; واشنطن تراجع سياساتها بشأن العراق | مجلة المجتمع

العنوان واشنطن تراجع سياساتها بشأن العراق

الكاتب أحمد كرماوي

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 73

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 28

السبت 08-نوفمبر-2003

طلبت الإدارة الأمريكية من وزارة الدفاع «البنتاجون» إحياء خطط قديمة لبناء قوات الأمن العراقية وإعادتها إلى العمل لحفظ الأمن في أسرع وقت ممكن. جاء هذا الطلب بعد تزايد العمليات الهجومية التي استهدفت القوات الأمريكية في العراق والتي بلغت معدلات لم تستطع معها واشنطن إخفاء أثارها وعنفها، وجعلتها أمام حقيقة لم يعد الشارع الأمريكي غافلاً عنها، مما قد يربك حملة الرئيس بوش الانتخابية.

الحكومة الأمريكية - ومن أجل التغطية على فشلها في احتواء الساحة العراقية - بدأت تكرر من جديد أن العمليات التي تستهدف قواتها في العراق والتي أخذت منحى جديدًا مؤخرًا كما وكيفًا، إنما هي من فعل بقايا النظام البعثي السابق، وأجانب أو عناصر من تنظيم القاعدة، وأن نائب الرئيس العراقي السابق عزت الدوري هو الذي يقود أو ينسق تلك الهجمات.

وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أعلن أن حجم قوات الأمن العراقية الآن «مائة ألف شخص» يأتي في المرتبة الثانية بعد القوات الأمريكية في العراق التي يبلغ تعدادها مائة وثلاثين ألفًا، وأضاف أن القوات العراقية ستكون قريبًا الأكثر عددًا. وكشفت مصادر أمريكية أن عناصر عراقية شابة «۱۸ و۱۹ عامًا فقط» يجري تدريبها حاليًا في العراق والأردن لتولي مسؤوليات حفظ الأمن خصوصًا في المناطق السنية شمال غرب بغداد وهي المناطق التي تشهد زخمًا في عمليات المقاومة.

وقد جرى بحث صعوبة تسلم مثل هؤلاء الجنود الأغرار مسؤوليات أمن صعبةوخطيرة في بغداد والمناطق التي شهدت عمليات مقاومة كبيرة، خلال اجتماعات استغرقت ثلاثة أيام عقدها الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد مع مسؤول الإدارة الأمريكية للعراق بول بريمر واتفقوا على أن هذه مجازفة لكن تستحق تجربتها باعتبار أنهم يظلون أكثر دراية بالوضع من القوات الأمريكية بحكم اللغة ومعرفة المكان، كما أن ذلك من شأنه تفريغ القوات الأمريكية لمطاردة المقاومين والمسلحين على حد تعبيرهم. 

ما حمل الإدارة الأمريكية على تغيير خططها بالنسبة للعراق الاستجابة الفاترة التي تلقتها من الدول الأخرى بخصوص إرسال قوات دولية للعراق، فالدعوة الأمريكية التي تسلحت بقرار من مجلس الأمن بهذا الخصوص لم تلق تجاوبًا يرضي إدارة بوش ويخفف من الأعباء التي يتكبدها الجنود الأمريكان في العراق.

واشنطن تدرك أكثر من غيرها أنها وقعت في مستنقع العراق على الرغم من محاولات أصحاب الأقلام المشهورة - وغالبيتهم من اليهود - تصوير الأمر على أنه ليس قاتمًا، خصوصًا بعد أن انتشرت في الصحافة الأمريكية تعبيرات يبدو أنها لن تخدم بوش ولا حملته الانتخابية الجارية، من قبيل أن العراق «فيتنام جديد»، وأوصاف للمقاومة العراقية بأنهم «فيتكونج العراق»!

الأقلام التي تنفث سمومها في أتون الحرب في العراق تبدو حكومية أكثر من الحكومة، فالقوات الأمريكية أدركت ورطتها بعد فوات الأوان وإذا كان كاتب يهودي مثل توماس فريدمان «نيويورك تايمز» لا يستهويه إسقاط لقب الفيتكونج، على المقاومة العراقية ويحبذ وصفهم ب «الخمير الحمر» العراقيين لأنه يعتبرهم قتلة مجرمين، فإن الاستنتاج السريع أن الإدارة الأمريكية تبحث عن مخرج سريع من ورطتها في العراق يحفظ ماء وجهها ويحفظ أكبر قدر من المصالح الأمريكية.

الربط بين العراق وفيتنام يبرز كثيرًا هذه الأيام في وسائل الإعلام الأمريكية وهو ما يشير إلى تنامي التيار الرافض للبقاء في العراق، مثلما نجح نفس التيار في حمل القوات الأمريكية على الانسحاب من فيتنام بعد أن تلقت هزيمة موجعة هناك. الكاتب اليهودي ريتشارد كوهين «الواشنطن بوست» أحصى أكثر من ۸۰۰ مقال في وسائل الإعلام الأمريكية ربطت بين العراق وفيتنام خلال أسبوع واحد فقط وعلى الرغم من أن كوهين من مؤيدي الحرب على العراق، إلا أنه وجد شبهًا بين الحالتين العراقية والفيتنامية، فالقوات الأمريكية ذهبت إلى فيتنام بسبب حادث الهجوم على سفينتين حربيتين أمريكيتين في خليج تونكين، وهو حادث شكك الكاتب في صحته، ونفس الأمر يضيف كوهين تكرر في العراق، فالقوات الأمريكية شنت حربًا على العراق بسبب مزاعم عن وجود أسلحة دمار شامل، يقول الكاتب إنه ثبت أنها «أسلحة وهم شامل»! وعلى الرغم من الحقائق التي أوردها كوهين إلا أنه يرى أن العراق يظل أكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة من فيتنام، وفي المقارنة فإن القوات الأمريكية خسرت أكثر من ٥٨ ألف قتيل في فيتنام «غير المهمة» مقابل حوالي ٢٥٠ جندياً في العراق.. «المهم.. هو عراق النفط» على حد تعبير كوهين.

هناك جدل في الشارع العراقي بشأن الموقف من المقاومة التي أصبحت تستهدف مراكز الشرطة العراقية إضافة إلى استهداف القوات الأمريكية ومكاتب الأمم المتحدة، لكن الرأي العام العراقي ومن ضمنه أعضاء مجلس الحكم الانتقالي مجمعون تقريبًا على ضرورة خروج القوات الأمريكية من العراق في أسرع وقت ممكن وتسليم مقاليد الحكم للعراقيين أنفسهم سمعنا هذا الموقف من أكثر من عضو في المجلس ومع مرور الزمن تزداد الهوة اتساعًا بين واشنطن ومؤيديها في بغداد من العراقيين وهو ما سيزيد من عزلة إدارة بوش وقد لاحظ الكاتب جيم هو جلاند «الواشنطن بوست» أن واشنطن بدأت تتململ من تحركات وتصريحات أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، فواشنطن برأيه لم تعجبها الطريقة التي كان وفد المجلس يتصرف بها وهو يحاول جمع تأييد دولي لقضيته حيث اعتبرتها واشنطن وسيلة لدغدغة مشاعر الحكومات الأجنبية التي تنتقد واشنطن. كما لم يعجب الأمريكان التعليقات التي صدرت عن أعضاء في المجلس على موقف الكونجرس الأمريكي من تخصيص مبلغ ۲۰ مليار دولار لإعادة إعمار العراق وقد لاحظ هوجلاند أن الأجواء بين مجلس الحكم الانتقالي وبول بريمر أصبحت مسممة بسبب الطالب المستمرة لأعضاء المجلس لإعطائهم مزيدًا من الصلاحيات لحكم العراق، فيما يكتفي بريمر برفع العصا في وجههم مطالبًا إياهم «باستخدام الصلاحيات التي منحها هو لهم»! ولاحظ المراقبون أن كثيرًا من أعضاء المجلس لم يعودوا حريصين على حضور الاجتماعات مع بريمر.

هذا التوتر بين واشنطن ومجلس الحكم الانتقالي إضافة إلى الأزمة الحادة التي تواجهها القوات الأمريكية هناك دفعا إدارة بوش إلى تغيير

نهج تعاملها مع المسألة العراقية من خلال العمل على تخفيف القبضة الأمريكية على الحكم في العراق ومن خلال إعطاء قوات الأمن العراقية دورًا أكبر في تولي مسؤوليات الأمن بدلًا من الجنود الأمريكيين.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن للسياسات التجميلية الأمريكية الهادفة إلى إعطاء مجلس الحكم الانتقالي مزيدًا من الصلاحيات أن تحل أصل الأزمة المتمثلة في تنامي المقاومة التي ترفض مجلس الحكم الانتقالي بنفس الدرجة التي ترفض بها الوجود العسكري الأمريكي؟

الرابط المختصر :