; وثيقة جنيف.. نكبة جديدة في مسلسل التنازلات | مجلة المجتمع

العنوان وثيقة جنيف.. نكبة جديدة في مسلسل التنازلات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003

مشاهدات 0

نشر في العدد 1579

نشر في الصفحة 9

السبت 06-ديسمبر-2003

وثيقة جنيف.. نكبة جديدة في مسلسل التنازلات

في الوقت الذي تواصل فيه الآلة العسكرية الصهيونية حربها الوحشية ضد الشعب الفلسطيني قتلًا وتدميرًا وتشريدًا وحصارًا قام وفد فلسطيني بقيادة شخصيات من السلطة الفلسطينية بالتوقيع مع وفد من حزب العمل الصهيوني يوم نیف الاثنين الماضي في سويس على ما يسمى ب «وثيقة جنيف» وذلك بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر راعي اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني. ورغم أن تلك الوثيقة قد خرجت إلى الساحة السياسية الدولية بصورة غير رسمية إذ وقعها من الطرفين شخصيات ليست في مركز صنع القرار إلا أنها تشق طريقها بقوة على الساحة لتكون أسسًا للتوصل إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية، وهو أن حدث على أساسها فسيكون بمثابة نكبة كبرى على الشعب الفلسطيني لاتقل خطورة عن وعد بلفور المشؤوم ونكبة عام (١٩٤٨). ونحن أمام هذه الخطوة الأستسلامية الجديدة من طرف. السلطة الفلسطينية نتوقف بالتحليل للتأكيد على ما يلي:

 أولًا:- إنه منذ بدات محنة الشعب الفلسطيني على يد الصهيونية العالمية وقوى الأستعمار العالمي في بدايات القرن الماضي يلاحظ المراقب لتطورات مسيرة تلك القضية أنه كلما أصبح الشعب الفلسطيني المجاهد قاب قوسين أو أدنى من حسم الصراع لصالحه عبر الجهاد والمقاومة ضد العدو التفت عليه قوى الصهيونية بدعم من قوى الأستعمار العالمي عبر طرح مشاريع الهدنة وإتفاقيات السلام ومشاريع النسوية، وقد وجدوا لهم في الطرف العربي دائمًا إذنابًا يروجون لتلك المشاريع ويتبنون الإتفاقيات ويروجون لها على أساس أنها ستحل القضية حلاً سلميًا وتكون النتيجة دائمًا تحقيق مكاسب للطرف الصهيوني مقابل تنازلات تلو التنازلات من الطرف العربي المنخدع بالسلام. ويشهد التاريخ على صدق ما نقول، فعندما فجر الشعب الفلسطيني ثورته الكبرى عام ( ١٩٣٦) وكادت تكسر المشروع الصهيوني ألتفوا عليه بإتفاق مع بعض القادة العرب الذين وجهوا نداء للشعب الفلسطيني وتدخلوا لوقف تلك الثورة ضامنين تحقيق الحقوق المشروعة وتوقفت الثورة ولم يحصل الشعب الفلسطيني على شيء من حقوقه. وفي بدايات حرب عام(١٩٤٨) عندما كاد المجاهدون أن يلحقوا الهزيمة بالعصابات الصهيونية ضغطت بريطانيا على الطرف العربي لقبول الهدنة، فقبلوها وتم فك حصار المجاهدين عن (120) ألف صهيوني في القدس كادوا يموتون عطشًا وجوعًا وكاد ميزان الصراع يميل لصالح الطرف العربي فيما سماه مناحم بيجين في مذكراته بالفضيحة الكبرى، لكن بقبول الهدنة رجح الميزان لصالح الطرف الصهيوني ليلحق هزيمة بالجيوش العربية ويفرض سيطرته على معظم الأراضي الفلسطينية. وعندما تفجرت الانتفاضة المباركة عام (1987) التفوا عليها بإتفاقيات أوسلو، ثم التفوا على إنتفاضة الأقصى الحالية بمشاريع تينيت وخارطة الطريق، وغيرها أملا في وادها. وفي كل مرة كانت المكاسب لصالح الطرف الصهيوني بينما لم يحصل الطرف الفلسطيني المهرول نحو المفاوضات والصلح على شيء والواقع الماثل أمامنا على الأراضي الفلسطينية يشهد بذلك. وإن كان الحال هكذا فلماذا تتكالب السلطة الفلسطينية على توقيع إتفاقيات جديدة ولماذا تنبطح كل هذا الانبطاح عند إقدام العدو مقدمة المزيد من التنازلات وهي تعلم أنها لن تحصل على شيء؟

ثانيًا:- إن هذه الوثيقة وإن كان يجري الترويج لها على أنها من فعل أطراف خارج دائرة القرار في الكيان الصهيوني وشخصيات من السلطة أي أنها نتاج إجتهاد شخصي غير ملزم للحكومة الصهيونية والسلطة إلا أن التدابير المحيطة بها والسنة الدخان المتطايرة منها تؤكد أنها طبخة صهيونية مسمومة تم إعدادها بمكر ودهاء وطرحها على الطاولة في ظروف دولية وإقليمية مواتية للطرف الصهيوني من جانب وضاغطة على الطرف الفلسطيني من جانب آخر. فبينما شارون يواصل إبادة الشعب الفلسطيني يتقدم حزب العمل الصهيوني. وتاريخه ليس أقل إجرامًا من شارون. بتلك الوثيقة كحيل خلاص للشعب الفلسطيني من جحيم شارون ويتقدم مدمنو التنازلات من قيادات السلطة للتوقيع والموافقة مصورين الأمر على أنه فرصة نادرة إذا لم يتم قبولها فسيكون الطوفان وتقف من خلفهم وتدعمهم أطرافًا عربية أدمنت الهرولة وأوغلت في طريق الاستسلام.

ثالثًا:- لقد وقع الطرف الفلسطيني في هذه الوثيقة على تنازلات غاية في الخطورة وتمثل نكبة أخطر من وعد بلفور إذ تنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من ديارهم منذ عام (١٩٤٨) والذين يبلغ تعدادهم ما يقرب من أربعة ملايين لاجئ، كما تنازل الطرف الفلسطني عن حائط البراق. المسمى زورًا بحائط المبك. للصهاينة وهو جزء أصيل من المسجد الأقصى الشريف وأقر بمشاركة صهيونية في إدارة مدينة القدس ووافق على أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وكل تلك التنازلات رفضها نفس المفاوض الفلسطيني في مفاوضات وأي ريفر برعاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. فما الذي أستجد اليوم حتى يذعنون لقبولها بهذه الطريقة المخزية.

 رابعاً:- إذا كانت السلطة الفلسطينية تدفع قيادات منها للتوقيع على مثل تلك الوثيقة الخطيرة التي إن تحققت فإن من شانها إغلاق ملف القضية الفلسطينية وإهدار حقوق مصيرية وتاريخية للشعب الفلسطيني وذلك دون علم القوى السياسية الفلسطينية الأخرى بل ومن خلف ظهورها في الوقت الذي تدعى فيه حرصها على مواصلة الحوار مع كل القوى الفلسطينية الأخرى. فماذا تكون جدوى الحوار إذا ومن أجل أي شيء يكون إن كانت السلطة تنفرد بتقرير مصير القضية وحدها. ولا يضيف ذلك رصيدًا جديدًا إلى سجل السلطة المتخم بانعدام المصداقية وهكذا جاء التوقيع على وثيقة جنيف كحلقة جديدة في مسلسل التنازلات من الطرف الفلسطيني لصالح الطرف الصهيوني وهو إن أحدث غصة في النفس إلا أن الأمل يبقى دائمًا في جموع الشعب الفلسطيني التي عبرت عن رفضها لتلك الوثيقة وجموع القوى السياسية الفلسطينية وفي القلب منها الحركة الإسلامية التي أدانت تلك التنازلات مؤكدة على مواصلة خيار المقاومة والجهاد والأستشهاد حتى تتحرر الأرض وتسترد الحقوق كاملة، وذلك هو الطريق السديد والسبيل الأقوم لإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني وقد يكون ذلك الطريق طويلًا ومليئًا بالتضحيات ولكنه الموصل حتمًا إلى نصر الله ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج:آية 40)

الرابط المختصر :