; واقعٌ مريرٌ.. ومستقبل غامض | مجلة المجتمع

العنوان واقعٌ مريرٌ.. ومستقبل غامض

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الجمعة 12-نوفمبر-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1627

نشر في الصفحة 23

الجمعة 12-نوفمبر-2004

الآن.. تعيش القضية - والشعب الفلسطيني واحدة من أدقِّ مراحلها.. وبالتالي، فإن التعامل المطلوب مع هذه الحالة لا بدّ أن يكون على نفس قدر الخطب والأخطار المحدقة.. فالتسرع في اتخاذ القرارات أو التحركات أو حتى إطلاق التصريحات لا يكون أبدًا في صالح القضية وهي على أعتاب مرحلة جديدة شئنا أم أبينا بعد كل الظروف التي ألمت بالرئيس عرفات والتي لا ندري حتى كتابة هذه السطور إلى أين وصلت حالته؟

ولا شكّ أن التصريحات المكثفة والمتدفقة من شتى القوى الفلسطينية منذ الإعلان عن مرض الرئيس عرفات والتي تجمع على حتمية وحدة الصف الفلسطيني، في هذا الظرف.. لا شكّ أنها تمثل باقة جميلة تعبر عن المشاعر والمجاملة وهي لا تعدو أن تكون كغيرها من باقات الورود مجرد إثبات موقف لا أكثر.. ومن هنا فإنني لا أعول كثيرًا على هذه التصريحات خاصة الصادرة عن الفرقاء داخل السلطة وداخل منظمة فتح التي يقودها الرئيس عرفات. ومن يحاول النفاذ خلف هالة هذه التصريحات والتعمق في حقيقة الحالة الفلسطينية المجردة يلمس تضاريس الخريطة كما يلي:

أولًا: لا جدال في أن مرحلة عرفات منذ ظهور منظمة التحرير عام «١٩٦٤م» وحتى اليوم تمثل مرحلة مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية بكل ما لها وما عليها.. بكفاحها ضد العدو الصهيوني ثم مفاوضاتها معه، وبأدائها الداخلي من حيث النجاحات والإخفاقات، وهي مرحلة تحتاج على العموم إلى وقفات وتحليل أوسع لا يتسع المجال له هنا، ولكن بعد خروج الرئيس من الساحة يكون من العبث أن يظن البعض في السلطة أو فتح أن شيئًا لن يتغير إلا بإحلال قائد فرد أو هيئة أو مجموعة تقود محل عرفات، وبمعنى آخر فإن كانت شخصية عرفات وتاريخه واتصالاته وقدراته قد مكنت للسلطة وفتح من الهيمنة على القضية والتحدث باسمها - رغم أن ذلك كان محل خلاف مع القوى الفلسطينية الأخرى خاصة الإسلامية فإن المرحلة الجديدة تستدعي من السلطة، وفتح، إعادة دراسة الأمر جيدًا وإدراك أن القضية بكل ما يكتنفها من تطورات مشهودة للجميع صارت أكبر من أن يحتكرها فصيل دون آخر.

ثانيًا: الإشكالية الكبرى أننا حين ننظر إلى حال السلطة وفتح ستجد أنفسنا حتمًا أمام ثلاث فرق متباينة بل ومتصارعة يتنمر كل منها للآخر، استعدادًا للانقضاض عليه أو استغفاله للملمة الأمر في حجره، أو جيبه والانفراد به:

  • فريق أصدقاء الصهاينة، أو محور أوسلو، وهو يشكل محورًا مهمًا. ساعدته الظروف الدولية والدعم والتشجيع الأمريكي الصهيوني على تثبيت أقدامه وتضخيم قوته وإكسابه نوعًا من الحيثية، وساعدته على ذلك أيضًا مسيرته التاريخية داخل منظمة التحرير، ويقود هذا المحور محمود عباس «أبو مازن» وهو رجل بهائي، ومحمد دخلان الضابط الشاب المعروفة قصته وعلاقاته وخيوطه مع الصهاينة منذ نشأة أجهزة الأمن الوقائي.

وهذا المحور بكل بساطة لديه قناعة تصل إلى حد الاعتقاد بضرورة وقف الانتفاضة وحل قوى المقاومة - في أضعف الأحوال - إن لم يكن تصفيتها والقضاء عليها لتخلية الساحة لـ مشاريع السلام التي هي في حقيقتها استسلام وبيع رخيص لفلسطين.

  • وفريق غارق في الفساد حتى أذنيه، وأعني الفساد المالي، والأخلاقي وفساد السطوة والجبروت.. تاجر في قوت الشعب المحاصر وابتدع سياسة ملء الكروش وعقد الصفقات التجارية مع الصهاينة.. وملفات تحقيقات السلطة الفلسطينية وتقارير المنظمات الدولية المانحة خير شاهد.

وقد مارس هذا الفريق نوعًا من الفساد الأخلاقي الرخيص على أبناء الشعب الفلسطيني وفرض الإتاوات وانتهك ما تبقى من حقوق الإنسان الفلسطيني، إن كان الصهاينة أبقوا شيئًا منها، ويقف في مقدمة هذا الفريق جنرالات السلطة وعدد كبير من قادة أجهزتها الأمنية التي يتوه المرء في عدها!.

  • أما الفريق الثالث داخل السلطة فهو فريق وطني نظيف يرى المقاومة خيارًا مهمًا لنيل حقوق الشعب الفلسطيني.. لم يتورط لا في علاقات مشبوهة مع الصهاينة، ولم تتلوث يده ولا سلطته بسرقة قوت الشعب ولا بانتهاك حقوقه. 

وهذا الفريق من السلطة هو فريق المرحلة وهو الأصلح للتفاهم والتباحث للوصول إلى صيغة مقبولة لقيادة مشتركة للقضية مع القوى الأخرى.. الإسلامية والوطنية.

لكن هل ستترك الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وما يسمى بمعسكر السلام في العالم العربي الفرصة لهذا الفريق لكي يكون في مقدمة السلطة، أو قيادة فتح؟ وإن تركوه فهل يتركه الفريقان الآخران ويودعان الساحة وينتهي عصر الغنائم وإشباع الملذات على دماء الشعب؟! تلك هي الإشكالية!

ولئن ارتضت السلطة بفرقائها جميعًا «الفرق الثلاثة» في حوار القاهرة المزمع عقده تشكيل قيادة جماعية...

فكيف سيكون وضعها وكم يكون عمرها قبل أن تنهارا الحقيقة أن هناك واقعا مريرًا يتجسد في أمرين:

  1. سلطة تتآكل على مذبح الصراعات العلنية والخفية ولعل تفجر الخلافات والصراعات والاشتباكات التي شهدتها الساحة طوال الأشهر الثلاثة الماضية ثم تبادل الاتهامات فجأة بين سها عرفات وقادة السلطة دليل على ذلك.

  2.  نشاط محموم داخل المعسكر الصهيوني ومن يخدمون على مخططاته لإنضاج طبخة تسفر عن تنصيب القيادة المطلوبة صهيونيًا وأمريكيًا رغم أنف كل الفرقاء.

وفي كل الأحوال فإن ما يتم الترتيب له على المدى البعيد هو تصفية تيار المقاومة ومحاولة اقتلاعه من التربة الفلسطينية وتسليم كل المفاتيح لتيار أوسلو وتيار الفساد ليقدموها هدية لشارون.. لكن ما يدبرونه شيء وما يدبره الله سبحانه وتعالى شيء آخر، والغلبة في النهاية لتيار المقاومة؛ لأنه تيار الشعب.

الرابط المختصر :