; واحة الإيمان.. صور من الندم يوم القيامة | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان.. صور من الندم يوم القيامة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986

مشاهدات 117

نشر في العدد 784

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 23-سبتمبر-1986

نعمتان:

روى البخاري في صحيحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون([1])  فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» ([2])

يقول ابن بطال: «معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على ألا يغين بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون» ([3]).

وقال ابن الجوزي «قد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل في الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط([4])، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون» ([5]).

الصورة الأولى: القيامة الأولى:

القيامة الأولى التي يواجهها الإنسان هي الموت، ويبدأ الندم عند اللحظات الأخيرة من عمره عندما يستيقن بخروج روحه من جسده ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ (القيامه:٢٨-٢٩)، وفي تلك الأثناء يتذكر آلاف الساعات التي لم يستغلها في طاعة الله، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليعمل صالحًا ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (المؤمنون:٩٩)، فهي أول أمنية يتمناها الإنسان أن تترك له فرصة العودة ليعمل صالحًا، وقد نسي أنه يخاطب علام الغيوم، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقد علم بكذبه، وأنه لو أعاده إلى الدنيا لعاد كما كان من فعل المعاصي والتكاسل عن فعل الخيرات، لذلك جاء الجواب قاطعًا لكل بصيص من أمل، ولكل ألفاظ الخداع التي كان يستخدمها للهروب من عذاب القبر ﴿كَلَّاۤ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَاۤىِٕلُهَاۖ وَمِن وَرَاۤىِٕهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ یَوۡمِ یُبۡعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠).

الصورة الثانية: عض الأيدي:

إنها لحظات الحسرة والندم، عندما يستيقن الإنسان وهو في أرض القيامة أن صاحبه الذي كان يصاحبه قد خذله، ولم يغن عنه من الله شيئًا، وأن تلك الجلسات والقهقهات، والليالي الحمراء، والمشاركة على موائد القمار والخمر لم تشفع في النجاة مما هو فيه، وهو يرى أمامه أن «أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة الرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه»، وفي رواية: «له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا»([6])، حينها ﴿یَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ یَدَیۡهِ یَقُولُ یَـٰلَیۡتَنِی ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِیلًا. یَـٰوَیۡلَتَىٰ لَیۡتَنِی لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِیلًا. لَّقَدۡ أَضَلَّنِی عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَاۤءَنِیۗ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِلۡإِنسَـٰنِ خَذُولًا﴾ (الفرقان:٢٧-٢٨).

يقول سيد رحمه الله: «فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها، إنما هو يداول بين هذه وتلك، أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من الندم اللاذع المتمثل في عضه على اليدين، وهي حركة معهودة يرمز بها إلى حالة نفسية فيجسمها تجسيمًا»([7])، إنها نتيجة طبيعية لمصاحبة أصحاب السوء ومعاداة أصحاب الصلاح.

الصورة الثالثة: عند عرض الأعمال:

وعندما يوضع كتاب الأعمال، ويرى كل إنسان ما قدم وأخر، يفاجأ صاحب المعصية بما في كتابه، فإنه لم يترك كلمة قالها من عشرات السنين، ولا فعلا قام به داخل الأبواب الموصودة، وفي ظلمة الليل فيصير نادمًا ﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ (الكهف:٤٩)، وقد نسي أو تناسى أنه كان عليه ملكان يسجلان عليه كل مثقال ذرة من معصية أو خير، وتتفاعل في نفسه الحسرة، فيتمنى أنه لم يسلم الكتاب ولم يعرف الحساب، بل يتمنى الموت ولا أن يرى هذا العذاب، ثم يتذكر أن المال والجاه والسلطان والتي كان يظن أنها تنفعه في الآخرة حتى أعمته عن النظر الى الحق وأصحابه، وتمادى في غيه ومعصيته، لم تغنه، وأدرك تمامًا أن المنجي في تلك اللحظات هـو العمل الصالح مع رحمة الله ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (الحاقة:٢٥-٢٩)، بل وتمنى أن يكون ترابًا تطؤه الأقدام، ولا أن يعذب ذلك العذاب ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ (النبأ:٤٠)، وعلى مقدار ما كان يحرص على الحياة في الدنيا، نراه يتمنى الموت في الآخرة، بل تكون هي أجمل أمانيه.

________________________

([1]) مغبون بمعنى خسران.

([2]) البخاري – الفتح 6412.

([3]) فتح الباري 11/230.

([4]) المغبوط: المحسود من غير تمني زوال النعمة.

([5]) فتح الباري 11/230.

([6]) البخاري 11/372 الرقاق.

([7]) الظلال 5/ 2560.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل