العنوان وثيقة إدانة لعهد الناصرية.. مؤامرة للتصفية الجسدية.. (الجزء الثاني)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1978
مشاهدات 70
نشر في العدد 419
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 07-نوفمبر-1978
يقول المؤلف إن الإخوان المسلمين قد تعرضوا لثلاث مذابح رهيبة خلال الفترة من ٥٤ حتى ١٩٦٥، ولكن أشدها ضراوة، وأكثرها سفكًا هي المذبحة التي تعرضت لها الجماعة عام ١٩٥٧، ويصف الكتاب هول ما حدث في مذبحة المذابح في ليمان طرة- يوم السبت 3 ذو القعدة ١٣٧٦ ه أول يونية ١٩٥٧ ميلادية.. إن قلب المؤمن دائمًا دليله فالإحساس بالمؤامرة التي تدبر للجماعة يطرق أوتار قلوبهم البصيرة..
استيقظنا قبل الفجر كالمعتاد، وبدأنا في الاستعداد لصلاة الفجر داخل الحجرات، بدأ قرآن الفجر يسمع أثناء الصلاة، وكانت جميع الدلائل تشير إلى أن هناك مؤامرة تدبر للتنكيل بنا، وكأنهم قرروا تغيير أسلوب الموت البطيء الذي كنا نعانيه بأسلوب التصفية الجسدية السريعة من الظواهر- التي سبقت التنفيذ: تهديدات الضباط، تلميحات الشاويشية والسجانين، تحذيرات المسجونين العاديين.. كلها تشير إلى أن هناك مؤامرة لإبادة أكبر عدد من الإخوان في الجبل. أما المؤكدات فهي: قسوة المعاملة التي بلغت الذروة أثناء العمل بالجبل، الألفاظ القاسية، التفتيش المستمر، إهانة الأهالي أثناء الزيارة. و.. و.. بينما التسامح لليهود سجناء فضيحة لافون، والأقباط سجناء اختطاف البابا، والمسجونين العاديين القتلة ومعتادي الإجرام. كما أن مدير الليمان أمر الأطباء بإخراج جميع المرضى من المسجونين السياسيين الإخوان من الملاحظة الطبية، وشاع بين المسجونين أن الغرض من إرغام هؤلاء على العمل أن الأوامر صدرت بقتلهم في الجبل واتهامهم بأنهم حاولوا الهرب
على عتبة الموت
وكان لا بد من مخرج فكان الاعتصام وهو إجراء قانوني معترف به ومعمول به بكل سجون العالم. وجاء رد الفعل محاولة إدارة السجن سلسلة الجماعة لتساق مغللة إلى الجبل. ولكن الإخوان أفشلوا ذلك التدبير فبدأ المسئولون في الاستماع إلى مطالبهم ومنها حضور النيابة، ولم یکن ذلك إلا لكسب الوقت.. فما هي إلا دقائق ثم بدأوا تنفيذ المؤامرة وكانت الخطوة في منتهى البشاعة كتيبة الحراسة بأكملها وبأسلحتها السريعة الطلقات صعدت إلى الدور الثاني الذي تحتنا والدور الرابع الذي فوقنا وبدأ حصارنا، ووقف عشرة من الجنود بفناء الدور الأرضي وبنادقهم موجهة إلى أعلى، وفجأة صدر الأمر من اللواء إسماعيل همت وكيل مصلحة السجون- أضرب فأطلق الجنود الرصاص، وكان هذا هو الأمر المتفق عليه لبدء المذبحة، ورأيت اثنين من الإخوان يسقطان في لحظات الشهيد السيد العزب صوان والشهيد عصمت عزت عثمان.
ويحتمي باقي الجماعة داخل الزنزانات ولكن- ساد صمت رهيب وكنا بين لحظة وأخرى نستمع باب زنزانة يفتح ثم صراخ وبعض طلقات، وجاء الدور علينا وفتح باب الزنزانة ورأيت النقيب عبد اللطيف رشدي وبیده مسدسه، ومعه عدد من السجانة وبعض جنود الكتيبة ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أخرج من الزنزانة منفلتا من جواره وأجري نحو السلم، وسمعت صوت طلقة وأحسست بدماء تسيل على وجهي واعترضني بالممر السجان متى- وبيده شومة غليظة، وبدأ يهوي بها على رأسي بالمكان الذي أصابتني فيه رصاصة طائشة، وهويت إلى الأرض وأحسست بأنني أهوي بسرعة مذهلة في بئر لا قرار له.. لونه أحمر بلون الدم.. ثم يروي المؤلف خطر الموت الذي استقبله به الشاويشية في المستشفى وكيف نجا بأعجوبة.. إلى أن جاءت النيابة للتحقيق في المذبحة.. وأي تحقيق..
العدالة في إجازة
كان الشعب المصري يلتقط المعلومات عن أي محاكمة مما تنشره الصحافة وأجهزة الإعلام المفروضة عليها الرقابة، وهكذا تنشر محاضر تحقيق وتصريحات للنيابة، وكانت ذات تأثير كبير على الرأي العام الداخلي لفرط ثقته في نظامه وقياداته وهكذا تنطوي الأيام والمظلومون قد أصبحوا في نظر الجميع مجرمين يستحقون استنزال أشد العقاب..
والنيابة- هنا بلا شك قد ضلت أو ضللت قسرا من قبل النظام مما ألجأها إلى التلفيق والفبركة أو حفظ قضايا الضحايا والأبرياء، وهي الفترة التي وصفت بعد ذلك- في مصر بأن القانون في إجازة-..
ويمضي الكتاب ليقدم أبعاد تلك المهزلة.. يقول المؤلف:- أخذت إلى إحدى حجرات المستشفى ووجدت وكيل النيابة وأحد ضباط المباحث العامة وأحد ضباط السجن وكاتب التحقيق وكانوا يسمعون كلامي بكل هدوء وهم يشربون المثلجات، كأنهم في نزهة من نزهات آخر الأسبوع وليس لديهم أدنى فكرة أنه يقتلنا فكأنما قتل هذا الشعب بأسره..
ثم يبين لنا الأساليب التي اتبعت لتضليل النيابة وصدرت أوامر بنقل الجثث خارج الزنزانات، ولكن عندما جاءت النيابة وجدت الدماء على جدران الزنزانات في الداخل مما يؤكد أن عملية القتل حدثت والمسجونون داخل زنزاناتهم-.
وتتطور المهزلة- وأرادت إدارة الليمان والمباحث أن تصور المذبحة للنيابة على أنها خناقة بين الإخوان وبعضهم بالسكاكين والمدى لذا بدأوا في توسيع مكان الطلقة في صدور الشهداء بالمدى وتوصيل كل طلقتين ببعضها. ولما لم يكن هذا التفكير مستساغا أمام وكلاء النيابة قالوا:
إن الإخوان هم الذين اعتدوا على الحراس. ولما لم يجدوا حارسا واحدا مصابا غيروا وكلاء النيابة بآخرين وحفظوا التحقيق.. مهزلة وأي مهزلة.. ولعل هذا ما حاول الرئيس السادات أن يتجنبه في عهده، ونادى بسيادة القانون.
حصاد المذبحة
...إن المذبحة التي تعرضت لها هذه الجماعة يسجل لنا الكاتب حصادها قائلا- وفي أقل من ساعة تم كل شيء من قتل قتل، ومن جرح جرح، ومن بقي حيا بقي حيا وكان حصاد المذبحة ۲۱ قتيلا و٢٢ جريحا و١٤ فقدوا عقولهم.
وفي اليوم الثاني من الحادث خرج من- ليمان طرة- ۲۱ نعشا في جنح الظلام، تحت حراسة مشددة، كل شهيد إلى قرينه أو بلده.. ليدفن ليلا بحضور أحد أقاربه، وبقيت المقابر في حراسة لا يقترب منها أحد..
الرأس الكبير وراء المذبحة
وفي الكتاب يؤكد شهود العيان على الرأس المدبر والكبير وراء المذبحة، فحين تقرر نقل الإخوان- عقب المذبحة- إلى سجن القناطر الخيرية يصف الكاتب هذه المرحلة: فسارت السيارات إلى سجن القناطر، وكانت الساعة الثانية والنصف صباحا فوجدنا في انتظارنا مدير عام مصلحة السجون، وقد روى بعض الإخوان أنهم قد رأوا زكريا محيي الدين وزير الداخلية والمسئول عن المذبحة، وقال البعض إن زكريا محيي الدين كان يمسك خيزرانة – يضرب بها الإخوان..
لجنة للقضاء على تفكير الإخوان
ولعل من أهم ما جاء بالكتاب هو أنه أورد تقرير اللجنة المؤلفة برئاسة السيد زكريا محيي الدين رئيس الوزراء بشأن القضاء على تفكير الإخوان المسلمين: ونقتطف بعض ما جاء في هذا التقرير أفضل الطرق التي يجب استعمالها لمكافحة الإخوان المسلمين بالمخابرات والمباحث العامة لبلوغ هدفين.
- غسل مخ الإخوان المسلمين من أفكارهم.
- منع عدوى أفكارهم من الانتقال إلى غيرهم.
اجتمعت اللجنة المشكلة من: سيادة رئيس مجلس الوزراء- السيد قائد المخابرات العامة- السيد قائد المباحث الجنائية العسكرية السيد مدير المباحث العامة- السيد مدير مكتب السيد المشير عبد الحكيم عامر وذلك في مبنى المخابرات العامة بكوبري القبة.
وبعد عشرة اجتماعات متتالية ودراسة للتقارير والبيانات توصلوا للتالي:
- تبين أن تدريس التاريخ الإسلامي في المدارس للنشء بحالته القديمة يربط الدين بالسياسة في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر مما يؤدي إلى ظهور معتنقي الأفكار الإخوانية
- صعوبة بل استحالة التمييز بين أصحاب الميول والنزعات الدينية وبين معتنقي الأفكار الإخوانية وبسهولة فجائية تتحول الفئة الأولى إلى الثانية بتطرف كبير.
- هناك توافق روحي وتقارب فكري وسلوكي يجمع بين كل منهم حتى ولو لم تكن هناك صلة بينهم.
- تزعمهم حروب العصابات في فلسطين سنة ١٩٤٨، والقناة ١٩٥١ رتب أفكار الناس أنهم أصحاب بطولات وطنية مالية وليست دعائية فقط وأن الأطماع الإسرائيلية والاستعمارية والشيوعية في المنطقة لا تخفي أغراضها في القضاء عليهم.. وبناء على ذلك رأت اللجنة أن الجدير في المكافحة يجب أن يشمل أساسا بندين متداخلين هما:
- محور فكرة ارتباط السياسة بالدين.
- إبادة تدريجية بطيئة مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم فعلا من معتنقي الفكرة ويستمر التقرير في تلخيص أسلوبه في تنفيذ الهدفين. أولا اتباع سياسة وقائية عامة مثل:
- تغيير مناهج تدريس التاريخ الإسلامي.
- تحريم قبول الإخوان وأقاربهم حتى الدرجة الثالثة في الانخراط في السلك العسكري أو البوليس أو المراكز السياسية مع عزل الموجود من هؤلاء
- عزل المتدينين عموما من أي تنظيم أو اتحاد حكومي وشعبي أو اجتماعي أو طلابي أو عمالي أو إعلامي
- إعطاء الفرصة للشيوعيين المحاربة المتدينين في أفكارهم ومعتقداتهم.
- تشويش الفكرة الرائجة عن نشاط الإخوان في حروب فلسطين والقناة.
- التلميح والتصريح على اتصال الإنجليز بالهضيبي وقيادة الإخوان حتى يمكن غرس فكرة عن الجميع أنهم عملاء.
- الاستمرار في سياسة محاولة الإيقاع بين الإخوان المسلمين في الخارج وبين الحكومات المختلفة ليسهل محاصرتهم بالخارج أيضا. ثانيا- استئصال السرطان الموجود الآن ويتبع على مرحلتين الأولى:
- إدخالهم في سلسلة من المتاعب على أموالهم وممتلكاتهم، ويتبع ذلك اعتقالهم. وتؤدى هذه المرحلة بالنسبة لنسائهم سواء كن زوجات أو بنات فسوف يتحررن ويتعرضن لغياب عائلهن وحاجتهن المالية إلى انزلاقهن ويتوقف تعليم الأولاد، ويتجهون إلى الحرف، وبالتالي يخلو جيل المتعلمين القادم منهم.
والمرحلة الثانية.
إعدام كل من ينظر إليه منهم كداعية ومن تظهر عليه الصلابة أعدم عبد القادر عودة- والسيد قطب وغيرهما- داخل السجون أو المعتقلات أو بالمحاكمة..
إلى آخر ما جاء بالتقرير الذي رفع من اللجنة إلى السيد الرئيس جمال عبد الناصر ووقع عليه بالموافقة.
ويبقى.. الله أكبر ولله الحمد
لقد استطاع مصطفى المصيلحي بكتاب المذبحة- أن يرصد الكثير من الحقائق وأن يكشف عن خفايا النظام الذي شيد داخل الدولة، وجعل هدفه الكبير هدم جماعة تقول الله أكبر ولله الحمد.. وإذا بالنظام تدول دولته ويخرج المصيلحي وزملاؤه ليرددوا- دائما بصوت جهوري وعقيرة صافية ومن صدر نقي: الله أكبر ولله الحمد.. ولقد اختتم المؤلف كتابه بقوله: ولتكن هذه الوقائع بمثابة بلاغ أتقدم به للجميع لفتح ملف هذه القضية التي دفنت النيابة العامة مستندات التحقيق فيها، تماما کأجساد الشهداء الطاهرة البريئة التي دفنت، وكل جريمة أصحابها أن قالوا ربنا الله..
انتهى
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل