العنوان وتأسست دولة الإسلام.. في موسم الحج
الكاتب عبد القادر أحمد عبد القادر
تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004
مشاهدات 86
نشر في العدد 1586
نشر في الصفحة 54
السبت 24-يناير-2004
■ في هذا الموسم.. لم ينشغل النبي ﷺ بمهرجان الشرك حول الكعبة.. بل بالعمل الذي قرب ساعة النهاية لذلك المهرجان.
■ للحج دور عظيم في إعادة بناء الأمة.. كما كان له الدور الأعظم في التأسيس الأول لها.
■ وهو ميدان التربية الأصعب.. إنه يشبه أعمال الجهاد في الميادين الوعرة.
هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي، «رواه أبوداود». هكذا سار النبي ﷺ بين الحجاج المشركين، يرفع صوته في مجامعهم.. فإذا ببعض هؤلاء الحجاج يصغي إلى صاحب الدعوة الجديدة، وإذا به يتابع خطابه الدعوي: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به...
في موسم الحج في السنة الحادية عشرة للبعثة عرض النبي ﷺ نفسه ودعوته على جماعة من الخزرج قيل ستة، وقيل ثمانية عند العقبة فتذكروا ما كان يقوله اليهود: إن نبيًا مبعوثًا، الآن قد أهل زمانه سنتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم نظر بعض الخزرج إلى بعض، وتحادثوا تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به يهود فلا يسبقنكم إليه، وتخاطبت العيون، وتهامست الأفواه، ثم أجابوا النبي ﷺ: إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم ما بينهم من العداوة والشر فعسى أن يجمعهم الله بك، فستقدم عليهم، فتدعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك.. ثم انصرفوا، ووعدوه المقابلة في الحج التالي. فلما عادوا إلى قومهم دعوهم إلى الإسلام حتى انتشر بينهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها خبر الإسلام والنبي ﷺ.
البيعة الأولى:
وفي العام التالي الثاني عشر من البعثة. جاء للحج من يثرب اثنا عشر رجلًا، بعضهم ممن لقي النبي ﷺ في الموسم السابق، جاؤوا يبحثون عن النبي r، ليواصلوا توثيق العهد السابق فاجتمعوا بالنبي ﷺ وبايعوه البيعة الأولى، فوضع u - بهذه البيعة الأساس الأول في جدار الدولة الإسلامية نعم وضع الأساس باثني عشر رجلًا، وليست العبرة بالعدد، إنما العبر بالصدق ونزول المدد.
إن جماهير الحجاج تعود الآن محملة بهموم السفر والإقامة والطعام والتسوق في مكة والمدينة. فيعود أكثر الحجاج، وقد شغلتهم أمور لو سمعها أهل القبور من السلف الصالح لأشفقوا علينا، ولا تنقطع أحاديث الحج الحكومي والحج السياسي وحج خمسة النجوم والحج بالطائرات وأسعار الفنادق وخيام عرفة ومنى... وأحاديث كأحاديث أسواق الجمعة وسائر الأليم في القرى والمدن وشركات السياحة التي صار أغلبها من أسباب هم الحجاج والمعتمرين وغمهم!! هل نعود إلى فقه شعيرة الحج في مناسكها، وفي مقاصدها وهل تتذكر كيف أسس النبي ﷺ للدولة الإسلامية في ثلاثة مواسم، وبواسطة أناس في بدء إسلامهم. وبين الأصنام التي كانت تملأ البيت الحرام حول الكعبة وفوقها وفي داخلها؟
لم ينشغل النبي ﷺ بمهرجان الشرك الذي تكتظ به الساحة المقدسة، ولكنه انشغل بالعمل الذي قرب ساعة النهاية لذلك المهرجان المشتعل المتوهج فكان فتح مكة بعد تسعة سنوات من مبايعة اثني عشر رجلًا.
