; والموت في سبيل الله أسمى أمانينا | مجلة المجتمع

العنوان والموت في سبيل الله أسمى أمانينا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1980

مشاهدات 83

نشر في العدد 506

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 09-ديسمبر-1980

لغة الحوار التي انحدرت عن سدة الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والمجادلة بالمعروف، إلى حضيض الإرهاب الفكري ومباءة التدمير المادي، تدل على أن أصحابها قد انحدروا معها إلى المستوى نفسه، ولا غرابة في ذلك، فإن اللغة صورة لصاحبها في فكره وسلوكه على حد سواء. 

•ويشهد عالمنا الإسلامي، في عصر الانحدار هذا، الذي نعانيه ونعاني منه، يشهد تحولًا خطيرًا في لغة الحوار بين المتحاورين من سمو الكلمة الطيبة إلى نذالة الطلقة الغادرة!! والمؤامرة الخسيسة؟! وليس ذلك إلا بسبب من هزيمة الفكر الذي يحرك تلك الأطراف المتحاورة، وضعفه وانحلاله في سطوع الشمس المشرقة بنور الحقيقة، المحرقة بنار الإخلاص.

•بعض الفكر الذي انهزم في الساحة العربية وانتكس في حماة المهانة وسقط في شراك العمالة والتبعية، يريد لنفسه أن يتماسك، ولدولته ألا تؤول إلى السقوط، فيقصد إلى أن يمنع بأكفه الهزيلة ضوء الشمس من السريان فوق نواحي الوجود كله، فماذا يحدث؟!

•يحدث أنه لا يقوى على ذلك لأن نور الحقيقة لا يدافع فيلجأ إلى ما لجأ إليه الطغاة في التاريخ، عبر كل عصر وفي كل مصر ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 68). وينشط لذلك العملاء المأجورون، أصحاب الضمائر الفاسدة، والنفوس المريضة، يبتغون من وراء ذلك، كسبًا رخيصًا، وجاهًا تافهًا، وهيهات!! ينشطون للفساد والإفساد، ويأبى الله إلا أن يكشف ضلالهم ويزهق باطلهم. وكذلك سنة الله في كونه وخلقه.

•نقول هذا، ويعلم الناس معنا، أننا في جمعية الإصلاح الاجتماعي، كنا نكاد أن نكون طرفًا في هذا الحوار المجنون الخسيس، حوار التدمير والتخريب، والغدر القاتل... ولكن الله سلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سورة الحج: 38).

•وماذا يكون، لو كان ذلك؟؟

-هل ستخفينا تلك الفعلة- على بشاعتها وانحطاطها- فتقعد بنا عن سبيل الإصلاح! وهو غايتنا، ومناط وجودنا؟!

-أم هل ستجعلنا نرتد ونولي عن قولة الحق، وهو كالفرار في ساحة المعركة وكالتولي يوم الزحف بل هو أشد وأنكى؟!

-أم هل ستقف بنا حيث أرادت بنا تلك الجهات المتآمرة على الأقل، فنسكت عن دماء تستباح وأعراض تنتهك وأرواح تزهق، وأملاك تنهب؟!

•... ولكن الله سلم، لأننا نعتقد أننا نوالي الله ورسوله، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة يونس: 62).

وهنا، لنا وقفة بسيطة، مع المعاني الكثيرة التي أثارتها تلك العملية الخسيسة التي استهدفت تدمير الجمعية، فمع أن الجهات المتآمرة تلك، سبق لها أن قامت بأعمال كثيرة مشابهة، ونجحت في ذلك إلى حد بعيد، على ساحات مختلفة، في هذا الوطن الكبير المستلب، إلا أنها- والحمد لله والمنة والفضل له على ذلك-أخفقت إخفاقًا واضحًا صريحًا في هجومها الذليل، حيث نجحت هناك؟!

•لا شك أن لله حكمة في كل ذلك، ولكن الجاني عَمِيَ- كما هي العادة عند الحاقدين الملحدين- عن حقائق نعدها بسيطة لوضوحها ونقائها، ولكنها في حساب النفوس والأمم شيء كبير... كبير!

•منها أننا في جمعية الإصلاح الاجتماعي، نرى المحن والمصائب التي تنوب المسلم في هذه الحياة الدنيا، جزءًا من الابتلاء العام الذي هو سنة الله في عباده المؤمنين، وقدوتهم الأنبياء كما ورد في الحديث الشريف، ما معناه: أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وهكذا نعد مثل هذه الحادثة- وغيرها لو حصل- محكًّا للإيمان، ومختبرًا للعزيمة والإخلاص، وبالتالي، فإنها لا تخيفنا، ما دمنا مع الله، ونحن معه!!

•ومنها: إننا نعلم أن الموت غاية كل حي، سيردها عاجلًا أو أجلًا، وأن الأصل في عقيدتنا، هو محدودية الأعمار والأرزاق معًا، اللذين هما في تقدير الله وعلمه وحده سبحانه!! وهذا يجعلنا- بكل بساطة التسليم وراحة الإيمان- لا نخاف الموت، بل نعده نقلة لابد منها من الدار الفانية إلى دار الخلود والنعيم المقيم بفضل الله، ثم إننا نرى في الموت لقاء الله تعالى، ومَن أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ولنا في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضوانه عليهم القدوة الحسنة، «فعن اسحق بن سعد بن أبي وقاص قال: حدثني أبي: أن عبد الله بن جحش قال: له يوم أحد: ألا ندعو الله؟ فخَلَوْا في ناحية، فدعا عبد الله بن جحش فقال: يا رب إذا لقيت العدو غدًا، فلقني رجلًا شديدا بأسه، شديدا حَرده «غضبه» أقاتله غدًا.. قلت: يا عبد الله، من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت... 

قال سعد:... فلقد رأيته آخر النهار، وإن أذنه وأنفه لمعلقتان في خيط» رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

•ومنها: أن الحياة عند المسلم غير محدودة بالحياة الدنيا، هذه التي تمر كلمح البصر، بل إن الحياة الحقيقية عنده، مرتبطة بالآخرة، ولذلك فهو ينظر إلى الدنيا نظرته إلى جسر عليه أن يعبر عليه إلى الضفة الأخرى حيث الخلود، ولذلك فهو لا يبالي بانقضاء عمره في هذه الحياة الدنيا، فيختار لذلك خير موتة، وهي الشهادة في سبيل الله وفي سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم، شاهد على هذا «فعن عامر بن سعد عن أبيه، قال: رأيت أخي عمير ابن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إلى «بدر» يتوارى فقلت: مالك يا أخي؟ فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني، فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة.. قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستصغره!! فقال: ارجع. فبكى عمير- فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سعد: فكنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة، قتله عمرو بن عبد ود». (أخرجه أبو يعلى والحاكم وابن سعد). 

•ومنها: إننا نشعر بقوة لا حدود لها ويقين لا مزيد عليه إن شاء الله ذلك أننا مع الله وهو حسبنا وهو كافينا، وإن معنا جماهير المخلصين من المسلمين الصادقين في كل بقعة يوحِّد فيها المسلم ربه، وأن المعركة ليست معركتنا وحدنا، وأن مجالها ليس هو الأرض وحدها، والدنيا وحدها، وأن شهودها ليسوا هم هؤلاء الناس في هذا الجيل ولكن الشهود هم أبعد من ذلك، إنهم الملأ الأعلى بكل ضخامته وهيبته وما حوى من الأرواح المؤمنة الطاهرة، إننا نشعر أن أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين كلها تطل علينا فنحس بأننا لسنا وحدنا في معركتنا مع الباطل والضلال.

•ومنها: أن الموت لا ينهي الحياة، ولا يأتي قبل وقته، وأن الشهادة بحد ذاتها هدف مقصود لذاته، يحرص عليه المسلم الصادق بل ويسعى إليه... كان رجل يقال له: «حممة» من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أصبهان غازيا، وفتحت في خلافة عمر، فقال: اللهم إن حممة يزعم أنه يحب لقاءك، فإن كان صادقًا فاعزم له عليه بصدقه، وإن كان كاذبًا، فاعزم له عليه وإن كره، اللهم لا ترد حممه من سفره هذا، فمات بأصبهان، فقام أبو موسى فقال: ألا إنا والله ما سمعنا فيما سمعنا من بينكم، وما بلغ علمنا إلا أن حممة شهيد.. 

ومَن منَّا لم يسمع صرخة الصحابي المؤمن قبل استشهاده، حتى لكأنها لا تزال ترن في سمع الوجود إلى يوم القيامة، صرخة خُبيب بن عدي رضي الله عنه.. 

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ******* على أي جنب كان في الله مصرعي 

وذلك في ذات الإله، وإن يشأ *******  يبارك على أشلاء شلو ممزع..!!

ولنا فيهم أسوة رضي الله عنهم. 

•وماذا يبقى بعد ذلك كله؟! الخوف؟ الإرهاب؟ الموت؟ السكوت؟ الهزيمة؟! أم الإيمان والثبات وطلب الشهادة والصبر على ذلك كله؟!

ألا أنها المعركة الخالدة المستمرة بين الحق وبين الباطل من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، لا الباطل يكلّ ولا الحق يخضع، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، أما نحن في جمعية الإصلاح الاجتماعي، فعلى هُدى من الله نسير وإلى غايتنا في إصلاح المجتمع وتصفيته من الشوائب العالقة به نسعى، رائدنا الإخلاص إن شاء الله، ووسيلتنا الكلمة الطيبة حتى يقضي الله بيننا وبين قومنا بالحق، آخذين بقول الله تعالى. 

﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف: 108)، أما أولئك الذين أرادوا لنا الكيد، فنقول تبَّت أيديهم ولهم الويل والثبور 

﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (سورة غافر: 51)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 182

93

الثلاثاء 01-يناير-1974

محليات (182)

نشر في العدد 1600

114

السبت 08-مايو-2004

رأي القارئ (العدد 1600)

نشر في العدد 527

77

الثلاثاء 05-مايو-1981

حياة الشهيد