; واحة الإيمان: عوائق غرس هم الآخرة | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان: عوائق غرس هم الآخرة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

مشاهدات 102

نشر في العدد 839

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

‎١‏-طلب الدنيا:

‏لا شك أن المقابل للآخرة هو الدنيا، فيكون من الطبيعي أن أهم عوائق «غرس هم الآخرة» طلب الدنيا وحبها، ولا نعني بطلب الدنيا السعي من أجل الرزق، والنكاح، وبناء البيوت، والفرح بالأبناء، ولكننا نعني أن تكون هذه الأمور الدنيوية من المال والنساء والأبناء والعقار، والمنصب والطعام هي الهدف، وهي الهم، وهي الإله الذي يعبد مع الله أو من دونه (‎١)،‏ وعلى مقدار ما تهتم للدنيا وتتحرك من أجلها يخرج الله من قلبك هم‏ الآخرة.

‏كما ذكر ذلك مالك بن دينار: «والله ما اجتمعتا في قلب عبد قط: حزن بالآخرة وفرح بالدنيا، إن أحدهما ليطرد صاحبه» (2) ‏فكلما طلبت الدنيا، ازدادت الحجب التي تمنع استشعارهم الآخرة.

ويتعجب يحيى بن معاذ من عابد الدنيا ومضيع الآخرة، فيقول: «يا‏ بن آدم، طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها» (3).

2-‏ عدم تذكر أهوال القيامة:

‏فلا تمر في ذهنه أثناء صلاته وسكناته وخلواته مناظر الآخرة، وأهوال القيامة، وفي ذلك يحار التابعي هرم بن حيان من الذين يدعون خوفهم من النار واشتياقهم للجنة، كيف يكسلون عن أداء العبادات والتقرب إلى الله بالطاعات، فيضيعون أعمارهم بالنوم، وبلَغْوِ الحديث وغيره، فيقول: «ما رأيت كالنار نام هاربها، ولا كالجنة نام طالبها» ‎(4)‏ فلو أنهم استشعروا واستحضروا مناظر الآخرة لما ‏ضيعوا هذه الأوقات، وقتلوا أنفسهم بقتل أوقاتهم‏.

‏وأصحاب همِّ الآخرة ذوو إحساس مرهف، يتأثرون بمناظر الغفلة والغافلين، الذين يغلب على حياتهم الضحك والتنكيت، ولا تجد في حياتهم آثار الآخرة، ونجد هذا التأثر واضحًا في حياة الإمام حسن البصري، فيما جاء في سيرته أنه «مر‏ برجل يضحك. فقال: يا بن أخي، هل جزت الصراط؟‏ فقال الرجل: لا.

قال: فهل علمت إلى الجنة تصير أم إلى النار؟

فقال: لا.

قال: ففيم الضحك عافاك الله؟ والأمر هول.» (5).

‏وكان يقول لمثل هذا وأمثاله: «ابن آدم، أقلل الضحك، فإن كثيره يميت القلب، ويزيل البهجة، ويسقط المروءة، ويزري بذي الحال» (6).

‎٣-‏ طلب الرئاسة:

‏فإن من انشغل بطلب الرآسة، وقضى معظم حياته يتحايل من أجلها، يحلم بها ساعات الليل وساعات النهار، ويتنازل عن كل شيء، حتى عن دينه في سبيلها، فإن استشعارهم الآخرة لا يمكن أن يستقر في قلبه، وفي هذا يقول أبو جعفر المحولي: «حرام على نفس عليها رياسة الناس أن تذوق حلاوة الآخرة» ‎(7)‏ هذا فيمن أدرك الرآسة والمنصب، فكيف بمن لم يدركه ويسعى لإدراكه ليل نهار.

‎٤-‏ الاغترار بالصحة:

‏يغتر ما ابتلاه الله به من الصحة والعافية ‏والشباب، حتى ينسى أن مال ذلك إلى دود الأرض، خاصة إذا صاحب هذه الصحة لون من ألوان الملك والرئاسة، وقد لاحظ التابعي الجليل زر بن حبيش في الخليفة غفلة عن الآخرة، رجحها أن تكون بسبب صحته وشبابه، فأراد أن يزيل هذا العائق عن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فكتب له كتابًا جاء في آخره: «ولا يطمعنك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك، فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون:

إذا الرجال ولدت أولادها *** وبليت من كبر أجسادها

وجعلت لأسقامها تعتادها *** فذلك زروع قد دنا حصادها

فلما قرأ الكتاب بكى؛ حتى بلَّ طرف ثوبه، ثم قال: «صدق زر، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق» (8).

‏لقد أصاب الهم مقتلًا، ووفق زر في تحديد الداء الذي أصاب الخليفة، بعد أن ذكر ثلاث علامات لدنو الموت: رؤية الأحفاد، وترهل الجسد من‏ الكبر، ومعاودة الأمراض، مهما صاحب ذلك من الصحة فهي زروع يانعة مخضرة ناضجة؛ قرُب وقت قطافها (9).

(1) جاء ذلك مفصلًا في «تكوين هم الآخرة».

(2) صفة الصفوة 3/278.

(3) صفة الصفوة 4/93.

(4) صفة الصفوة 3/213.

(5) الحسن البصري ص87.

(6) الحسن البصري 88.

(7) صفة الصفوة 2/390.

(8) صفة الصفوة 3/32.

(9) هذه بعض العوائق وغيرها كثير.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1405

76

الثلاثاء 20-يونيو-2000

المجتمع التربوي (العدد 1405)

نشر في العدد 1535

85

السبت 18-يناير-2003

استراحة.. بيت وشاعر

نشر في العدد 1199

69

الثلاثاء 14-مايو-1996

استراحة المجتمع: (1199)