سفير النبي ﷺ:
تمت البيعة الأولى مع اثني عشر رجلًا من أهل يثرب، وعند عودتهم أرسل رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير ليعلمهم الإسلام ويقرئهم القرآن فنزل على أسعد بن زرارة، ولهذا النزول معناه ومغزاه، فليس مصعب مجرد ضيف أو زائر، إنه أول سفير في الإسلام، سفير ومعلم، وإذا كان جبريل uهو رسول الله إلى النبي ﷺ فإن مصعبًا هو رسول النبي ﷺ وسفير القرآن إلى مسلمي يثرب، وإن بيت أسعد بن زرارة في يثرب يشبه بيت الأرقم بن أبي الأرقم في مكة سابقًا، ويشبههما كل بيت استضاف الداعية الأول في دعوة تجديدية في قرون الإسلام، إنها بيوت الفضل ومنازل النور الذي أشع في النواحي بعد ذلك.
ولما وصل عدد المسلمين إلى أربعين أقاموا صلاة الجمعة وأمهم مصعب.
وسرى النور في بيوت يثرب، حتى لم يبق بيت إلا وفيه رجال ونساء يشهدون ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وقبيل حلول موسم الحج التالي الثالث عشر بعد البعثة عاد مصعب إلى مكة. ليبشر النبي ﷺ بنجاح سفارته بتوفيق الله جل وعلا، ويا له من سفير ذي فضل، إنه الذي بشر بالإسلام في العاصمة الجديدة - تحت التأسيس.
البيعة العظيمة:
في العام الثالث عشر من البعثة، قدم مكة للحج على النمط الجاهلي جمع كبير من أهل يثرب، وكان بينهم المسلمون الأوائل، وكان زعيم الجميع البراء بن معرور، جاء المسلمون، وبين جوانحهم سؤال خطير إلام يتركون رسول الله ﷺ يطرد بين جبال مكة ويعيش خائفًا؟ إنه سؤال المبادرين بالأعمال العظيمة، سؤال الذين لا يستسلمون للواقع على علاته سؤال أهل العزائم الذين يعيشون حياتهم في مقدمة الصفوف، ليقودوا قوافل التغيير.
ثم جرت بين وفد يثرب ورسول الله ﷺ اتصالات سرية انتهت باجتماعات غيرت مجری التاريخ البشري على الكرة الأرضية.. اجتمع النبي له بثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين هما نسيبة بنت كعب «أم عمارة» وأسماء بنت عمرو «أم منيع» حسب رواية ابن إسحاق وهكذا بدأت المرأة الأنصارية تؤسس - مع رجال الأنصار – لدولة الإسلام.
وبعدما تمت البيعة، قال لهم النبي ﷺ: أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبًا، ليكونوا على قومهم فاختاروا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
وأما بنود البيعة، فقد روى الشيخان عن جابر t قال: قلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: «على:
السمع والطاعة في النشاط والكسل.
وعلى النفقة في العسر واليسر.
وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى أن تقوموا في الله، ولا تأخذكم في الله لومة لائم.
وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.
وعند ابن إسحاق وألا ننازع الأمر أهله.
الشيطان يصرخ!
حضر الشيطان هذا الاجتماع وشاهد البيعة، فإذا به يصرخ بأعلى ما عنده يا أهل الجباجب (منازل منى) هل لكم من مذموم «مذموم.. يقصد محمدًا ﷺ» والصباة «جمع صابئ يقصد المسلمين لتركهم ديانة الآباء» معه؟ قد اجتمعوا على حربكم «رواه ابن إسحاق بإسناد جيد» فقال رسول الله ﷺ: هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك..
صرخ إبليس في العقبة، ولعله يصرخ الآن في عواصم الغرب فليصرخ في عواصم الكفر كلها. ولتصرخ جميع الأبالسة، فسوف يذهب صراخكم مثلما ذهب صراخ أزب بن أزيب في العقبة ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء).
الحج ميدان التربية الأصعب:
إن في الحج أسرارًا، وإن له أدورًا في إعادة بناء الأمة... مثلما كان له الدور الأكبر في التأسيس الأول لها.
وإن أركان الإسلام الخمسة ميادين توظف فيها الجهود الفردية والجماعية في الدعوة إلى الله، بدءًا من التوحيد، ومرورًا بأحكام وأسرار كثيرة، لا تكاد تنتهي.
فالشهادتان استنطاق اللسان، بعد إقرار القلب لتوحيد الله، ويتم ذلك الاستنطاق في كل مكان، حيث يعيش المسلم، فأمر الدعوة إلى التوحيد مضمون الشهادتين - غير مرتبط بزمان أو بمكان إنه مجال واسع وفسيح وزمانه هو جميع ساعات الليل والنهار، وعلى امتداد الكرة الأرضية.
وإقام الصلاة: توظيف تعبدي لروح الإنسان وبدنه خمس مرات في اليوم والليلة وهي توظيف تعبدي ودعوي بالممارسة العملية، وتوظيف إرشادي يمارسه إمام المسجد وكل من يحل محله من الوعاظ والدعاة والفقهاء، هذا التوظيف التعبدي الدعوي يسري أيضًا مع دورة الليل والنهار، حيث الصلوات الخمس وهو لا يحتاج إلى السفر أو الانتقال إلى أماكن بعينها في أزمنة بعينها.
وإيتاء الزكاة: توظيف النوازع العطف والعطاء وتوظيف صالح للمال المدخر الحلال، أو للخير الناشئ من الأرض، وتحريك للأغنياء باتجاه الفقراء القريبين أو البعيدين، وذوي الحاجات.
والدعوة إلى الزكاة غير مرتبطة بزمان ولا مكان لأنها تجب في كل زمان وفي كل مكان إذا توفر المقدار «النصاب» وأن الأوان «حال الحول».
أما الحج فله شأن خاص إنه فريضة محددة بزمان ومكان. ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (البقرة: ۱۹۷) الحج عرفة. «رواه الترمذي وغيره»
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (البقرة:198) ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:158) ... ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (البقرة: ١٩٧). ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (البقرة :٢٠٣).
وعلى ذلك، فلا بد من السفر وشد الرحال.
لا بد من ترك الأهل والناس المألوفين والشعور بالوحشة في الطريق.
وحتى الملابس يتخلى عنها الحاج ليلبس قطعتين!!
ولا بد من المعيشة في أماكن غير مألوفة، حتى يصل الحاج إلى مكة، حيث المشاعر المقدسة.
إنه حقًا الميدان الأصعب لتربية المسلم، إنه أداء يشبه أعمال الجهاد في الميادين الوعرة وغير المألوفة.
لذلك جعله النبي ﷺ العمل الذي يلي الجهاد حين سئل أي العمل أفضل قال إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله.. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور «متفق عليه».
لقد شردت عواطف حجاج هذا العصر وأحاديثهم، فمنهم من يقول: لقد حججت في فندق خمسة نجوم ومنهم من يقول: نزلت في استراحة الحكومة ومنهم من يقول: لقد عشت أيام الحج على المشويات شتان شتان بين حج وسياحة ترفيهية.
أعود إلى الميدان الأصعب، فهناك حج النبي ﷺ، ولقن المسلمين في ثلاث خطب ثلاثة بيانات لإقامة النظام الإسلامي العالمي.
قال لي: ألم يكن رسول الله ( يستطيع تلقين الأمة بياناته في مسجده؟ قلت بلى كان يستطيع قال: فلم الانتقال من المدينة ومن شتى البقاع إلى مكة؟ قلت إن هذا الانتقال هو المستهدف، ففي هذا الميدان يجب أن تلقى تلك البيانات بصفة خاصة بعد أن تؤدي المناسك الخاصة.
هذا الميدان الأصعب لجهاد النفس شيده. بأمر الله أبونا العظيم إبراهيم، وولده البار المخلص إسماعيل - عليهما السلام - شيده أبونا إبراهيم بين جبال الحجاز في واد غير ذي زرع شيده بعد أن أسكن زوجه وولده حيث لا بشر ولا ماء، وبعد سفر ...
إذن، فلنسافر مثلما سافر أبونا العظيم ولتهجر مواطن الزرع والسكن المريح، ولنهجر الأهل والمال وكل شيء لنقول لربنا: لبيك اللهم لبيك. الآن تتوافد جماعات الحجاج، لتمثل بعثات شعبية وحكومية لمليار وثلث المليار مسلم، وتتحرك تبعًا لتحركات تلك البعثات أمور كانت ساكنة تتحرك العقول والقلوب، وتتحرك الهمم تتحرك وتتلاقى في الميدان الأصعب حتى في لغة التفاهم ولله في شريعته شؤون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل