; واحة الإيمان.. الخشوع المفقود | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان.. الخشوع المفقود

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1986

مشاهدات 54

نشر في العدد 774

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 08-يوليو-1986

إن الظواهر التي بدأت تظهر على الكثير، من قسوة للقلب وقحط للعين، واضطراب للجسد وانعدام للتدبر، بسبب المادية التي طغت على قلوبنا، فأصبحت تشاركنا في صلاتنا، وقراءتنا للقرآن، وزيارتنا للمقابر والمستشفيات حتى غدا أحدنا لا يكثر من قراءة القرآن، وإن أكثر فلا يعي قلبه ما يقرأ، وأصبح قيام الليل ثقيلًا على كثير من النفوس، وإن أقام أسرع بالصلاة، ونقرها نقر الغراب. هذه المادية هي دنس قد داخل القلوب، ولا يمكن للقلوب أن ترجع لحالتها الصحيحة حتى تتطهر من كل ما علق بها من أدران، فهذا هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان يضع يده على الداء لهذه الظاهرة فيقول «لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل» (1). 

فلا يكفي طهارة الجسد بالماء عن طهارة القلب من عوالق الدنيا ليحصل الخشوع المفقود.

بين الخشوع والتخاشع

والخشوع الحق يطلق عليه الإمام ابن القيم «خشوع الإيمان» ويعرفه بأنه «خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء، وشهود نعم الله، وجناياته هو فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح» (۲). 

فهو استشعار لعظمة الله وملكوته وأنت واقف بين يديه، كما أنه شهود النعم الكثيرة التي أنعمها الرب، والتي لا تحصى لكثرتها، وبالمقابل تذكر التقصير أمام هذا الكم من النعم مما يورث الحياء، ويبدأ القلب بالانكسار، ويصل القلب قمة الانكسار عندما يتذكر ما اقترف من المعاصي، والتهاون والتقصير مع رحمة الله به، وحلمه عليه، فيخشع القلب وتنبه الجوارح. أما الخشوع المغشوش فهو ما يطلق عليه الإمام ابن القيم «خشوع النفاق»، وإنه كما يصفه «فيبدو على الجوارح تصنعًا وتكلفًا، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى الجسد خاشعًا والقلب غير خاشع» (۳).

الخشوع المفضوح

إن قومًا حسبوا أن الخشوع هو طأطأة الرأس، والتماوت بالمشي، وتخفيض الصوت، ونسوا أن الخشوع خشوع القلب، فها هو أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يرى «رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك.. ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب» (4) فعمر رضي الله عنه هو الناسك حقًّا كما تصفه عائشة رضي الله عنها عندما رأت «شبابًا يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: نساك. فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقًّا» (5) ومع ذلك فما كان يطأطئ رقبته، أو يتماوت في مشيته، وهو الذي كما قال عنه الحسن البصري: «إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يمر بالآية في ورده فتخنقه فيبقى في البيت أيامًا يُعاد يحسبونه مريضًا» (6).

مواكب الخاشعين:

وأعقب جيل الخلفاء والصحابة الكرام أبناء الصحابة، والذي كان من أبرزهم ابن الزبير رضي الله عنه والذي يقول عنه يحيى بن وثاب «إن ابن الزبير كان يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا حذم (7) حائط» (۸). فهو مستغرق بالسجود، وهو يناجي ربه، وقد نسي كل ما على الأرض من طين، وتعلق قلبه بخالقه كأنه يراه، فما أجمل تلك اللحظات التي تسمو فيها النفس إلى هذه المنزلة فينسى عندها كل عوالق الدنيا وجواذبها، ومنهم يتعلم جيل التابعين في السجود. فها هو مسروق يقول لسعيد بن جبير «يا أبا سعيد ما من شيء يرغب فيه، إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب» (٩)، وهو لا يتحسر على أي شيء في الدنيا عندما يغادرها إلا على تلك اللحظات التي يكون أقرب ما يكون لله، فيقول «ما من الدنيا شيء آسى عليه إلا السجود لله تعالى». (١٠)

هؤلاء القوم تتعطل حواسهم جميعها عندما يقفون بين يدي الله، فلا يبقى لديهم إلا الخشوع بين يديه، فقد جاء في ترجمة محمد بن نصر المروزي قول أبي بكر أحمد بن إسحق «أدركت إمامين لم أرزق السماع منهما، أبا حاتم الرازي، ومحمد بن نصر المروزي، فأما محمد بن نصر فما رأيت أحسن صلاة منه، ولقد بلغني أن زنبورًا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه، ولم يتحرك».(١١)

الدموع الغالية

إن نيران المعاصي التي تأتي على قلب الإنسان فتحيله إلى فحم أسود كالكوز مجخيًا، لا يُطفئها إلا تلك الدموع التي تتفجر على أثر الخوف من الحساب يوم القيامة، والشعور بمراقبة الله على كل لفظ أو فعل، لذلك يقول الإمام الحسن البصري عن تلك الدموع الغالية «ما اغرورقت عين بمائها من خشية الله، إلا حرم الله جسدها على النار، فإن فاضت على خدها لم يرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، وليس من عمل إلا له وزن وثواب، إلا الدمعة من خشية الله فإنها تطفئ ما شاء الله من حر النار، ولو أن رجلًا بكى من خشية الله في أمة، لرجوت أن يرحم ببكائه تلك الأمة بأسرها» (۱۲) ها هي نيران المعاصي والغفلة تأتي على قلوبنا، فتحيل بينها وبين الخشوع، فهل نطفئها بالدموع الغالية ونبدأ المسير؟

الرابط المختصر :