العنوان واقع الأمة ومسؤولية أبنائها
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1992
مشاهدات 69
نشر في العدد 1021
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-أكتوبر-1992
التواكل والتوكل في منظور الإسلام
يرفض منهج
الإسلام الصحيح التواكل، ويدعو إلى التوكل، ويوجه البشر إلى أن لله في كونه سننًا
من أخذ بها سبق ومن حاد عنها تأخر واندحر، ومع رسوخ هذا المفهوم وثباته في وجدان
كثير من المسلمين، فإن الكثيرين منهم بعيدون عن هديه، غير آخذين به، فلهذا سبقهم
غيرهم ممن لم يدينوا بدين الحق، وظن الجاهلون أن ذلك مرجعه إلى الدين وذلك ظن واهن
باطل، وزعم مرذول مردود.
فلا أحد كان يلتزم بالدين كما يلتزم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، انظر إليه في أي عمل قام به.. في جهاده نحو أعدائه أو في تنظيمه لشؤون المجتمع المسلم.. في أي عمل خارجي أو داخلي تجد مثال التخطيط السليم والهمة العالية والتنفيذ الدقيق مع حساب كل أمر، والأخذ في الاعتبار لكل طارئ، فكان بحق سيد المتوكلين العاملين، وتبعه في ذلك الصدر الأول للأمة.. علت همتهم، فسمت أمتهم وارتقت دولتهم، وظلت ترقى وترقى حتى كانت في وقت من الأوقات هي الأمة الأولى بين أمم الأرض قاطبة، ولسنا نتباكى على اللبن المسكوب، ولكننا ننبه إلى أن ضعف المسلمين ناتج عن فتورهم، وقلة إنتاجهم، وكثرة تخاذلهم أمام جد الأمور، وتواكلهم في حياتهم، واعتمادهم على ما عند غيرهم من صناعات وزراعات، ولسنا ندرى أي مصير كان ينتظرهم- في مجتمع السباع الضارية اليوم- لولا أن قيض الله لهم رزقًا ينبع من تحت أرجلهم من ثمرته يأكلون ويتمتعون، وربما هم- عن ذكر الله وشكره- غافلون.
براءة الدين من تخلف المسلمين
* إن دين الله براء من تأخير المسلمين والتبعية والمسؤولية تقع على المسؤولين الذين أخذوا من الدين القشور وتركوا جوهره |
فإن دين الله براء
من تأخر المسلمين براءة الذئب من دم ابن يعقوب، والتبعة والمسؤولية إنما هي
الواقعة على عاتق المسلمين، الذين أخذوا من الدين قشورًا وتركوا إليه جوهره،
وأبعدوه عن مجال التربية، وفصلوا أصوله وكثيرًا من فروعه عن التطبيق العملي،
والسلوك الفعلي داخل بلاد المسلمين، فساءت تربيتهم، وفسدت مقاصدهم، وليس أدل على
ذلك من أنه حتى وقت قريب كنت تجد في بعض بلادنا الإسلامية حفظة القرآن الكريم معفوين
من دخول الجيش وهذا في ظاهره تكريم لهم، وحث على حفظ القرآن الكريم وتشجيع على
الإقبال عليه، وفي باطنه انفصام بين سلوك المؤمن وما يدعو إليه الكتاب الذي آمن
به، فمن يجاهد في سبيل الله إن لم يكن حفظة القرآن الكريم هم أولى الناس بذلك؟
وهذا مثال من
أمثلة عديدة انفصل فيها الفكر النظري عن السلوك العملي، فتراخت من أجل ذلك همم،
وفترت نفوس، وصار الحق ثقيلا على كثير من الناس، وإن كانوا يعلمون أن فيه الفوز
والنجاة، وصار الباطل سهل التناول قريب المأخذ هينًا لينًا، تألفه النفوس ولا
ينكره- بقوة- بين الناس إلا قلة، فضعفت من أجل ذلك الأمة وتفرقت شيعًا (كل حزب بما
لديهم فرحون)، ثم يلام الدين ولا يلام المسلمون.. وأولى بنا ثم أولى بنا أن نبحث
عن أمراضنا وأن نعالج أمراض قلوبنا، وأن نطرد التراخي فينا بالسلوك الصحيح
والتربية القوية وأن نطلق الطاقات من محابسها، ونفتح أمام العقول مجالات الابتكار
دون إعاقة، وأن نبيين للناس مسؤوليتهم نحو دينهم ونحو أمتهم وبلادهم، وأن ندفع
فيهم روح القوة، وأن نشعرهم بأنهم أحرار لا يدينهم إلا فعل قبيح، أو جرم بين الناس
صريح.
أما أقوالهم التي
يريدون بها الخير، وأما حركتهم في الحياة فهم أحرار في إطار الإسلام، ومن المعلوم
الجلي والبين الظاهر أن المسلم ما لم يؤذ بيده أو بلسانه فهو محفوظة له حقوقه،
مصونة له كرامته، لا عيب عليه ولا تثريب، ومن المعروف أن كل فرد عليه واجبات واجبة
الأداء تلزمه لأن فيها للآخرين حقًا أو حقوقًا، فإذا ما قصر في أدائها فقد لحق
التقصير غيره من الناس، فإذا ما كثر عدد الذين لا يؤدون واجباتهم على النحو الأمثل
لعيب في ذواتهم أو لعيب في قوانينهم الأرضية، أو لعيب في أعرافهم وعاداتهم، إذا
كثر عدد المقصرين في مجتمع فقد أصبح المجتمع مجموعة من المقصرين في كثير من جوانب
الحياة.. فهل يرقي المجتمع أو تتقدم الأمة؟
الفرق بين التنظيم والتكبيل في المجتمعات
وإنه لفرق كبير
بين التنظيم والتكبيل.. التكبيل يعوق الحركة، ويوقف عجلة الحياة، والتنظيم ييسر
الأمور ويمنع الاضطراب، ويؤدي إلى التعاون والتكامل فيصل المجتمع إلى النتيجة
المرجوة، وهي الرقي والتقدم، ونظرة للإنسان في أمة متقدمة وأمه متخلفة لنرى الفرق
بينهما، الإنسان الأول عليه واجبات تؤدى داخل إطار عام من حركة المجتمع وله في
أداء هذه الواجبات كل الحرية مادام يؤديها على النحو الأمثل، لا تشل حركته قيود
ولا يعوقه خوف على وظيفة أو تهديد لبيته أو ماله أو عمله، هو إذن مطمئن لحقوقه نحو
المجتمع، يدرك أن حقوقه تأتيه، وأن المجتمع يحميه ولا يسلمه وأن القائمين على
المجتمع حريصون على أن ينال كل فرد حقوقه طالما أدى ما عليه، ولذا يصير المجتمع من
حوله هو الحياة بعينها، بل إنه يدفع حياته ثمنًا لمجتمعه ولوطنه فلا حياة له بغير
ذلك.
|
* إن الأمم المتخلفة
تحارب كل إنتاج متطور يقوم به الأفراد لأنه يفتح الباب لعبقريات تظهر وقدرات
تعمل وعقول تفكر وتدبر مما تعتبره خطرًا على نظامها |
وفي الأمم المتخلفة لا ينال المرء حقوقه إلا بواسطة، فإن عجز عنها ضاعت منه الحقوق، ثم هو
مطالب بواجبات عليه أن يؤديها دون أن يجد لها مقابل ماديًا أو معنويًا في كثير من
الأحيان.. الأمم المتخلفة تحارب الناجحين، لأنهم خطر على السلطة، والأمم المتقدمة
تكرم الناجحين لأنهم امتداد لعمرها، ومدد لرقيها.
الأمم المتخلفة
تحارب كل إنتاج متطور يقوم به الأفراد، إن لم يكن خارجًا من عباءة السلطان لأنه
يفتح الباب لعبقريات تظهر، وقدرات تعمل، وعقول تفكر وتدبر، وكل هذا خطر على
السلطان فكيف يسمح به؟ ومصلحة الجموع، ومكانة الأمة، والإحساس بالأمن على المستقبل..
كل هذا ليس له حساب أمام حساب استمرار السلطان وعظمة الصولجان.
إن التكبيل الذي
نغرسه في قلوب أبنائنا وأطفالنا، يوم نفتح أبصارهم على أن لغيرهم ممن هم في سنهم
وفي مثل مراحل تعليمهم حقوقًا ليست لهم، إنه التقييد يوم نسمح لهذا بفعل أمر عام
ينعكس أثره على المجتمع، ثم لا نسمح لهذا بفعل هذا الأمر عينه.
إنه التكبيل يوم
تفتح الأبواب، كل الأبواب، لفرد أو لطائفة أو لجماعة معينة تفعل ما تشاء وقت ما
تشاء، ثم يغلق دونها الباب فلا يسمح لغيرها بمثل عملها.
إنه التكبيل يوم
يعاقب الأشراف الأطهار، ويحصد الأشرار الثمار، إنه التكبيل يوم تلفق التهم زورًا
وبهتانًا لفرد ولجماعة ثم بعد أشهر أو سنين يبرئها القضاء، ومع هذا يستمر المسلسل.
إنه التكبيل يوم
تشعر أن «فلانًا» الأوروبي يأخذ عشرة أضعاف زميله في العمل لا لكفاءة ظاهرة بل
لجنسية معظمة مقدرة.
ثم بعد ذلك
تقولون: أمم متخلفة!
يا أمة ضحكت من
جهلها الأمم!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل