العنوان والدي السلطان عبد الحميد
الكاتب عائشه عثمان أوغلو
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1987
مشاهدات 72
نشر في العدد 806
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 24-فبراير-1987
والدي السلطان
عبد الحميد
١٨٤٢ م
- ١٩١٨ م
حياته-
أعماله- خلعه- سجنه
تأليف
الأميرة عائشة ابنة السلطان عبد
الحميد
ترجمة:
الدكتور إبراهيم الداقوقي
تقديم وتعليق
الأستاذ سيف مرزوق الشملان
الحلقة
(۸)
بقلم: عائشة
عثمان أوغلو
بنت السلطان..
هواية والدي للرسم والنجارة
كان والدي
محبًّا للرسم وخاصة المناظر الطبيعية والأزهار، وقد رسم صورة لوالدتي بالقلم الأسود
وقد بقي الرسم محفوظًا في مكتبة والدي ولكنني لا أعلم ماذا حدث لتلك الصورة. فقد أحضر
مجموعة من الدواليب الخاصة بلويس الخامس عشر كانت أبواب الدواليب من الزجاج وكذلك الداخل.
وقد صبغ والدي القسم الداخلي بأصباغ زيتية ثم طلب تحنيط بعض الطيور والعصافير الصغيرة
التي تموت- الخاصة بالقصر- وجعلها في أوضاع معينة ورتبها في هذه الدواليب. وكانت هذه
الدواليب موضوعة الواحد إلى جانب الآخر في ممر الطابق الثاني في قصر «شاله» Sale
ويوجد في نفس القصر مجموعة من التابلوهات الجميلة التي جمعها والدي بنفسه.
وكان له
ميل للنجارة اكتسبه عن جدي «عبدالمجيد» لأن جدي كان يشتغل في أوقات فراغه بالنجارة
بمصاحبة الحرفي الشهير خليل أفندي. وكان والدي يتعلم فن النحت وشغل النجارة من هذا
الشخص ويدرس معه. وكان يوجد توقيع خليل أفندي محفورًا على أدوات النجارة الموجودة في
محل النجارة العائد لجدي عبدالمجيد. وقد نقل والدي معدات النجارة هذه إلى معمله في
قصر «يلدز»[1]. وكان يستعملها في بعض الأحيان عندما يمارس هوايته
التي كانت النجارة والحفر على الخشب، وقد أحضر معدات وآلات جديدة من أوروبا وأضافها
إلى معمله. وقد صنع عدة أشياء مطعمة بالصدف ذات نقوش جميلة وكانت موجودة في قصر يلدز
إلا أنها ضاعت فيما بعد. وقد صنع والدي دولابًا جميلًا وأهداه إلى توفيق باشا- آخر
صدر أعظم- في فترة حكمه، ثم انتقل هذا الدولاب إلى إسماعيل حقي بيك نسيب توفيق باشا.
وصنع والدي
أيضًا كرسيًّا ودولابًا مع جرار يبلغ طوله 35 سم، وكذلك دولابًا صغيرًا للملابس عليه
منظر ريفي منقوش ومطعم بالصدف، وقد جمعت أنا هذه الأشياء وأهديتها إلى إحدى قريباتي
وهي السلطانة رافعة ۱۸۹۱- ۱۹۳۸.
وقد أهدى المرحوم أخي عبد الرحيم
أفندي ۱۸۹۳ -١٩٥٢ طقم
أقلام إلى ابني عمر وهذا تذكار والدي له. وقد صنعه عندما كان يعيش في قصر ماسلاك Maslak ولا يزال هذا الطقم موجودًا
لحد الآن.
حب الرياضة
والفروسية عند والدي
كان والدي
يقول: «كنت في شبابي أمارس أنواعًا مختلفة من الرياضة مثل السباحة وركوب الخيل والجذف
والرمي ورياضة الصيد». وقد أهداه جدي عبدالمجيد مزرعة علي بيك وكان يشرف بنفسه على
أمورها وإدارتها، ويمارس رياضة الصيد في المناطق المجاورة لهذه المزرعة، وقد أصابه
خرطوش في وجهه وبقي أثره غث ذقنه يذكره بتلك الأيام.
كان يمارس
أيضًا رياضة الجدف وتسيير المراكب الشراعية، وخاصة بعد أن أهداه السلطان عزيز[2] قصرًا في منطقة طرابيا التي
كانت تقع على الساحل. وكان يخرج صباح كل يوم للنزهة في البحر، ولما سمع السلطان عزيز
بذلك أمره بعدم الخروج إلى البحر ثم أهداه قصر «ماسلاك» بدلًا من قصر «طرابيا».
فما كان
من والدي إلا أن حول القصر الثاني ماسلاك إلى مزرعة لتربية المواشي، ثم أحضر أنواعًا
من الزهور والشجيرات وزرع قسمًا منها في حديقة القصر، وفي إحدى المرات خرج للصيد وقابله
قطاع الطرق وتعارك معهم وجرح ذراعه، ولقد بقي أثر هذا الجرح في ذراعه حتى الممات.
وكان ماهرًا
في ركوب الخيل وكان يستطيع ترويض الخيول البرية الشرسة، وقد ساعدته هذه المهارة في
النجاة من موت محقق. في العام السادس من حكمه ذهب كالمعتاد إلى صلاة الجمعة على ظهر
فرسه، ويظهر أن جماعة ما قد وضعوا النفط الأسود على ظهر فرسه لكي ينزلق والدي ويسقط
من ظهر الحصان، وقد تعرض للسقوط عدة مرات ولكنه وبمهاراته وثباته استطاع النجاة ووصل
إلى القصر سالمًا؛ لذا فقد ترك نهائيًّا ركوب الخيل ثم بدأ يركب العربات التي تجرها
الخيول.
وعندما
كان أميرًا كان يخرج إلى البحر كثيرًا بمصاحبة طرهان بيك Turhan Bey الذي أحيل للتقاعد. وبعد أن
أصبح والدي سلطانًا أخذ طرهان بيك معه إلى القصر وعينه مديرًا لإدارة مسابح ومراكب
القصر. وقد بقي طرهان بيك حتى أواخر أيامه في خدمة السلطان.
كيف يشرب
والدي القهوة؟
كان والدي
يحب القهوة كثيرًا.. ولكنه كان يفضل القهوة اليمانية. وكان يتناول القهوة بعد كل وجبة
طعام وبين وجبات الطعام أيضًا. وكان رئيس القهوجية- منذ أن كان والدي أميرًا- قد تعود
على مزاج والدي وكيف يفضل أن يكون طعم القهوة. ولكنه بعد أن تقدم في السن- القهوجي-
حضر يومًا إلى والدي وقال له: «يا سيدي، لقد تقدم بي العمر وأصبحت عاجزًا عن خدمتك
مثل السابق لذا فإنني أرشح نسيبي علي أفندي ليقدم لكم القهوة ويكون ذلك تحت إشرافي».
فوافق والدي على ذلك. وفعلًا توفي خليل أفندي رئيس القهوجية وخلفه علي أفندي نسيبه.
وكان رئيس
القهوجية يرتدي القفازات البيضاء ويهيئ القهوة ويضعها في الصينية المخصصة لذلك مع الفنجان
الخاص، ويدخلها من باب الحريم ثم يدق الجرس ويسلم الصينية للخازندار الحارس. وكانت
الصينية من الذهب والفناجين من الفخار، وكان والدي يشرب أولًا في أحد الفناجين ثم يشرب
مرة ثانية في الفنجان الثاني. وكان والدي يحتسي القهوة ببطء ويدخن سيكارة. وإذا صادف
وكانت والدتي موجودة معه فإنهما يشربان بنفس الفنجان مرتين.
وظل علي
أفندي في خدمة والدي حتى أواخر أیامه، وكنا نحن الأطفال لا نشرب القهوة في حضور والدي
إنما كنا نشربها مع بقية الحريم. وكان التدخين وشرب القهوة أمام الكبار يعتبر عيبًا
في ذلك الوقت.
قراءة الكتب
ليلًا
وكان والدي
يطلب قراءة الكتب قبل النوم. وهذه العادة جعلت أعداءه يرددون الإشاعات، مع العلم بأن
قراءة الكتب كانت ترتبط بحياته الخاصة وليس لأي إنسان الحق في التدخل. كانت قراءة الكتب
تريح والدي في أعماله الصباحية، وكان والدي يوضح سبب قراءته للكتب ليلًا قائلًا: «إن
هذه الطريقة تجعلني أرتاح في الأعمال الصباحية الخاصة بإدارة أمور الدولة. إن بعض الأمور
تجهدني وتجعلني أفكر كثيرًا، لذا فإنني أطلب قراءة الكتب لأوجه تفكيري وأتخلص من التعب.
ولكنني لا أود قراءة الكتب التي تتسم بالجدية لأن هذا يبعد النوم عن عيني؛ لذا فإنني
أطلب من المترجمين أن يترجموا كثيرًا من اللغة الفرنسية وكثيرًا لا أستطيع أن أكمل
الكتاب لأن النوم يداعب عيوني وأغفو قبل انتهاء القسم الأخير».
وكان يقرأ
هذه الكتب أخوه بالرضاعة عصمت بيك وبعده عُين الحاج محمود أفندي بقراءة الكتب ليلًا،
ثم عين قارئ الشفرة عاصم بيك بقراءة الكتب ليلًا، وبعد أن توفي عاصم بيك ترك والدي
عادة قراءة الكتب ليلًا.
وعندما
يشعر الشخص الذي يقرأ الكتاب بأن والدي قد استسلم للنوم يسير على رؤوس أصابعه ويترك
الغرفة، ثم يدخل الخازندار الثاني الذي ينام أمام باب الحريم «حارسًا» ليقفل باب غرفة
نوم والدي.
أما الكتب
التاريخية المهمة فقد كان يقرأها في الصباح أمين بيك. وكان عالمًا في اللغة الفرنسية
والترجمة من الفرنسية إلى التركية. وكان والدي يحترمه كثيرًا ويعهد إليه تنظيم المكتبة
ومراسلة رؤساء الدول الأجنبية. وفي صلاة الجمعة يتكلم مع السفراء الأجانب الذين يمثلون
بلادهم في تركيا بواسطة «أمين بيك»، وفي بعض الأحيان يرسل ابنه برهان الدين أفندي مع
أمين بيك للترحيب بهؤلاء السفراء وتبليغهم تحيات سيادته.
الحوادث
التي تعرض لها والدي
كان والدي
يقول: «أثناء حكم والدي السلطان عبدالمجيد وبينما كنت في الثانية عشرة من عمري كنت
معتادًا على امتطاء حصاني الخاص والتنزه في مدينة إسطنبول، ولم أكن أستصحب معي سوى
خادمي الخاص. وفي يوم من الأيام وبينما كنت أتنزه لم أستطع أن أسيطر على الحصان، فجمح
وأخذ يركض بسرعة وسقطت أمام أحد المقاهي الصغيرة التي كانت منتشرة بكثرة في تلك الأيام.
وكانت السقطة قوية جدًّا بحيث أصابني نزف حاد في أنفي.. وفقدت الوعي.
أما الحصان
فقد عاد إلى القصر فلما رآني صاحب المقهى «مرجان العربي» حملني داخل المقهى، ثم أراحني
فوق إحدى المصطبات وسكب الماء البارد على وجهي وحاول جهده إيقاف النزيف، فلما صحوت
وفتحت عيني سألني مرجان أفندي من أين أنت يا ولدي؟ فلم أذكر له شيئًا عن القصر أو من
أكون، ولكنني طلبت منه أن يأخذني إلى منطقة بشكتاش- Besiktas- فحملني هذا الرجل الطيب على
ظهره ليوصلني إلى هناك. أما الخادم الذي رأى الحصان يعود إلى القصر وحده فعلم أن شيئًا
ما قد حدث فأخبر والدتي بذلك وخرج للبحث عني، فشاهدوا صاحب المقهى وأنا على ظهره فصاحوا
به، ولكنني طلبت منهم أن يهدأوا ثم شرحت لهم ما جرى لي، فأكرموا صاحب المقهى وأجزلوا
له العطاء.. ولكنني سقطت طريح الفراش.
وكان يوجد
آنذاك في القصر طبيب إيطالي حاذق وهو الدكتور ماسيرو Masiro فأحضروه حالًا لمعالجتي، وأخفوا
الحادثة عن والدي السلطان عبدالمجيد. ولقد بقيت مريضًا ثلاثة أشهر فنصح هذا الطبيب
بتغيير الجو الذي أعيش فيه وأدخل الحمامات المعدنية، فأرسلوني إلى شاطئ البحر بصحبة
هذا الطبيب، وذهبنا إلى قصر بيلربي Beylerbeyi فعلمني السباحة، والسباحة يوميًّا
في الصباح الباكر، وبواسطته تعودت على حمامي الصباحي. ومنذ ذلك اليوم أصبحت لا أستطيع
القيام بأي عمل إذا لم أسبح قبل الإفطار».
أما الحدث
الثاني فكان في زمن حكم السلطان عزيز، حيث كان والدي يعود من قصر مصلاك بعربة تجرها
الخيول، فصادف أن جمحت الخيول فبدأت تركض بسرعة جنونية، ولم يستطع والدي كبح جماحها
فاضطر إلى القفز من العربة؛ فأصيب ببعض الجروح والكدمات فبقي في الفراش عدة أشهر وقد
أشرف على معالجته الدكتور ماسيرو أيضًا.
وكنا نستعمل
في القصر الشموع لعدم وجود الكهرباء وكانت جميع الأسرّة مغطاة بالكِلل «مفردها كِلّة»[3] لمنع قرصات البعوض، وفي إحدى
المرات التهبت هذه الكلل المصنوعة من القماش الخفيف- التول- فسحب والدي الكلة ورماها
أرضًا ثم أطفأها بقدميه وترك استعمالها، ولكني وأثناء وجودنا في مدينة سلانيك- في المنفى-
اضطررنا لاستعمالها مرة ثانية لكثرة البعوض.
سيف مرزوق
الشملان
__________
[1] قصر يلدز قصر السلطان عبدالحميد
في إستانبول، ولفظة يلدز تركية، معناها النجم لأن القصر كان يقع على مرتفع عالٍ فلهذا
السبب سمي يلدز. وكان قصر يلدز يتكون من عدة بنايات وثكنات وحدائق ونحوها. وبلغ عدد
سكان قصر يلدز أيام السلطان عبدالحميد نحو اثني عشر ألف نسمة عبارة عن سكان قرية. وخلع
السلطان عبد الحميد عن الخلافة الإسلامية سنة ١٩٠٩وهو يقيم في قصر يلدز.. قصر يلدز في الوقت الحاضر عبارة عن متحف ومكتبة
غنية بالمخطوطات ونفائس الكتب.
[2] السلطان عزيز: هو السلطان عبدالعزيز
بن السلطان محمود عم السلطان عبدالحميد وإخوانه. ولد سنة 1830 وتولى الحكم
سنة 1861 م. وفي سنة 1876 عزله مدحت باشا ورفاقه عن الحكم وسجنه، وبعد مدة قصيرة من
سجنه انتحر أو قتل وعمره نحو 44 سنة، وهو والد السلطان عبدالمجيد آخر خلفاء الدولة
العثمانية الذي نفاه مصطفى كمال أتاتورك خارج تركيا بعد إلغاء الخلافة الإسلامية.
السلطان
عبدالعزيز هو أول سلطان عثماني زار مصر بعد السلطان سليم الذي استولى على مصر سنة 1517.
زار مصر سنة 1864م، أيام حكم الخديوي إسماعيل وبعد افتتاح قناة السويس وزارها عن طريق
البحر..
السلطان
عبدالعزيز هو - أيضًا - أول سلطان عثماني زار أوروبا حيث زار باريس ولندن وصحب معه
في هذه الزيارة بعض الأمراء ومن بينهم السلطان عبدالحميد.
كان السلطان
عبدالعزيز مبذرًا. وفي عهده ضعفت الدولة العثمانية واستقلت عنها رومانيا وبلغاريا وصربيا
وتراكمت الديون على الدولة العثمانية نتيجة تبذیره وإسرافه حتى عجزت عن سداد فوائد
الديون التي اقترضتها من البنوك الأجنبية بفوائد فاحشة، فأقامت الدول الغربية رقابة
على مالية الدولة العثمانية.
تنسب للسلطان
عبدالعزيز الليرة العزيزية وهي عملة عثمانية من الذهب ضربت في عهده. وأول ليرة ضربت
كانت في عهد أخيه السلطان عبدالمجيد سنة ١٨٤٥م. وجاءت بعدها الليرات العزيزية، الحميدية
الرشادية نسبة للسلطان محمد رشاد وهي آخر ليرة ضربت في عهد الدولة العثمانية سنة ۱۹۱٨م. ولا تزال الليرة العثمانية موجودة
ولكنها تجارية تسك في بيروت.
الميزة
الوحيدة التي تسجل في التاريخ للسلطان عبدالعزيز هو أنه اهتم اهتمامًا كبيرًا بتقوية
الأسطول حتى أصبح أسطول الدولة العثمانية في عهده ثالث أسطول في العالم، بعد أسطولي
بريطانيا وفرنسا.
[3] الكلة: وتلفظ عندنا بكسر الكاف
وتشديد اللام وتطلق على قطعة القماش التي توضع على الفراش أو على القماش الخفيف لمنع
دخول الحشرات والبعوض إلى السرير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل