; واقعنا.. وحال الأدب | مجلة المجتمع

العنوان واقعنا.. وحال الأدب

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973

مشاهدات 12

نشر في العدد 136

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 06-فبراير-1973

لكل إنسان طريقته في التفكير كما أن له طريقته الخاصة في التعبير، بها يفصح عن ذاته ونفسه، ويبرز فكره، ومكنون دخائله. ويوم أن يتحول بفكره إلى فكر آخر ارتبط به، أَيًّا كان، عن طريق دراسة أو مجرد اطلاع، ثم يحاول أن يعطي المفهوم الذي أدركه وأثر فيه، وقد انساق إليه انسياقًا تامًّا، وانجرف شعوره نحو ما قرأ وأصبح به كالمأخوذ أو المأسور، ونقل هذا الكلام، فإنه لا يعبر عن حقيقته الذاتية بقدر ما هو ناقل لأفكار غيره، غير هاضم -حتى- للأفكار التي ينقلها.

وكثيرون هم الذين تسمموا بأفكار غيرهم فنسخوها، فكانت نسخًا شوهاء لا صورة لها؛ لأنهم فقدوا الذات التي بها يكتبون، فجاءت كلماتهم عجفاء جوفاء، لا تدل على معنى بقدر ما هم أخذوها لصياغة جديدة ارتبطت في الأذهان ارتباط القراءة العالقة بذهن الطفل وهو يرددها دون وعي أو إدراك.

وضاعت الصياغة والفكرة بين محاولة الابتكار والتقليد، هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا «امتيازًا» في هذه الصنعة المتكلفة الثقيلة لا يشعرون بأنهم إنما يسيرون من غير فكر، لا انتماء له داخل إطار الفكر الذي به تسيل أقلامهم وتلهج به ألسنتهم.

ضياع هو التفكير بهذه الصورة، وعبث يدارى، والمخدوعون تنبسط له أنفسهم التي تصفق حتى للكلمات التي لا تدرك طبيعتها ومرماها بل المقصود منها.

وهذه الصورة التي أذكرها إنما هي تكاد تأتي على كثير ممن يحملون الأقلام عندنا، ولا يفلت من هذا النطاق إلا من عصم فكره واستقل بذاته وعرف قدرها، ولم يلق بنفسه في أحضان الثقافات الأخرى لدرجة الإزراء بمن يلقون بأنفسهم في أتون اللاوعي، وتنسحب ظلال هذه الكلمات على وجوه وجدت لها مرتعًا في خيال الكثيرين من المتتبعين للثقافة الذين يظنون أن كل كتاب كتب إنما هو زاد يقتنى ومنه يستفاد، وهم لا يدرون أنهم يقعون في أحابيل الفراغ، وأن الجهل قد أفرخ في ثنايا الأفكار المبثوثة لما يقرأون.

أما الذين هم على بصيرة من أمرهم، والذين وعت أنفسهم كثيرًا من علل حاضرهم، وعلمت عن يقين أدواء العلل، فإنهم يتوقفون كثيرًا، ويناقشون كثيرًا؛ لأن الأمر لا يدخل في نطاق التسليم من أول مرة إنما يقدح المرء فكره ويحرك ملكاته وأعصابه حتى يتمكن من أن يقبل أمرًا ويرد آخر.

واقعنا وحال الأدب بينهما فارق كبير وبون شاسع؛ فالأدب صورة للمجتمع ووجه من وجوهه البراقة، والأدب ليس تسلية كما يظن كثير من الناس، لكنه لخدمة هذا المجتمع بكل مقوماته، بكل ما فيه من حركة صغيرة أو كبيرة، ثم إنه تعبير -كما أوضحنا من قبل- عن كل ما في الوجود، وإنما لعظمة تبلغ بالأدب مبلغًا رفيعًا يوم تكون حياته حياة هذا الكون، بكل حركة فيه وكل هداة.

أما أن ينطلق الكاتب إلى محيط غير محيطه، وفكر غير فكره، ومشاكل تدور بعيدًا عنه ثم يحاول نشرها في مجتمعه كطريق للخلاص من أزمات الفكر والتخلف، فإنها إهانة لنفسه ولمجتمعه، ثم إن في ذلك إخلالًا بالمقاييس والموازين، ويكون بذلك قد أتى بثوب لا يناسب لابسه، وبدلًا من أن يثمر الخير جلب الشر واستصلح ما لا بد للخير فيه. بهذه الصورة يكون قد أفسد وأكثر، بدلًا من أن يكون قد أصلح وأثمر.

والمجتمع يبحث عن الفكر الأصيل فيه، يبحث عن قيمه وأخلاقه، يبحث عن نفسه وذاته لتحل له مشكلاته وتغوص إلى أمنياته، وتحدد له وجهة السير، وتوضح له الهدف والغايات.

ونشدان هذا لن يكون في واقع مخالف للواقع الذي يعيشه المجتمع بما عنده وبما فيه، أو بيئة تخالفه مخالفة تامة في كل نمط حياتها العقيدية والاجتماعية وما إلى ذلك من أنماط، وكما أن النخل لا يغرس إلا في منابته، كذلك زرعنا لفكر غريب عنا في أرضنا وأفكارنا لن يجد ما يجده عند أهله، وحتى لا نلقي اللوم على أنفسنا بأنه لا رجاء فينا للمستقبل! إننا لن ننكر أنفسنا عندما نهمل ما صرف فيه الأجداد وقتهم ليرسوا لنا دعائم ثقافة بهرت عظمتها كل مطلع عليها.

بنظرة بسيطة، نظرة تأمل حقيقية، يدرك كل من له لب حصيف أنه يستطيع أن يساعد في وضع اللبنات متراصة مع بعضها لتحديد الوجه المطلوب إطلالته على العالم، سيكون هذا الناظر عندئذ معروف الوجه والوجهة، محدد الاتجاه والنزعة، سيكون معترفًا بذاته وبنفسه.

ليالي تركستان

«ليالي تركستان» الرواية الثالثة لنجيب الكيلاني في سلسلة الروايات الإسلامية المعاصرة. وليالي تركستان صورة حزينة ولحظات من العمر تعيسة، تلك التي تناولها موضوع الرواية. مأساة دامية مرت وخضع الناس لكل ما مر ببسالة، ولم يدرك الكثير من الناس تلك المأساة؛ الطاعون الأحمر الذي زحف منذ زمن ليس بالبعيد ليقضي على ممالك إسلامية كان لها في التاريخ الإسلامي نصيب كبير ومواقف مشهودة، ثم سار في طريقه وأتى على كل ما طالته يداه وأنشب فيها مخالبه.

وتظل قصة الأبطال في التاريخ غرة الحديث والكتابة، ونورًا يجتلي اللاحقون به دروب السابقين، الذين صمدوا وكافحوا ورفعوا راية الله حتى آخر لحظة من حياتهم، لم يكن الضعف أو الاستكانة أو حتى التردد ليعرف طريقه إلى القلوب المؤمنة التي أُشربت تلك المبادئ السامية، فظلت تنظر إلى السماء بيقين جازم أنها لن تظلم قيد أنملة في ملكوت الخالق الذي يدعوهم إليه، ومن هنا سطروا آيات الجهاد على صفحات التاريخ بأرواحهم، ومضوا ليخلوا السبيل لمن ينشد العزة ويبتغي الكرامة.

الرابط المختصر :