العنوان واشنطن تبحث عن مخرج لقواتها من العراق
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1570
نشر في الصفحة 26
السبت 27-سبتمبر-2003
رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب:
لا نعلم كم ستدوم الحرب على الإرهاب أو إن كانت هذه الحرب ستنتهي أصلا لذلك فإن أمن قواتنا هناك سيبقى غامضًا
النائب آيك سكيلتون:
حجم الخسائر الأمريكية في العراق يثير القلق ويتطلب إعادة النظر في طريقة الاحتلال
تومي فرانكس:
عشرة جنود أمريكيين يقتلون يوميًا في العراق
الجارديان البريطانية
6 آلاف جريح أمريكي منهم 1500 جراحهم خطيرة
باتت القوات الأمريكية في العراق في مأزق كبير بعد تصاعد عمليات المقاومة العراقية ضدها، وهو وضع دفعها إلى تغيير استراتيجيتها في العراق عن طريق محاولة استقدام قوات دولية متعددة الجنسيات تحمل عن القوات الأمريكية عبء حفظ النظام وتوقف أعمال المقاومة، خصوصًا مع بدء حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية التي يجد الرئيس بوش حظوظه فيها متوقفة على أسلوب إدارته للوضع في العراق.
وفي هذا الصدد تجري الولايات المتحدة مشاورات مع أعضاء مجلس الأمن الآخرين بشأن مشروع قرارها الذي قدمته للمجلس لإرسال قوات متعددة الجنسيات إلى العراق، وحتى لو وافق مجلس الأمن على مشروع القرار فإنه من غير المنتظر - حسب رأي بعض المراقبين الأمريكيين - وصول تلك القوات إلى هناك قبل نهاية العام الحالي، مما يعني المزيد من الاستنزاف للقوات الأمريكية خلال الشهور الثلاثة القادمة.
ولا يعني ذلك أن الطريق سالك أمام واشنطن لتمرير مشروع قرارها، إذ إنه يلقى معارضة وتحفظات من جانب فرنسا وروسيا على وجه الخصوص اللتين ترفضان هيمنة القوات الأمريكية على تلك القوات، وهو شرط تضعه واشنطن لإرسال تلك القوات إلى العراق. وتأمل الولايات المتحدة أن توافق الأمم المتحدة على إرسال 60 ألف جندي من المرجح أن يكونوا من الهند وباكستان وتركيا وبنجلاديش، كما أنه من المحتمل إرسال لواء من قوات حلف شمال الأطلسي.
وذكرت مصادر الأمم المتحدة أن أعضاء مجلس الأمن الدولي ما زالوا ينتظرون صيغة جديدة لمشروع القرار الذي بدأت الولايات المتحدة في توزيعه مطلع سبتمبر بعد أن أعلن مسؤولون أمريكيون أن الولايات المتحدة تضع تعديلات على مشروع قرارها المتعلق بالعراق.
ويعالج مشروع القرار المؤلف من 18 مادة أربعة مواضيع أساسية، منها دور الأمم المتحدة، والتمثيل العراقي، والمساعدة الاقتصادية، وتشكيل قوة متعددة الجنسيات.
شدة الهجمات ضد القوات الأمريكية في العراق دفعتها إلى التفكير بالانسحاب من بعض المدن العراقية، فقد أعلن قائد هذه القوات الجنرال ريكاردو سانشيز أنه يدرس إمكانية سحب قواته في وقت قريب من بعض المدن العراقية إذا ما تأكد من أن قوات أمن محلية قادرة على أن تحل محلها.
وعلى الرغم من لجوء واشنطن إلى مجلس الأمن لحل معضلتها في العراق، فإن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يدافع عن سياسة الإدارة الأمريكية بشأن العراق ويرفض كل الانتقادات التي تواجهها الإدارة بشأن عملياتها هناك ويؤكد عدم الحاجة إلى تغيير هذه السياسة كما يطالب المجتمع الدولي.
وقال تشيني في مقابلة تلفزيونية مع شبكة «إن بي سي» الأمريكية إن القوات الأمريكية حققت نجاحًا وتقدمًا كبيرين في العراق على حد تعبيره باعتبار أن غالبية المناطق العراقية «مستقرة وهادئة»، وأن غالبية العراقيين ينظرون إلى الجنود الأمريكيين على أنهم محررون.
تشيني لم ينكر الثمن الباهظ الذي تدفعه القوات الأمريكية في العراق لكنه أصر على موقف إدارته وعلى التبريرات التي قدمتها لشن الحرب على العراق، فالإدارة الأمريكية لا تقلل من عظم التكلفة المالية، ولا من شأن المقاومة التي تواجهها القوات الأمريكية، ولا من حقيقة الحاجة إلى مزيد من القوات لاستتباب الأمن في العراق.
وجاءت تصريحات تشيني في سياق الدفاع عن موقف الرئيس بوش بعد أن نشرت وسائل الإعلام الأمريكية استطلاعات رأي تشير إلى تراجع التأييد الشعبي الأمريكي لسياسات بوش خصوصًا بشأن العراق بعد تصاعد خسائر القوات الأمريكية هناك وفشل تلك القوات في العثور على أسلحة دمار شامل، وهو السبب الرئيس الذي أعلنته واشنطن لغزو العراق، وبعد أن اضطر الرئيس بوش لطلب ميزانية إضافية قدرها 87 مليار دولار لدعم عمليات القوات الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان، وهي أعباء سيتحملها دافع الضريبة الأمريكي.
وقد نشرت «الواشنطن پوست» نتائج استطلاع أجرته أكد أن غالبية الأمريكيين لا يوافقون على طلب الرئيس بوش من الكونجرس اعتماد هذا المبلغ الإضافي، وإذا أضفنا حجم المخصصات التي أنفقتها وتلك المقررة أصلًا لتمويل العمليات الأمريكية في العراق والتي وصلت إلى أكثر من 150 مليار دولار حتى الآن، فإن المواطن الأمريكي سيتحمل أعباءً مالية ضخمة إضافة إلى تزايد أعداد النعوش العائدة من العراق.
وما زال تشيني يصر على دعواه بوجود صلة بين النظام العراقي المخلوع وتنظيم القاعدة، وهي الاتهامات التي وجهها تشيني الصدام حسين في 16 مارس الماضي، حيث اتهم صدام حسين بتمويل تنظيم القاعدة وتوفير ملجأ لعناصرها، إضافة إلى زعمه بأن محمد عطا الذي تقول الإدارة الأمريكية إنه قاد هجمات 11 سبتمبر ضدها كان قد زار العراق قبل خمسة أشهر من تنفيذ الهجمات فعلى الرغم من تشكيك السي آي إيه بتلك المعلومة ومن تأكيد مكتب التحقيقات الفيدرالي أن محمد عطا كان موجودًا في ولاية فلوريدا الأمريكية في تلك الفترة المزعومة، فإن تشيني عاد وأكد عليها، وحتى السلطات التشيكية التي كشفت في أكتوبر عام 2001م قصة لقاء محمد عطا مع مسؤول عراقي «ربما من باب التملق للأمريكان»، هذه السلطات نفسها عادت وقالت إنها غير متأكدة من أن الشخص الذي ظهر في شريط الفيديو مع المسؤول العراقي هو محمد عطا! وللعلم فإن القوات الأمريكية اعتقلت هذا المسؤول العراقي من أصل فلسطيني في يوليو الماضي، لكنها حتى هذه اللحظة لم تحصل منه على تأكيد لقائه مع محمد عطا!
شعبية الرئيس بوش تراجعت بشكل ملحوظ بسبب الفخ الذي وقعت فيه القوات الأمريكية في العراق على وجه الخصوص، ففي استطلاع للرأي أجرته الواشنطن بوست مؤخرًا أوضح أن 58% من الأمريكيين يوافقون على الطريقة التي يقوم فيها بوش بعمله كرئيس للولايات المتحدة مقابل 40% أعربوا عن عدم رضاهم عن هذه الطريقة، وكان المؤيدون للرئيس بوش قد وصلوا إلى 77% في 9 أبريل الماضي وهو اليوم الذي سقط فيه نظام صدام حسين.
مأزق رامسفیلد
يحكم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد قبضته على البنتاجون، وهو من صقور الإدارة الأمريكية. وكان قبل الحرب على العراق قد طالب بسلطة كاملة للإشراف على خطة غزو العراق وإعادة إعماره، وهو مطلب وجد مقاومة من أركان وزارة الخارجية التي نجحت فيما بعد في إحكام سيطرتها على إدارة العراق من خلال تعيين بول بريمر حاكمًا مدنيًا بعد إزاحة الجنرال المتقاعد جاي جارنر صديق رامسفيلد.
ولا تخفي مصادر في البيت الأبيض وجود معركة تدور رحاها في واشنطن حول معالجة أزمة القوات الأمريكية في العراق، وطرفا هذه المعركة هما الجنرال الذي يدير الدبلوماسية الأمريكية «كولن باول»، والمدني الذي يدير المؤسسة العسكرية «رامسفيلد»، إلا أن المصادر نفسها تكشف ميل الرئيس بوش إلى رأي وزير خارجيته باول في طلب المساعدة من الأمم المتحدة لإرسال قوة متعددة الجنسيات للعراق.
الكونجرس اليوم ومعه قيادة الجيش الأمريكي تشير بأصبع الاتهام إلى رامسفيلد في المأزق الذي وقعت فيه القوات الأمريكية في العراق سواء في ضعف التبرير الأخلاقي للحرب - خصوصًا وأن هذه القوات لم تعثر على أسلحة دمار شامل في العراق حتى الآن - أو في حجم الخسائر البشرية التي تلحق بهذه القوات الآن من خلال عمليات المقاومة العراقية، إضافة إلى التكلفة التي يدفعها البنتاجون في العراق والتي تتجاوز أربعة مليارات دولار في الأسبوع الواحد!
مصادر البيت الأبيض تشير إلى أن رامسفيلد الذي ظل يحظى بثقة الرئيس بوش خلال الأعوام الثلاثة الماضية قد يجد نفسه معزولًا أو يفقد شيئًا من بريقه مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة، فمع تزايد الخسائر الأمريكية في العراق اضطر الرئيس بوش إلى الانصياع إلى رأي فريق وزارة الخارجية في محاولة استصدار قرار دولي جديد من مجلس الأمن لإرسال قوات متعددة الجنسيات إلى العراق، وهي محاولة يقال إن رامسفيلد أعرب عن تحفظاته عليها.
فالوزير الصقر لا يريد الاعتراف بالفشل أو حتى بالتراجع أمام التحديات الأمنية التي تواجه قواته في العراق، بل يريد المضي إلى آخر الطريق لأنه حسب وصفه «يتحتم على الولايات المتحدة ألا تدع العالم يعتقد أنها ستنسحب من المعركة كلما سالت من أنفها الدماء».
وقال رامسفيلد أمام مسؤولين عسكريين وحكوميين في جامعة الدفاع الوطني التابعة للبنتاجون إنه أكد للرئيس جورج بوش قبل تعيينه في منصب وزير الدفاع أن على بلاده أن تنتهج دائمًا نهجًا عسكريًا حازمًا، وذكر رامسفيلد بمثل أمريكي: «إذا تصرفت كممسحة للأرجل فإن الناس سيمسحون أرجلهم فيك»!
وتدافع كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي الأمريكي، عن رامسفيلد قائلة إن الوضع الصعب الذي تواجهه واشنطن بعد انتهاء الحرب في العراق لم يؤد إلى إضعاف دور رامسفيلد والبنتاجون، وتقول: «رامسفيلد والبنتاجون كان لهما الدور القيادي وستكون لهما القيادة في إعادة بناء العراق بعد الحرب»، فهذه الحرب من وجهة نظرها «وسيلة لتوحيد قيادة الجيش والجهود المدنية لإعادة الإعمار»! بل ذهبت رايس أبعد من ذلك حين أكدت ثقة بوش في وزير دفاعه «الذي نجح في معالجة الوضع في العراق.. وعندما تظهر المشكلات فإنه يتحرك لحلها»!
لكن الوضع ليس كما تقول رايس التي لا تختلف مع رامسفيلد في الاستراتيجية ولا في التكتيك، فالوضع في العراق كما تقول مصادر من داخل البيت الأبيض أضعف من موقف رامسفيلد داخل الإدارة خصوصًا أنه «يحشر أنفه»، كما يقول هؤلاء، في قضايا خارج نطاق اختصاصه وصلاحياته كوزير للدفاع، ولذلك فقد نصحه البيت الأبيض بالتنسيق مع الآخرين في الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بخططه ومبادراته.
لكن الاستياء من رامسفيلد برز داخل الكونجرس قبل شهور من غزو العراق عندما اشتكى رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ السيناتور جون وارنر «جمهوري» من أن رامسفيلد لم يكن يتعاون أو يتشاور مع مجلس الشيوخ، وهو ما قاله وارنر إنه لم يشهده خلال وجوده في مجلس الشيوخ منذ خمس وعشرين سنة!
أين الحقيقة في الخسائر الأمريكية؟
أعرب عدد من أعضاء الكونجرس عن خشيتهم وقلقهم من ارتفاع عدد قتلى وجرحى القوات الأمريكية في العراق جراء أعمال المقاومة خصوصًا مع توقعات بأن تبقى هذه القوات هناك لفترة طويلة، فقد أعلن دونكان هنتر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، أن القوات الأمريكية «هزمت العناصر الإرهابية لكنها لم تدمرهم»، على حد قوله.
وتوقع هنتر مصيرًا غامضًا لهذه القوات في المستقبل، وقال: «لأنه لدينا التزامات طويلة الأمد في أوروبا وآسيا ومتطلبات بعيدة المدى في العراق وأفغانستان ولا نعلم كم ستدوم الحرب على الإرهاب أو إن كانت هذه الحرب ستنتهي أصلًا، لذلك فإن أمن قواتنا هناك سيبقى غامضًا».
أما عضو اللجنة أيك سكيلتون «ديمقراطي»، فيقول إن حجم الخسائر الأمريكية الذي يثير القلق في العراق «يتطلب إعادة النظر في طريقة احتلال الولايات المتحدة للعراق»، وأشار سكيلتون إلى أن عدد القتلى بين الجنود الأمريكان في العراق خلال الشهرين اللذين أعقبا سقوط نظام صدام حسين كان أكثر بكثير من قتلى الأمريكان طوال العام الماضي في أفغانستان، ويضيف أن جنديًا أمريكيًا واحدًا يقتل كل يوم في العراق.
وهذا الرقم للخسائر الأمريكية ليس صحيحًا خصوصًا بعد اعتراف الجنرال فرانكس، قائد القيادة الوسطى السابق في الجيش الأمريكي، أمام لجنة في الكونجرس بأن ما معدله عشرة جنود أمريكان يقتلون في العراق كل يوم! وحسب الأرقام الأمريكية نفسها فإن معدل عمليات المقاومة العراقية ضد القوات الأمريكية هناك يتراوح بين عشرة و15 عملية في اليوم الواحد مما يؤكد صحة اعترافات الجنرال فرانكس أمام لجنة الكونجرس، وهو ما يبرر أيضًا الحمى الأمريكية من أجل الاستعانة بقوات دولية متعددة الجنسيات.
وقد اعترف وزير الدفاع رامسفيلد قبل نحو أسبوعين بأن عدد الهجمات على قواته تراجع من 25 إلى 14 أو 15 هجومًا يوميًا! شهود العيان في العراق يتحدثون عن خسائر أكبر من هذه بكثير، ويشيرون إلى حرص القوات الأمريكية على سرعة إزالة الآثار بعد كل هجوم تتعرض له هناك. وكشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية الأسبوع الماضي عن أرقام مثيرة للخسائر الأمريكية في العراق، إذ قالت إن هناك أكثر من ستة آلاف جريح أمريكي منهم أكثر من 1500 مصابون بجروح خطيرة تم إخلاؤهم من العراق خلال الأشهر الأربعة الماضية.
ويبلغ عدد القوات الأمريكية العاملة في العراق حوالي 148 ألفًا منهم حوالي 40 ألفًا لا يحملون جوازات أمريكية وإنما إقامات دائمة «جرين كارد»، وينحدر معظم هؤلاء الجنود من أصول لاتينية، الأمر الذي قد يسهل على الإدارة الأمريكية إخفاء خسائر جيشها في العراق.
وكشفت مصادر في وزارة الدفاع الأمريكية النقاب عن أن هؤلاء يذهبون إلى الحرب إما أملًا بتحقيق وعود لهم بتسريع إجراءات الإقامة أو وعود بتقديم تمويل للدراسة يصل إلى نحو 50 ألف دولار، إضافة إلى إيجاد فرص عمل في مجالات أخرى بعد انتهاء فترة خدمتهم العسكرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل