; واقع الحركة الإسلامية.. أزمة أم صعود؟ (١من٢) | مجلة المجتمع

العنوان واقع الحركة الإسلامية.. أزمة أم صعود؟ (١من٢)

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999

مشاهدات 66

نشر في العدد 1364

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 24-أغسطس-1999

 زعم بعض المشتغلين بقضايا الفكر الإسلامي من الغربيين أن «المد الأصولي» في حالة أزمة وتراجع، فما مدى صحة هذه الدعوى؟

مؤشرات كثيرة تشهد على أن مد الإسلام في تصاعد كمًّا ونوعًا، فعلى المستوى الأول يكاد عدد المسلمين يتساوى لأول مرة مع عدد النصارى في العالم؛ ليتخطاه في القرن القادم الحادي والعشرين، وفي مستوى الكيف والفاعلية هناك أكثر من مؤشر يدل على أن عملية اكتشاف الإسلام في تقدم مطرد لا بين غير المسلمين فحسب، بل أيضًا وأساسًا بين المسلمين، وإقبال الشباب على الالتزام بتعاليمه فتيانًا وفتيات، ولا سيما على صعيد طلاب المدارس والجامعات في تزايد مستمر، ولم يحدث ذلك، وحسب بعد انهيار الأيديولوجيات الشيوعية التي كانت أشرس عدو للإسلام، وإنما من قبل ذلك بكثير.

 وليس ذلك في قلب قاعدة الإسلام الأولى، وإنما في كل البلاد الإسلامية، حيثما توافرت فرصة للتنافس الديمقراطي، لقد أمكن للمذهبية الإسلامية أن تدحر أيديولوجيات التغريب في أعرق مواطنها في مصر وتونس والجزائر والمغرب وتركيا والسودان، وفي أندونيسيا أكبر بلد إسلامي اضطلع اتحاد الطلبة الإسلاميين بقيادة التغيير الذي أطاح بأقدم دكتاتور في المنطقة، وليحل محلة رئيس جمعية المثقفين المسلمين.

وما أمكن التصدي والحد من تصاعد المد الإسلامي في الجامعات وفي سائر مؤسسات المجتمع المدني، كالنقابات ونوادي الشباب وجمعيات عمل البر والمساجد والنوادي، فضلًا عن مجال التنافس السياسي، إلا بالاعتماد المتفاقم على وسائل القمع والإرهاب من طرف الدولة؛ مؤيدة غالبًا من طرف الجماعات العلمانية في الداخل، ومن طرف النظام الدولي في الخارج، على نحو بدا معه واضحًا أنه حيثما كانت هناك ديمقراطية ولو نسبية، فالفوز سيكون من نصيب الإسلاميين، ما يجعل غيابهم غيابًا للديمقراطية.

وبالنتيجة: إنه لا ديمقراطية عندنا دون إسلاميين، ولطالما أدى إقصاء الإسلاميين من الديمقراطية إلى إفلاسها والزج بالبلاد في كوارث الإرهاب والحرب الأهلية، والجزائر شاهد على ذلك، أو اختناق النظام السياسي جملة، وموت السياسة وإسلام أمرها للبوليس والمافيا.

واضح جلي إذن: أن حركة التوبة إلى الله على كل صعيد في تنام متسارع، وليس الإقبال على المساجد من طرف كل الفئات الاجتماعية، ولا سيما الشباب - مما لا تخطئه عين - وكذا تصاعد أعداد المقبلين على بيت الله الحرام، ولا سيما من طرف الشباب، وهو ما جعل مشهد الحج يتخذ سمتًا حيويًّا متباينًا مع مشهد الشيخوخة الذي كان عليه قبل ذلك، ليس كل ذلك وغيره سوى بعض آثار الصحوة العامة والتجدد اللذين تعيشهما الأمة.

ويمكن أن نمضي في استعراض آثار هذه الصحوة المباركة على الصعيد الفكري؛ حيث انزاح كثير من رواسب الانحطاط عن قلوب المسلمين عودًا إلى العقيدة الحنيفية الصافية من الخرافة والأوهام والبدع، وفشا فكر الاجتهادعلى أنقاض فكر التقليد، فغدا الاستدلال بالكتاب والسنة نهجًا متبعًا للمتعاملين مع الإسلام حتى من طرف صغار الطلبة، بما يعني عودة الارتباط الذي كاد ينقطع بين الأمة ومصادر قوتها وخزان طاقاتها، فانكفأ وتراجع التعصب المذهبي، والتقليد الأعمى، وتحرر الفكر الإسلامي إلى حد بعيد من أغلال الماضي وسلطانه القاهر الآسر.

وكان من نتائج هذا التحرر انفتاح باب الاجتهاد وتمكين الإسلام من إدارة الحوار مع الواقع الجديد، والتفاعل معه أخذًا وعطاء وقبولًا ورفضًا، وذلك بعد أن تم نفض الغبار عن كنوز في تراثنا كان قد حبسها، وأهال عليها التراب  عصرالانحطاط، مثل فكر الشاطبي في المقاصد، وأن الدين مبني على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وفكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في توافق صريح المعقول مع صحيح المنقول، وفكر ابن خلدون في ارتباط أحوال الدول بأحوال المجتمعات، وميراث ابن حزم في الرد على التقليد، وفي رعاية الإسلام للجمال والأذواق، ولقد أهلت هذه العملية الإحيائية لاكتشاف الإسلام من ناحية، واقتداره على التفاعل الرشيد مع العصر من ناحية أخرى في اتجاه استيعابه بديلًا عن رفضه أو الذوبان فيه، ما جعل ممكنًا الحديث عن نظام سياسي إسلامي حديث، يستمد شرعيته من الإرادة العامة حسب قواعد دستورية.

بكلمة واحدة إن العملية الضخمة التي بدأتها الحركة الإصلاحية بقيادة ابن عبد الوهاب أولًا في الجزيرة على الصعيد العقدي في القرن الثامن عشر، وقطعت شوطًا بعيدًا على صعيد التطبيقات الاجتماعية في القرن التاسع عشر على يد الأفغاني وتلاميذه، وتواصلت ولا تزال في القرن العشرين مع رشيد رضا، وشكيب أرسلان، والثعالبي والبنا، والمودودي، والفاسي وابن نبي محققة يومًا بعد يوم مزيدًا من النضج والتحرر من وهدة الانحطاط والاستيعاب للحداثة، والدخول بالإسلام إلى العصر قويًّا عزيزًا ثابتًا على مبادئه، متفتحًا على كل جديد، مستوعبًا على شروطه كل نافع، دافعًا أمته للنهوض والتوحد، مجاهدًا من أجل دفع العدوان وبسط العدل، حاملًا رحمته إلى الإنسانية المعذبة.

 إن هذا المسعى التجديدي المستهدف استئناف دورة حضارية إسلامية جديدة قد أخذ منذ أكثر من قرنين يتعزز يومًا بعد يوم، ويقترب من أهدافه.

إن الدعوة الإسلامية اليوم ترتبط في حس الجماهير بكل آمالها في العدل والوحدة والعزة وعودة الأخلاق إلى السياسة والحكم، وفي تحرير فلسطين والتصدي للعدوان الدولي على أمتنا، وذلك بعد أن اقترنت المناهج العلمانية التي حكمت حتى الآن في وجهها الليبرالي أو الاشتراكي بالقهر والظلم والفساد والتذيل للأجنبي، واستطالة الأذلاء اليهود على أمتنا في عهد دولة التجزئة والتغرب التي لم تر خلالها أمتنا غير الذل والهوان والقهر.

غير أن هذه العملية التجديدية لم تستكمل المرجو منها؛ بسبب عوائق من الداخل وأخرى من الخارج، نتناولها في العدد القادم إن شاء الله.

الرابط المختصر :