العنوان واشنطن تحاول تجنيد مرتزقة عرب للعمل في العراق
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003
مشاهدات 56
نشر في العدد 1568
نشر في الصفحة 30
السبت 13-سبتمبر-2003
خبراء: أمريكا تتحايل على قرار الجامعة العربية رفض إرسال قوات نظامية عربية.
مصر توقف إرسال 15 ألف ضابط أمن سابق طلبتهم شركة أمريكية!
في منتصف يوليو الماضي أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» وثيقة رسمية أعدها فريق من الخبراء والأكاديميين زاروا العراق، تعترف فيها بالفشل في وقف المقاومة أو تلبية تطلعات العراقيين، والفشل في حشد تأييد دولي كاف لوجودها في العراق أو إشراك الأمم المتحدة في عملية إعمار العراق. هذه الوثيقة -التي نشرها مركز الدراسات الاستراتيــجــيــة الأمريكي http://www.csis.org/ وشارك بخبرائه في إعدادها- تعتبر أن الوضع خرج عن السيطرة وأنهم يواجهون هناك «حرب عصابات حقيقية»، ومن ثم تقترح -في ضوء النقص في القوات الأمريكية ورفض دول العالم إرسال قوات للعراق- الاستعانة بقوات أو متطوعين -أو مرتزقة بمعنى أصح- لتكليفهم بحراسة منشآت عسكرية أو بترولية وغيرها لتخفيف العبء عن جنود الاحتلال.
بل إن توصيات الخبراء العسكريين الأمريكيين في هذه الوثيقة التي حصلت عليها «المجتمع» كانت واضحة في طلب السعي لتجنيد العراقيين الذين يعانون من البطالة، ومرتزقة عرب آخرين للخدمة العراق لتخفيف العبء عن العسكريين الأمريكان هناك، حيث تضمنت الخطة أو الوثيقة الخطوط العريضة لما سمي رسميًّا «إعادة إعمار العراق» واستهدف فعليًّا تخفيف العبء عن جنود الاحتلال عبر اقتراح تشكيل قوات أمن عراقية وإسناد عملية حماية المنشآت إلى «قوات مرتزقة» دون تحديد جنسيتها!
وزاد المأزق الأمريكي -وبالتالي ساعد على فكرة استقدام مرتزقة- أن الدول العربية رفضت -في قرار لوزراء الخارجية العرب أوائل أغسطس ۲۰۰۳ م- إرسال قوات عربية رسمية للعراق، مما استدعى البحث عن طرق أخرى، ومنها إصدار قرار من مجلس الأمن بالاعتراف بمجلس الحكم العراقي كمقدمة لطلب قوات. الذهن الأمريكي تفتق عن استقدام «عمالة» عربية ذات صبغة عسكرية من الضباط العرب المتقاعدين، بحيث يتم استجلاب عدة آلاف منهم من كل بلد عربي تحت بند «عمالة في الخليج» بمرتبات عالية في ضوء حالة البطالة والتردي الاقتصادي في العديد من البلدان العربية.
وهكذا كان من الطبيعي -بعد ترقب لإعلان طلب هؤلاء «المرتزقة» من دول العالم المختلفة- أن نسمع عن تجنيد مرتزقة عرب أيضًا ليس لأنهم الأفضل، ولكن «الأنسب» للظرف العراقي، حيث ستحجم المقاومة العراقية عن مهاجمة بني جلدتها من المصريين أو الجنسيات العربية الأخرى! والغريب أن خطة التجنيد هذه -تحت ستار العمل في الخليج والعراق معًا- بدأ تنفيذها بشكل سري على ما يبدو لولا افتضاح أمرها في مصر ومبادرة الحكومة المصرية لوقف عملية إرسال «ضباط أمن مصريين» للعراق، كما كانت تسميهم الإعلانات المنشورة في الصحف المصرية الرسمية في زوايا لا يقرؤها غالبًا سوى الباحثين عن وظائف.
حيث كشفت صحف حزبية ومستقلة مصرية هذه «الفضيحة» وشنت حملة ضد تولي شركات توظيف مصرية تعيين ضباط جيش وشرطة مصريين متقاعدين للعمل في العراق لحماية قوات الاحتلال وآبار البترول والمنشآت الأخرى، فيما قالت مصادر برلمانية إنها تعتزم طرح الأمر على البرلمان المصري. القضية بدأت بقيام شركات توظيف مصرية «الخليج - الشرق العربي - أبو علي» بنشر إعلانات صغيرة بجريدتي الأهرام والجمهورية المصريتين تحت عنوان «مطلوب للعراق والكويت»، تشير لاعتزام شركات التوظيف بإرسال من أسمتهم علنًا «ضباط أمن» وقالت بوضوح إنها تطلبهم «من العسكريين المصريين السابقين في الجيش والشرطة المصرية»، وذلك للعمل في العراق والكويت.
ورغم أن الإعلان تحدث عن ضباط متقاعدين، فقد اشترط أن يكون السن ما بين ٢٥ إلى ٤٥ عامًا، مما يعني أن المطلوبين شبان صغار السن بشكل أساسي لاستخدامهم كدروع بشرية لحماية المنشآت الأمريكية والبريطانية في العراق. وقد حدد الإعلان رواتب هذه الخدمة بما يتراوح بين ٥۰۰ إلى ۲۰۰۰ دولار، فيما تردد أن الشركة التي تقوم بتوظيف هؤلاء المتقاعدين «شركة الخليج الدولية» ستحصل على عمولة ١٠٠٠ جنيه عن كل فرد، وعلم أن هذه الشركات المصرية كانت وسيطًا لشركة الخليج الدولية الكويتية لتسفير العمالة، وهذه الأخيرة كانت وسيطًا لشركة «منتاك» الأمريكية.
١٥ ألف مصري.. الدفعة الأولى!
وقد ظهر أن المطلوبين سيكون عملهم -وفق ما أسر به بعض مسؤولي هذه الشركات- هو حماية آبار وأنابيب النفط التي تتعرض إلى هجوم متواصل من المقاومة العراقية، والعمل تحت إمرة الأمريكيين بشكل مباشر. وتقول مصادر صحفية لـ المجتمع: إن الدفعة المطلوبة في المرحلة الأولى هي ١٢ ألف شاب مصري «وزارة القوى العاملة أشارت إلى أن الدفعة الأولى كانت ١٥ ألفًا»، ثم ستتوالى الدفعات التالية دونما تأمين على أرواحهم، وأن الشركة التي نشرت الإعلان أبلغت الشبان أنهم سيعملون في إعادة إعمار العراق ضمن شركات المقاولات، ولكن الحقيقة -كما تقول المصادر- أن الخطة التي يجري الإعداد لها هي إرسال حوالي ۱۰۰ ألف شاب مصري لحراسة أنابيب النفط العراقية وحماية المنشآت.
الوزارة.. آخر من يعلم!
ورغم أن شركات التوظيف المصرية حصلت على تراخيص من وزارة القوى العاملة المصرية ونشرت إعلانات في الصحف المصرية تطلب هذه العمالة، إلا أن وزارة القوى العاملة بدت وكأنها لا تعلم شيئًا عن الموضوع. ولولا تنبه الصحافة المصرية المستقلة إلى ما يجري لاستمر مخطط التوظيف. لكن فور الكشف عن طلب عمالة مصرية من ذوي الخبرة العسكرية في الصحف الرسمية، تحركت الأجهزة الرسمية المصرية ووزارة القوى العاملة بسرعة لاحتواء ما وُصف بأنه «فضيحة» إرسال ضباط أمن مصريين إلى العراق.
أما الطريف حقًّا فكان تأكيد وزير القوى العاملة المصري أحمد العماوي أنه تم وقف سفر الضباط المتقاعدين، لأن «المسألة حساسة وتمس الأمن القومي»، رغم أن وزارته هي التي أعطت هذه الشركات تراخيص جلب العمالة ونشر الإعلانات في الصحف. وقال الوزير: إن هذه المسألة تحتاج إلى «دراسة» جادة لنتائجها لأن عمل هذه العمالة في العراق في أغراض الأمن والحراسة يعرضها لأعمال عنف، وبالتالي سقوط ضحايا، وقد تم استدعاء الشركات التي نشرت الإعلانات ومطالبتها بالتوقف الفوري عن إرسال أي عمالة مصرية إلى العراق بهذه الطريقة.
الهدف توفير الخسائر الأمريكية: ورغم أن اللواء طلعت مسلم الخبير العسكري المصري يرى أن استجلاب العمالة العربية ذات الطبيعة العسكرية للعراق ليس بالضرورة تحايلًا على الرفض العربي لإرسال قوات رسمية عربية للعراق، فهو يؤكد أن الهدف الرئيس من هذه العملية هو توفير الخسائر البشرية في قوات الاحتلال الأمريكية نتيجة هجمات المقاومة على منشآت الاحتلال والمنشآت النفطية.
ويقول اللواء مسلم في تصريحات للمجتمع: إن التمويل لا يهم القوات الأمريكية ما دام الهدف أن تكون القوات في أمان في نهاية الأمر، وأن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة لتوفير قوات رسمية «نظامية» أو غير رسمية «مرتزقة أو عمالة وافدة» لتنفيذ مهام خاصة تتمثل في حماية المنشآت الأمريكية في العراق، وتحل محل القوات الأمريكية التي تعاني من نقص في أعدادها وتسعى لتوفير خسائرها العسكرية نتيجة المقاومة. وقال اللواء طلعت مسلم إنه يعتقد أن العملية ليست قاصرة على مصر، ولكنها ربما تكون خطة لجلب عمالة ذات خبرة عسكرية من دول عربية أخرى.
المرتزقة في الجيش الأمريكي
ولا تعتبر مسألة تجنيد عمالة للعمل في العراق لحماية قوات أمرًا جديدًا على الجيش الأمريكي الذي سبق أن استعان بعشرات الشركات التي تعمل في مجال توفير المرتزقة العسكريين المحترفين. وقد أشارت دراسات أمريكية -سبق أن نشرتها المجتمع- إلى أن ما يسمى «الحرب على الإرهاب» وخوض جولتين حربيتين حتى الآن في أفغانستان والعراق، ضاعف من تعاون الإدارة الأمريكية مع المرتزقة للقيام بأعمال من الباطن، حيث يطلق عليهم اسم «متعاقدون عسكريون من القطاع الخاص»، وأن البنتاجون لا يستطيع خوض حرب من دونهم، فهم يحلون محل الجنود المقاتلين في كل شيء من الدعم اللوجستي إلى التدريب الميداني والاستشارة العسكرية في الداخل والخارج.
وقد كشف خبراء عسكريون أمريكيون عن تجاوزات فيما يتعلق باستخدام وزارة الدفاع الأمريكية لهؤلاء المرتزقة بكثرة، حيث يقول الكولونيل هاکوورث الذي حصل على عدة أوسمة خلال حرب فيتنام: «هؤلاء المرتزقة الجدد يعملون في وزارة الدفاع ووزارة الخارجية بينما يتغاضى الكونجرس عن ذلك، وهذا يسمح لنا بدخول حروب حيث نتردد في إرسال الجيش أو المخابرات المركزية، وفي النهاية فإن دافع الضرائب الأمريكي يدفع لجيش المرتزقة التابع لنا، وهذا يناقض تعاليم أبائنا المؤسسين».
كذلك فإن وجود مثل هذه الشركات يسمح للإدارة الأمريكية بتنفيذ أهداف متعددة في السياسة الخارجية دون الخوف من الاهتمام الإعلامي الذي يترافق مع إرسال جنود أمريكيين في توابيت بعد أن يقتلوا في معارك خارج البلاد، والإنكار هنا «للمهمة» أسهل على الحكومة عندما لا يكون أولئك العاملون في الخارج مرتدين الزي العسكري الرسمي. وقد ترددت أنباء عن الاستعانة بالعديد من هذه الشركات عبر وزارة الدفاع الأمريكية في العراق لنقل توريدات عسكرية أو القيام بمهام عسكرية وحماية مناطق معينة، أو تنظيف مناطق بترولية من الألغام العراقية المزروعة أو بقايا القنابل العنقودية الأمريكية.
۲۰۰ ملیار دولار حجم نشاط شركات المرتزقة!
وقد أشار تقرير مهم نشرته صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية المتخصصة في ٢٩ أبريل الماضي ۲۰۰۳م إلى أن الدخل الأساسي لشركات المرتزقة الآن لم يعد يأتي من بلدان ما وراء البحار الفقيرة كالسابق، بل من دول الشمال الغنية حيث الجيوش الغربية المحترفة التي «تخصخص» نشاطاتها أكثر فأكثر مثل الحراسة والصيانة والتدريب والتعاون. وقالت: إن قطاع «النشاطات الأمنية الخاص الموسع» يحقق وحده حجم أعمال يبلغ حوالي خمسين مليار دولار في جميع المجالات، ويعمل فيه مليون شخص من بينهم ٨٠٠ ألف في أوروبا.
تسويق الاحتلال إعلانيًّا!
والعجيب أنه رافق حملة الإعلان عن طلب ضباط أمن عرب ذوي خبرة عسكرية للعمل في العراق، حملة أمريكية أخرى -عبر وسطاء إعلانات عرب- لتسويق الاحتلال وتلميعه والإيحاء أنه قدم العديد من الخدمات للعراقيين، وكان الهدف هو دفع المترددين في السفر للعراق لتوقيع العقود والسفر دون تردد. حيث نشرت صحيفة «العربي» الناصرية يوم ٢٤ أغسطس ۲۰۰۳ فضيحة أخرى تتعلق بقيام شركة مصرية تملك محطة فضائية أيضًا بما أسمته الجريدة «تسويق الاحتلال الأمريكي للعراق»، حيث أرسلت إحدى الشركات المصرية للإنتاج الإعلامي خطابًا إلى القنوات الفضائية المصرية والعربية موقعًا من مدير الأخبار تبشر فيه ببَث «باقة إخبارية يومية متكاملة تتضمن أحدث الصور والمعلومات حول التطورات السياسية وجهود إعادة الإعمار من ست مدن عراقية، وتتضمن هذه الباقة صورًا حديثة لمشروعات إعادة الإعمار وتطورات الأوضاع السياسية والأمنية في هذه المدن الرئيسة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل