; والخطر المحقق | مجلة المجتمع

العنوان والخطر المحقق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973

مشاهدات 1

نشر في العدد 134

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 23-يناير-1973

والخطر المحقق

لا يمكن أن يبدع ولا أن يعطى .. بل حسبه أن يبقى عشرين سنة إلى أن يفهم طبيعة عمله ، ويخضع جهاز الدولة التجارب الصواب والخطأ.. ثم يخرج بفوائد شخصية ضخمة دون أن يفيد أمته أي شيء.

... والعسكريون مجرد نموذج ضربناه ، لأنه أبرز نماذج التخبط ، لكنه ينسحب على كل النماذج الأخرى..

 على الطبيب والمهندس والكيميائي الذين يوضعون في أعمال إدارية ليمنحوا الموظفين الأقل الأجازات العرضية أو المكافآت التشجيعية الخ ..

ولنبدأ هنا - في محاولة أخرى للحوار - الى الوصول الى اتفاق حول نسبة الأمية في بلد كمصر .. وما معنى أن نبرز في كل خطاب أو مقال خطورة هذه النسبة..

إنني أفهم من هذا .. بل أنا أفهم إبتداء أن الإنسان الأمي يمثل ... إنسانا قابليته أقل للعطاء الحضاري.. مستوى الإبداع عنده محدود.. افقه يتحرك في دائرة ذاته لأنه لم يطل عبر العلم والثقافة الـي دوائر أخرى .. وبتعبير موجز .. هو إنسان شبه أعمى .. حسبه أن يسير في الطريق لكنه لا يصلح لقيادة جماهير ، ولا للإبداع من أجل شعب ، ولا للتخطيط من أجل مصير ومستقبل .. وإلا لما كانت شعوب العالم كلها تبحث عن العلم وتجتهد في محو الأمية.

 وتصل هنا إلى خطورة «فرض » نسبة ٥٠ ٪ . الأميين وأشباه الأميين على مجالسنا الدستورية القائدة..في العالم العربي ..

كيف يمكن ان يقود هؤلاء أمتهم الى مستقبل يحاربهم حضاريا فيه مجالس دستورية في بلدان أخرى لا يقتحم أبوابها إلا أندر الكفاءات وأغلاها ؟..

وعلى الرغم من كل ما قيل وما سيقال حول صدق نسبة بروتوكولات حكماء صهيون إلى أصحابها اليهود .. على الرغم من كل هذا فإننا نصدقها حين وصفت هذه الحالة من قيادة الغوغاء والرعاع والمصفقين لأتفه الأسباب.. حــين وصفتها .. وجعلتها من بين أهدافها المهمة وعلقت عليها مستبشرة بالنتيجة التي سيجنيها اليهود من نشر هذه الفوضى .. علقت بقولها :

«اذا قاد الأعمى أعمى مثله فسيسقطان معا » . فكيف يمكن أن نترك أمرنا للأميين الذين انتقلوا ببهلوانية أو عشائرية أو قبلية أو بشيوخ الخفر .. انتقلوا من حقولهم أو من خلف ماكيناتهم ليجدوا أنفسهم فجأة في الصف الأول من الدولة دون أية مؤهلات علمية أو حياتية أو ثقافية ؟

ولماذا الإصرار على هذه النسبة ؟ هل هذا تكريـم لهذه الطبقات التي تجهل مصالحها الحقيقية ؟ هل نحن نكرمها بوضعها في مكان لا تصح له ولا يصلح لها ؟ وهل نحن نكرم أمتنا حين نحكم عليها بالسقوط لأن... الأميين.. يقودونها ؟

أليس من مصلحة الأب الفلاح أن يستفيد من خبرة وثقافة أبنه المهندس الزراعي؟. وهل يعيبه ان يعترف . -كوالد- بأن أبنه «المهندس الزراعي » يجب أن يقوده ويقود القرية كلها في العملية الزراعية ؟

والأب البناء او عامل الدهان أو النجار أو الحداد أو عامل البلاط ..هل يعيب واحدا من هؤلاء أن يخضع لقيادة ابنه وتوجيهاته .. حين يكون أبن أي منهم مهندسا معماريا ؟

ومن هو أولى بالتمثيل- بهذه النسبة الكبيرة في أعلى سلطة دستورية- هل هو فلاح القرية وعامل البناء أو النجار ، أو المهنـدس الزراعي او المعماري الـذي يعيش مع هؤلاء وينتمي اليهم ، ويمارس العمل معهم نحو اكمل ولم شمل ، وبعقل مختلف عن عقولهم المحدودة بمشاكل اليوم ومتاعب الذات ..ومنافع النفس ، دون نظر إلى أي خطوات أبعد من هذا الأفق المحدود ؟..

وإذا كان لا بد من تمثيل هؤلاء – وبهذه النسبة – في السلطة الدستورية الأعلى..؟

ألا يمكن تشكيل لجان نوعية إقليمية لهم بحيث تعطى مجلس الشعب .. خلاصة آلام و آمال القاعدة الشعبية .. ثم تترك للعقول الأكثر قدرة على التحليل العلمي والفهم المتطور والخبرة الحديثة .. مجال وفرصة الحوار والمناقشة والتقرير.. والوصول إلى أفضل صيغة ممكنة ؟

«أن من البديهي القول بأن منة دماغ أجوف لا تعادل عقلا واحدا « كما أن مئة جبان لن يصدر عنهم اي قرار بطولي ».« كيف يمكن ان توضع الكثرة العددية محل الكفاءة ؟ وكيف يمكن أن يستعاض عن هذه بتلك ؟

أليس من المضحك او من المخجل أن يترك لأشباه العميان ..للجهلة.. الحكم في جميع قضايانا السياسية والاقتصادية لتضيع في زحمة جهلها و فوضاها آراء النخبة المتخصصة الممتازة ؟

إن هذا النظام .. أو قل : إن هذه الفوضى لا يرضى بها الا من يخشون العمل في وضح النهار ، ولا يمكن أن يثق بهذه الفوضى حر مستقيم يتحمل المسئولية ويقدرها ( نقلا عن کفاحی .. بتصرف ) ».

لنتصور مجتمعا انقلب فيه التلميذ إلى معلم والمعلم إلى تلميذ والجندي إلى قائد والقائد إلى جندي .. وهلم جرا في كل مواقع العمل..

هل يمكن أن يكون هذا المجتمع أهلا للتقدم .. تقدم على يد التلميذ والجندي... الی أین ؟

 وكيف نطلب - إذا كنا محترمين لأنفسنا ــ مـن الأستاذ المعلم أو القائد الخبير أن يستجيب لتوجيهات التلميذ والجندي ؟ وأي توجيات يمكن أن يعطيها التلميذ لأستاذه أو الجندي لقائده ؟

إن النتيجة المتوقعة والضرورية ... هي وقوف دولاب العمل .. بل نكوصه إلى الوراء .. وتولد شحنات الحقد والصراع النفسي في قلوب وعقول كل من القائد والمعلم لابعادهما عن موقعهما الحقيقي ، ولوضع التلميذ والجندي في غير مكانهما الحقيقي .

ووسط هذا ...لا يمكن أن ننتظر من المجتمع تقدما أو انسجاما أو إبداعا.

وبالتأكيد فإن هذه هي صورة فرض نسبة الـ ٥٠ ٪ من الأميين على المجلس الدستوري الأعلى الذي يمثل الشعب أي شعب .

 أن التركيب الصحيح للمجتمع- أي مجتمع - لا بد أن يكون ابرز اهداف اي عمل صحيح وبالتالي لا بد من إلغاء كل الكليشيهات ، والنظر إلى الأمور بعين الموضوعية ، وإعطاء كل إنسان حقه … والواجبات التي يستطيع الإبداع في تقديمها .

وهذه هي الحرية الحقيقية ..حرية الحق والواجب..

الرابط المختصر :