العنوان واقع مظلم لحقوق الإنسان المسلم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1999
مشاهدات 107
نشر في العدد 1381
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 21-ديسمبر-1999
على الرغم من أن دساتير معظم البلدان العربية والإسلامية تكفل احترام كرامة الإنسان وحرية التعبير والرأي، وتشير إلى حرية الصحافة والنشر وحرية الاجتماع والانتقال، إلا أن الواقع العملي يشير إلى أن هذه الجملة من حقوق الإنسان وغيرها تعان من تجاوزات خطيرة.
وعلى الرغم من الحقيقة المرة التي تقول إن انتهاكات حقوق الإنسان تشكل ظاهرة عامة حتى في الدول الغربية التي تزعم أنها تضع هذه القضية في أعلى سلم أولوياتها، إلا أن ذلك لا يمثل مبررًا أبدًا للسكوت عن تلك الأوضاع خاصة في عالمنا الإسلامي الذي ينبغي أن يضرب المثال في احترام حقوق الإنسان، انطلاقًا من الشرع الإسلامي الذي يعلي من حرمة دم المسلم حتى يجعلها أعظم عند الله من حرمة الكعبة، ويقول الرسول ﷺ: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» (متفق عليه، ويقول أيضًا: «أيها الناس إن أباكم واحد، وإن أمكم واحدة، كلكم لأدم وآدم من تراب، الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».
وإذا ما حاولنا إلقاء نظرة على ما جرى ويجري في بعض بلداننا في الحقبة الأخيرة، فإن البصر يرتد حسيرًا لهول ما يجد من انتهاكات لحقوق الإنسان على يد معظم الأنظمة الانقلابية التي جاءت للحكم بدعم وتوجيه من الخارج، ومن قوى معادية للإسلام، وتأتمر بأوامره لمحاربة الإسلام واستضعاف المسلمين.
ففي بلد أفريقي مسلم سجن عشرات الآلآف خلال العشر سنوات الأخيرة ومن أفرج عنه مؤخرًا لم يزد على أن ينتقل من سجن صغير إلى سجن كبير، حيث يجبر هؤلاء على تسجيل حضورهم في مخافر الشرطة مرة أو أكثر كل يوم، وهم ممنوعون من حق العمل ومن شهود الجماعات في المساجد، يلاحق من يتصل بهم حتى أن بعضهم يؤثر العودة للسجن الصغير على قساوة وبشاعة ما يراه في السجن الكبير.
وفي بلد إفريقي آخر تجاوز عدد حالات الاعتقال خلال حكم الانقلابيين مئات الألوف من الأشخاص، قتلت أعداد كبيرة منهم داخل السجون، وقضى بعضهم سنوات طويلة رهن الاعتقال المتكرر في ظروف مأساوية يفتقد فيها المعتقل إلى أبسط حقوق الحياة حتى تضاعف عدد حالات الوفاة، وارتفعت بشكل حاد نسبة حالات العجز الجسدي والانهيار النفسي، كما جرى التوسع في اللجوء للمحاكمات العسكرية للمدنيين، وهي التي تفتقر إلى أدنى الضمانات القانونية بالمخالفة للدستور، ودون وجود أدنى ضرورة لذلك سوى بشاعة استغلال السلطة والبطش بدعاة الإصلاح.
وفي بلد ثالث راح عشرات الألوف من الأشخاص ضحية الرغبة المحمومة لدى البعض في الاستئثار بالسلطة في فتنة أكلت الأخضر واليابس، واختفى الألوف من الأشخاص دون أن يعرف لهم مصير، ولا يزال ألوف غيرهم في معسكرات الاعتقال بالصحراء.
وفي بلد آخر أخرج مؤخرًا بعد انتقال السلطة خمسة وثمانون ألف شخص من السجون، وفي بلد مشرقي خامس لا يزال الألوف بالسجون منذ قرابة عشرين عامًا دون أن يعرف ذووهم مصيرهم، وقد كبر الطفل وشاخ الشاب، دون أن يرى هؤلاء، ومن بينهم نساء وبنات نور الحرية، وقد قتل في ذلك البلد قرابة ثلاثون ألفًا ظلمًا وجورًا؛ لأنهم مسلمون.
وفي بلد آخر لا يزال المئات من الأسرى الكويتيين محتجزين دون وجه حق لسنوات عدة، وعلى الصعيد الداخلي تجرى عمليات الإعدام بالجملة، ولا يزال مصير عشرات الآلآف مجهولًا بعد أن اختفوا في ظروف غامضة، بل لجأ النظام هناك إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد أفراد شعبه.
وفي المناطق التي خرجت نسبيًا من سيطرة الصهاينة يسأم أهلها العسف والبطش على يد السلطة المحلية، ولم يعد هناك فارق بين الحالين حيث المعاملة السيئة واحدة.
وعلى هذا المنوال يمكن أن تسرد أوضاع حقوق الإنسان في عدد من الدول الإسلامية، فضلًا عن الأوضاع المتردية لأبناء الأقليات الإسلامية في عدد من الدول غير الإسلامية، ومن ذلك أحوال مسلمي كشمير، وفطان، ومورو، والروهنجيا، وسريلانكا، ومسلمي البوسنة، وكوسوفا في قلب أوروبا، كما أن ما يجري لمسلمي الشيشان على يد القوات الروسية الغازية يمثل أبشع انتهاك لحقوق الإنسان.
إن ما يقع للإنسان المسلم في عالمنا أمر يخالف كل القيم والأخلاق، وترفضه النفس البشرية السوية، ولا ينجم عنه إلا المزيد من الأزمات الاجتماعية والسياسية، إن أمتنا تواجه تحديات خارجية خطيرة في وقت بلغت فيه السيطرة الصهيونية والغربية شأوًا بعيدًا، ولا يمكن للأمة أن تواجه ذلك بجبهة داخلية ممزقة.
ومن هنا فإننا نطالب أولئك الحكام أن يراجعوا مواقفهم، وأن يعدلوا سياساتهم الظالمة، كما ندعوهم إلى مصالحة شاملة مع شعوبهم، وإطلاق السجناء، ورد المظالم، والتوبة إلى الله في هذه الأيام المباركة من سوء ما عملوه امتثالًا لأوامر الله سبحانه وتعالى، وتحقيقًا للحق والعدل الواجبين عليهم قبل أن وحتى لا يصيب الظالمين في عهدنا هذا ما أصاب من سبقهم:
﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ﴾ (سورة الحج: 45).
﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾ (سورة هود: 102).
﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ (سورة إبراهيم: 42).
نسأل الله -تعالى- في هذا الأيام المباركة أن يفرج كرب المكروبين، وأن ينصر المظلومين ويرد الظالمين، إنه على كل شيء قدير.