; وان عزيزة.. الطبيبة الهادئة في خضم المواجهات الساخنة | مجلة المجتمع

العنوان وان عزيزة.. الطبيبة الهادئة في خضم المواجهات الساخنة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 73

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 37

السبت 13-سبتمبر-2003

لم تكن وان عزيزة وان إسماعيل (50 عامًا) الطبيبة الملتزمة إلا زوجة قيادي إسلامي ماليزي لم تشتهر كغيرها من زوجات المسؤولين إلا كونها زوجة وزير مالية ونائب رئيس للوزراء لمع اسمه محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، حتى كان الحدث المفاجئ في الأسبوع الأول من سبتمبر ۱۹۹۸ عندما حصل الخلاف بين زوجها أنور إبراهيم (55 عامًا) ورئيس الوزراء د. محاضير محمد، فأخرج الأخير الأول من السلطة ثم سجنه وقدمه للمحاكمة. ومن خلف غبار هذه العاصفة التي نحّت أنور عن الساحة السياسية، ظهر اسم وان عزيزة الطبيبة الهادئة بصوتها المنخفض -لو قارناه بأي شخصية نسائية سياسية في بلادها- وهكذا ظلت حتى يومنا هذا، حيث حافظت على هذا الهدوء حتى لو كانت في خضم مواجهة سياسية ساخنة أو وسط صخب الجماهير المتحمسة، فهي قبل كل شيء وجدت نفسها مجبرة على اقتحام دهاليز السياسة بعد غياب الزوج الزعيم.

بین متفائل ومتشائم

عندما تسلمت وان عزيزة قيادة مركب أسماه أصحابه مركب «تيار الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي» بماليزيا، اعتقد البعض أنها لن تكون سوى زوجة متعاطفة مع قضية زوجها مقللين من أثرها في الساحة السياسية. وفي المقابل رفع آخرون مستوى تفاؤلهم مقدرين أن شأنها السياسي سيكون كبيرًا، غير أنها في النهاية حافظت على حضور سياسي معتدل مقارنة بحداثة نشاطها السياسي، حيث ظلت قبل ذلك المتخصصة بطب العيون ثم قدمت نفسها كسياسية ملتزمة بدينها واضحة في كلامها وفيما تريده، تدعو إلى تطبيق ديمقراطية حقيقية، ومقدمة مع آخرين من قدامى أقطاب المعارضة بديلًا جديدًا لحزب متعدد الأعراق والأديان.

وعندما أسست وان عزيزة لها «5 بنات وولد» مع بعض زملاء أنور حزب العدالة الوطني في 4/4/1999 وقبل أشهر من انتخابات ذلك العام التشريعية، توقع البعض بمن فيهم صحفيات ماليزيات أن ينهار حزبها؛ لأنه في تصورهم ليس إلا حزب قضية زوجها التي سينساها الناس حسبما يشهد بذلك التاريخ السياسي للكثير من الحالات المشابهة، ثم إنه حزب يضم خليطًا من الشخصيات على مختلف توجهاتها لم تجمعهم الروح القومية وحدها ولا الأفكار الإسلامية بمفردها ولا التشابه العرقي دون غيره مثل الأحزاب الأخرى، ولكنه ربما مزيج من كل ذلك مضاف إلى شعارات وأفكار تتمحور حول «الإصلاح، والديمقراطية، وحقوق الإنسان والحريات، والوحدة الوطنية».

الذي حصل أن د. وان عزيزة حافظت على وجودها خصوصًا أنها حصلت على مقعد نيابي في البرلمان الفيدرالي وسط أجواء سياسية غير عادية لم تشهدها ماليزيا منذ نهاية الستينيات، ولم يكن مقعدًا نيابيًّا عاديًّا، بل حلت محل زوجها في دائرة بير ماتانغ باوه التي ظل يمثلها قبل سجنه، وبمساعدة من غيرها استطاعت إجادة ما دُربت عليه من فنون قيادة حزب معارض، وإلى وقت قريب لا تزال هناك مؤشرات تظهر أهمية وجودها كواجهة لحزب معارض، حتى إنها قالت في تصريح صحفي يوم 4/6/2002 الماضي إنها قد تعرضت للعديد من التهديدات التي تهدد أمنها وأمن أسرتها، آخرها الهجومان التخريبيان اللذان ارتكباهما رجلان على منزلها قبل ذلك بيومين، بالإضافة إلى رمي أغصان الأشجار الكبيرة وغيرها على منزلها وتكسير محتوياته من آن لآخر، ومع أن السلطات قالت إن أحد المخربين مختلًّا عقليًّا قام بذلك، لكن شخصيات من حزبها اعتبرت ذلك تحذيرًا لها من السلطات لتتوقف عن التجوال في أنحاء البلاد، وهو نفس الشيء حدث لابنتها نور العزة (۲۲ عامًا) كبرى بنات أنور إبراهيم التي تلقت العديد من التهديدات.

جسر بين الصينيين والملايويين 

يتميز حزب العدالة بتعدد الانتماء العرقي والديني لأعضائه وقياداته، فمع أن معظم قادته وأعضائه من الملايويين المسلمين إلا أنه يجمع الصينيين والهنود الأصل، ومؤخرًا وفي 15/8/2002 شاركت وان عزيزة في جلسة حوار مع مجموعة دونج جياو زونج التعليمية الصينية متحدية وزير التعليم الماليزي موسى محمد أن ينشر نتائج الدراسة التي أجريت حول صلاحية جعل اللغة الإنجليزية وسيلة في تعليم مادتي الرياضيات والعلوم في المرحلة الابتدائية ابتداء من العام القادم، وكان في مقابل ذلك أن لاقت هذه المجموعة الصينية انتقادًا لاذعًا من قبل رئيس الوزراء، خصوصًا وأن رئيسها البالغ من العمر ٩٠ عامًا كان قد عُزل من أحد الأحزاب الصينية المشاركة في الحكم واعتقل تحت طائلة قانون الأمن الداخلي في عام ۱۹۸۷.

غير أن وان عزيزة ومع توحد موقف مجموعات وجمعيات ملايوية وصينية عديدة على رفض فرض اللغة الإنجليزية، دافعت عن موقف الأقلية الصينية بأنها قبلت اعتبار اللغة الملايوية لغة أساسية في التعليم، وأنه لا مجال للتشكيك في وطنية أبنائها إذا لم يقبلوا باللغة الإنجليزية في المادتين، وذلك بناء على ما يمنحه الدستور الفيدرالي من حق لكل مجموعة إثنية في أن تدرس وتحافظ على لغتها وثقافتها، ونشرت ذلك عبر وسائل إعلام المعارضة الإسلامية التي نقلت تصريحًا مماثلًا من قبل رئيس الحزب الإسلامي الشيخ عبد الهادي أوانج.

 ولقد كان لموقفها هذا أثر بين الصينيين من لحظة مؤيدي حزبها أو ممن يراقب عن بعد في  لحظة حرجة كهذه بالنسبة للتعليم في ماليزيا، خاصة دعوة د. محاضير محمد وقادة التحالف الحاكم للشعب الماليزي تقبُّل قرار توسيع استخدام اللغة الإنجليزية على حساب اللغات القومية الأخرى، بل إن محللين صينيين مستقلين يقولون إن الصينيين لو فكروا في موقف وان عزيزة بحجابها جيدًا فإنهم سيجدون أنهم أمام حزب قادته من الملايويين المسلمين الملتزمين، لكنهم في نفس الوقت غير متجاهلين حقوق وهموم الصينيين والهنود، و«ربما أكثر -حسب قولهم- من الأحزاب التي تمثل الأقلية الصينية في الحكومة، وأن شخصية إسلامية قد تخدمهم أكثر من الشخصية العلمانية»، وهذا ما جعلها تدَّعى كضيفة فخرية على عشاء نُظِّم من قبل مجموعتين صينيتين غير سياسيتين، لكنهما مؤثرتان تنظران إلى وان عزيزة وحزبها على أنها الجسر الجديد الموصل بين القوميتين الملايوية والصينية ليس هذا فحسب، بل إن حزب العدالة كسب العديد من الوجوه الصينية الشابة المثقفة، ولعل أشهرهم إعلاميًّا تيان تشوا الشاب الصيني زعيم التحالف الشعبي للديمقراطية، المسجون أمنيًّا منذ عام والذي تعرض لاعتداء رجال الأمن خلال مشاركته الواضحة في المظاهرات. ولا يعني هذا أن الحزب قد أهمل الملايويين المسلمين، فهم يشكلون عددًا كبيرًا من الأعضاء ومن بينهم الكثير من رجال الأعمال والمثقفين والإعلاميين وهناك عدد من الهنود، لذلك فحزب العدالة يمثل نقلة جريئة اجتازت التجزئة العرقية والإثنية التي بنيت على أساسها الأحزاب الماليزية الـ ١٤ المشاركة في الحكم -وحتى المعارضة عمومًا- عملها، فصار كل حزب يمثل جزءًا من إثنية معينة دون غيرها، ولهذا ينظر هؤلاء إلى حزب العدالة على أنه مصدر خطر كامن لهذه الصفة التي صارت من مسلَّمات السياسة الماليزية. 

لا لإهمال الحريات والعدالة وحقوق الإنسان 

ومع أن الهموم السياسية العامة التي تهم الرجال والنساء الكبار والصغار على حد سواء هي التي تشغل رئيسة حزب سياسي معارض، لكن وان عزيزة لم تنس أن حزبها هو الوحيد في ماليزيا الذي تتولى رئاسته امرأة، وأن عليها مسؤولية تجاه نساء شعبها وغيرهن من الآسيويات. وقد كان هذا واضحًا في كلامها مثلًا عندما حضرت مؤتمر النساء البرلمانيات في آسيا والمحيط الهادي ببانكوك يوم 19/4/2001 الماضي، إذ أكدت قائلة: «لا أكافح في معركة ذات هدف فردي من أجل حرية زوجي، ولكن من أجل كل النساء المضطهدات في آسيا». وقالت إنه حسب الإحصائيات قدمت المعارضة الماليزية في انتخابات نوفمبر ۱۹۹۹ أكبر عدد من المرشحات اللواتي حصلن على أعلى نسب من الأصوات منذ عام ١٩٦٩، مما أكد أن المجتمع الماليزي يتقبل قيادات نسوية مؤهلة. 

الخطوة القادمة التي ستقدم عليها وان عزيزة بعد موافقة زوجها هي الاندماج بين حزبها وحزب الشعب الماليزي؛ ليظهر قريبًا حزب العدالة الشعبي الماليزي جامعًا حزبين لهما من نقاط التشابه الكثير، خصوصًا وأن كليهما حزب متعدد الأعراق والأديان في عضويتهما وقياداتهما، وأنهما يركزان في عملهما على قضايا العدالة الاجتماعية والحريات، وذلك كجزء من الاستعدادات للانتخابات التشريعية القادمة التي ربما تجري في عام ۲۰۰۳ أو عام 2004.

الرابط المختصر :