو البري، وخاصة بعد أن أثبت ميلوسوفيتش استعداده لتضحية بكل البنية التحتية لبلاده مقابل إضعاف إرادة الناتو في الاستمرار بعملياته العسكرية أملًا في أن يؤثر في ذلك ما يمكن أن يطرأ على الرأي العام الغربي من تحول لصالح وقف الغارات.. ولكن من المستبعد أن يحدث ذلك في المدى المنظور، وذلك بسبب الكارثة الإنسانية التي صنعها ميلوسوفيتش نفسه، وهي الكارثة التي تستمر وسائل الإعلام بكافة أنواعها في تذكيرنا ببشاعتها صباح مساء. 

في هذه الأثناء، وعلى الرغم من أن معظم ضحايا ميلوسوفيتش هم من المسلمين، إلا أن رد الفعل الإسلامي متسم بالضعف والهوان، فعلى المستوى الحكومي يغلب عجز تام ربما فاقم منه الشعور بأن الولايات المتحدة قد كفتنا مؤنة التحرك، أما على المستوى الشعبي، فهناك شعور عميق بالأسى والحزن وتعاطف جياش يغلفه جميعًا حيرة وارتباك بخصوص ما يمكن أن يفعله الإنسان المسلم. وبخصوص ما خفي من دوافع ونوايا حلف الناتو يخشى كثير من المسلمين ألا تكون في نهاية المطاف لصالح مسلمي كوسوفا. 

    من مصادر الإحباط

ولعل أحد مصادر الإحباط على المستوى الشعبي شعور كثير من الناس بأن التضامن مع البوسنة من قبل جر على المتضامنين ويلات كثيرة، ويصدق ذلك بشكل خاص على من أطلق عليهم «الأفغان العرب» الذين توجه كثيرون منهم بعد أن أبعدتهم السلطات الباكستانية إلى البوسنة وألبانيا ليشاركوا إخوانهم في الدفاع عن المسلمين، ولينهمكوا في أعمال الإغاثة الإنسانية، لقد ذهب كثير من هؤلاء ضحية اتفاق شاركت فيه الولايات المتحدة الأمريكية التي لم ترد لهم أن يمارسوا دورًا ولو على المستوى الإنساني البحت - حتى تخلو لها ساحة العمل وحتى ترضي بعض أصدقائها ممن رأوا في تلك العناصر الأفغانية، خطرًا محدقًا فطالبوا بتسليمها، وهو في الحقيقة خطر موهوم نسجته أدمغة بعض المتنفذين في الأجهزة الأمنية لحاجات متعددة أقلها الرغبة في إشغال الرأي العام، ولكن على رغم حالة العجز العربية والإسلامية؛ فإن بيد العرب والمسلمين - حكومات وشعوبًا - أن يدفعوا باتجاه تمكين الألبان من الدفاع عن أنفسهم، وذلك بالضغط - إن وجدوا لذلك سبيلًا- على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين؛ ليوفروا لجيش تحرير كوسوفا - وهو حركة تحرير وطني - ما يحتاجه من تدريب وتسليح، وليحولوا دون إعاقة نشاطاته، فلا أقل من أن يمكن المعتدى عليهم من صد العدوان ومن حماية أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم، وإذا ظل حلف الناتو مصرًا على عدم الزج بقوات برية في الحرب، فإن جيش تحرير كوسوفا - إذا ما توافر له التدريب والتسليح اللازمان - كفيل بأن ينجز المهمة نيابة عن تحالف الناتو بعد أن تمكن هذا الأخير من إضعاف ميلوسوفيتش وتدمير البنية التحتية لنظامه الفاشستي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل