العنوان وجاء دور الاستعمار اليهودي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
مشاهدات 65
نشر في العدد 1120
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
منذ زمن بعيد
فقدت الأمة العربية والإسلامية منطق الحوار ولغة المناقشة العلمية والفكرية لجوانب
حياتهما العقلية والثقافية والاجتماعية، وعاش الناس حياة جنائزية بإيقاع كئيب
متثاقل خامل وكأنهم يستعدون لموت ذهني وعقلي وفكري مدمر، وكان طبيعيًا أن تجهض
العزائم، وتخبو الطاقات، وتترهل القوى الفاعلة في الأمة، ولذلك أسبابه الكثيرة
التي تسببت في خنوع الأمة وقابليتها للاستعمار ورزوحها تحت وطأته، وقد أخذ
الاستعمار أشكالًا متعددة وتلون بألوان مختلفة: عسكري وثقافي، واليوم يأتي
الاستعمار الاقتصادي ليضيف نوعًا جديدًا من أنواع الاستعمار والقهر والاستعباد.
وتستعد إسرائيل هذه الأيام لتأخذ دورها في استعمار الأمة العربية استعمارًا
اقتصاديًّا تحت مظلة السوق الشرق أوسطية، تلك الفكرة الجديدة التي تطبخ في مراكز
الأبحاث المتخصصة ومراكز صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، ويجري
الترويج لها على نطاق واسع على الصعيدين الفكري والسياسي في المنطقة العربية بهدف
تسويق تلك المفاهيم والمخططات الإستراتيجية الجديدة بطبعات وعبوات محلية الصنع
والإخراج، ولهذا انطلقت ألسنة لكهنة الشرق المنكوب تترنم وتتغنى بهذه السوق؛
فيتحدث يوسف والي -نائب رئيس وزراء مصر- عن أهمية وضرورة قيام سوق شرق أوسطية
كتكتل اقتصادي كبير في منطقة الشرق الأوسط، مرددًا بذلك قول شمعون بيريز: لابد لنا
من قيام سوق شرق أوسطية على أساس من المياه والسياحة والنفط والأيدي العاملة، ثم
يوضح ذلك فيقول إن المعادلة التي تحكم الشرق الأوسط الجديد سوف تكون عناصرها كما
يلي: النفط الخليجي، والمياه التركية، والأيدي العاملة المصرية، والعقول
الإسرائيلية.
يعني أن إسرائيل
هي التي ستقود بعقولها كل ثروات الأمة وتتصرف في مقدراتها عن طيب خاطر من الأمة
المسكينة، وبمعاهدات لا يمكن الفكاك منها، وبنظرة سريعة إلى بنود تلك الشراكة في
تلك السوق نجدها تتمثل في مشروعات للربط الإقليمي والسيطرة الاقتصادية على جميع
الموارد الحيوية في الأمة، وربط شرايين الحياة الاقتصادية العربية: المياه والنفط
والسياحة والثقافة، بالاقتصاد الإسرائيلي، ووضع تلك الأمور على طاولة المفاوضات
العربية في مقابل الانسحاب من بعض الأراضي العربية، يتمثل ذلك فيما يلي:
1- في مجال
الطاقة: تتولى إسرائيل تصدير النفط ونقله عبر أراضيها لتخلق مصالح مشتركة بين تلك
الدول النفطية.
2- في مجال
السياحة: فتح الحدود بين مصر وإسرائيل والأردن، وربط السواحل عبر طابا وساحل
المرجان وإيلات إلى الساحل الأردني.
3- في مجال
الزراعة: يأمل الإسرائيليون في تقديم المشورة الفنية للبلاد العربية في مجال
استزراع المناطق الصحراوية وإنشاء مزارع نموذجية في قلب البلاد العربية والسيطرة
على المنتجات وتصديرها.
4- في مجال
البنية التحتية: يأمل الإسرائيليون بمد شبكة من الخطوط السريعة ومد خطوط حديدية
للربط بين إسرائيل وبلدان الشرق الأوسط وتوصيل شبكات الكهرباء حتى تتمكن من اختراق
البنية العربية والاجتماعية.
5- مشاريع
المياه: التي تود إسرائيل السيطرة عليها لأنها شرايين الحياة الاقتصادية، ولأن
إسرائيل تعيش في ندرة مائية تسبب لها المشاكل فتود حلها على حساب غيرها.
6- تحويل
الجولان: إلى أرض مستغلة بدلاً من أرض محتلة، حيث يتم تأجير أرض الجولان لشركات
استثمارية دولية على أن يكون العائد لسوريا وإسرائيل تحت مسمى تصنيع الجولان وخلق
مصالح مشتركة بين "سوريا وإسرائيل".
7- إنشاء ما
يسمى بالبنك الإقليمي للشرق الأوسط: لامتصاص الأموال العربية والخليجية لتمويل
المشروعات حتى يكون المال العربي تحت تصرف إسرائيل، على أن يفرض على البترول
العربي دولار واحد من سعر كل برميل لأغراض تطوير المنطقة، والمراد بالمنطقة مصالح
إسرائيل.
8- إنشاء جامعة
شرق أوسطية في مصر: وتحت رعاية إسرائيل، لتخريج جيل معين يصاغ بمقاييس معينة لخدمة
أهداف معينة في فروع وتخصصات تربط المنطقة بجامعات إسرائيل وأمريكا وأوروبا
بالتوجهات الشرق أوسطية الجديدة... إلخ.
ولكن وبعد هذا
التوجه من سيسيطر على من؟ ومن سيوظف من لأغراضه وتوجهاته؟ وهل هناك توازن بين
المصالح والتوجهات أم أن هناك طرفًا قاهرًا ومتحفزًا وجاهزًا للاستغلال والسيطرة
وهو إسرائيل بتقنياتها وخبراتها وتفوقها العسكري والتكنولوجي والنووي وأخطبوطها
العالمي، وطرفًا آخر محطمًا ومتناحرًا وضائعًا ومستسلمًا؟ ولقد عبر عن هذا شمعون
بيريز بصراحة في البرلمان الأوروبي حين قال: إن على العرب أن يفاضلوا بين كابوسين؛
الكابوس الأول هو بقاء الاحتلال "الإسرائيلي"، والكابوس الثاني هو
السلام وما يتضمنه من تنازلات وحلول تشبه عملية بتر جراحية؛ أي عليهم أن يفاضلوا
بين احتلال لبعض الأراضي أو استعمار لكل المنطقة، فماذا نختار إذن؟ وهل يجرؤ أن
يقول أحد بعد اليوم إننا أحرار؟
لا تصغ يا ولدي
إلى ما لفقوه ورددوه
من أنهم قاموا
إلى الوطن السليب فحرروه
لو كان حقًا ذاك
ما جاروا عليه وكبلوه
ولما رموا بالحر
في كهف العذاب ليقتلوه
ولما مشوا للحق
في وهج السلاح فأخرسوه
هذا الذي كتبوه
مسموم المذاق
لم يبق مسموعًا
سوى صوت النفاق
صوت الذين
يقدسون الفرد من دون الإله
ويسبحون بحمده
ويقدمون له الصلاة