العنوان واحة الإيمان: «سوء الخاتمة»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1986
مشاهدات 84
نشر في العدد 789
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-أكتوبر-1986
أورد الإمام القرطبي في كتابه «التذكرة» قصة ذلك المؤذن الذي كانت
يبدو عليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة، يقول القرطبي: «فرقى يومًا المنارة على
عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني ذمي، فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب
الدار، فافتتن بها وترك الأذان، ونزل إليها ودخل الدار فقالت له: ما شأنك ما
تريد؟ فقال: أنت أريد! قالت: لماذا؟ قال لها قد سلبت لبي وأخذت بمجامع
قلبي! قالت: لا أجيبك إلى ريبة، قال لها: أتزوجك. قالت
له: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك. قال
لها: أتنصر. قالت: إن فعلت افعل فتنصر ليتزوجها، وأقام معهم في
الدار. فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات
فلا هو بدينه ولا هو بها»(۱).
سوء الخاتمة أخطر محطة سيمر بها الإنسان قبل الآخرة، فيها سيتحدد إن
كان من أهل السعادة أو كان من أهل الشقاء، لحظات الخاتمة هي التي أقضت
مضاجع القوم، فحرمتهم النوم الهانئ، والعيش الهادئ، ولم يغتروا بعبادتهم مع
كثرتها، ولا بصلواتهم مع خشوعها ولا كثرة ما أهلكوا من أموالهم في سبيل الله، ولا
كثرة صيامهم في الهواجر، وقيامهم بالثلث الأخير من الليل، وهم يسمعون قول نبيهم
صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بخواتيمها»(۲) فيزيدهم ذلك خوفًا من الله.
ذراع عن الجنة
جاء في حديث ابن مسعود المتفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن الرجل
منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل
النار. ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب،
فيعمل بعمل أهل الجنة»(۳). فهذا الذي عمل هذه الأعمال الكثيرة من صيام وصلاة وحج وعمرة
وصدقة وختم للقرآن، ومرافقة الصالحين وأداء للنوافل حتى أشير إليه بالبنان وقيل
إنه من الصالحين، يختم له الله بخاتمة السوء، ويحرم من الجنة التي ما كان يحجزه
عنها إلا ذراع بالفترة الأخيرة من عمره، فربما كانت السنة الأخيرة، أو الشهر
الأخير أو الأسبوع الأخير، أو اليوم الأخير.
يتغير ذلك الإنسان رأسًا على عقب فينقلب ذلك النور إلى عتمة، وذلك الصلاح
إلى فجور، وذلك الطهر إلى خسة، وتلك الوداعة إلى نفور، وذلك العفاف إلى عهر، وتلك
المحبة إلى كراهية فيختم له بذلك. وتكون أعماله التي عملها فيما قبل هباء
منثورًا.
حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم واصفًا حال مثل هؤلاء الذين يعملون
الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم لهم بخاتمة السوء: «إن الرجل ليعمل الزمن
الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل
الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة» (٤).
سبب سوء الخاتمة
عن سهل بن سعد الساعدي قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل
يقاتل المشركين- وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم- فقال: «من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا،
فتبعه رجل فلم يزل على ذلك حتى جرح، فاستعجل الموت: فقال بذبابة سيفه فوضعه
بين ثدييه فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: إن العبد ليعمل- فيما يرى الناس- عمل أهل الجنة، وإنه لمن
أهل النار، ويعمل- فيما يرى الناس- عمل أهل النار وهو من أهل الجنة،
وإنما الأعمال بخواتيمها»(٥).
يقول الإمام ابن رجب الحنبلي معلقًا على الحديث، ومبينًا سبب سوء
الخاتمة «وقوله.. فيما يبدو للناس إشادة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف
ذلك، وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، أما من
جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت»(٦).
ويوافق ابن رجب الحنبلي الإمام ابن القيم بنفس السبب الذي ذكره إذ يقول:
«لما كان العمل بآخره وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه
آفة كامنة ونكتة خذل بها في آخر عمره فخانته تلك الآفة والداهية الباطنة في وقت
الحاجة، فرجع إلى موجبها، وعملت عملها، ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله
إيمانه»(۷)، فهذه الآفة الكامنة التي أصابت المقتل في اللحظات الأخيرة قد
تكون کسل عن أداء بعض العبادات، وقد تكون حبًا للنظر للنساء، وقد تكون عادة
بالسخرية على الآخرين، وقد تكون بغضًا لعباده الصالحين من الدعاة والمصلحين.. وقد
يكون أي شيء غير هذا لا ينتبه إليه ويحسبه صغيرًا، وإذا به ينمو يومًا بعد
يوم حتى يتحول إلى آفة تفتك به وترديه قتيلًا على أبواب حياة البرزخ.
____________
(1) التذكرة ٥٤/١.
(2) البخاري- الفتح ٦٤٩٣.
(3) اللؤلؤ والمرجان ١٦٩٥.
(4) مسلم ٢٦٥١.
(5) البخاري- الفتح ٦٤٩٣.
(6) جامع العلوم والحكم، ص ٥٠.
(7) الفوائد ۲۱۳- النفائس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل