العنوان واحة الشعر (1093)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994
مشاهدات 92
نشر في العدد 1093
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 29-مارس-1994
شعر: فيصل بن محمد الحجي
الفجر الدّامي في الخليل
وفي دقائق معدودة سقط تسعون شهيدًا ومئات
الجرحى.. فلمن نقول مرحى؟
تسعون تسعون..
أين الصد والرد؟ ** تسعون تسعون.. قد أعياكم العد
قضوا سجودًا..
ونار الحقد تحصدهم ** حصد الهشيم... ولما يرتوِ الحقد
تسعون يتلون
قرآنًا.. ولو رطنوا ** رطانة العلج ما آذاهم الوغد
أكل سيف يهودي
يغوص بهم ** كأنهم لحسام المعتدي غمد؟!
وقبله النار في
«الأقصى» معربدة ** و«البابري» تولت هدمه الهند
لكم روى الحزن
أحداثًا مؤرقة ** تعذب الحرف.. حتى أعول السرد
قل للذي ظن في
المأوى سلامته: ** ما للمآسي – مع استخذائنا – حد
يا من رأى الملأ
العاتين من صلف ** عانين للخصم.. في تفكيرهم قيد
ما قال قالوا..
وإن يزجرهم صمتوا ** كالببغاء بأقوال العـدا تشدو
هذا الأصولي
أعيانًا تطرفه ** وذاك إرهابه كالنار يمتد
أساءكم أنه
للدين منتسب ** وسركم حينما يصبو ويرتد؟
سيوفنا استهدفت
أبناءنا.. ونأت ** عن صد أعدائنا.. والحصن ينهد
كأنما الجاهليات
التي عبرت ** عادت.. ليرجع من عاداتنا الوأد
ما للجباه من
الإذلال ما نفرت ** وأدمن الصفع من أعدائنا الخد؟
كأنما الله لم
يزرع بأنفسكم ** بأس الأباة.. فلم يعبأ بكم ضد
لم ينجب النصر
من أصلابكم بطلاً ** يقرى العيون.. ولم يثمر بكم وعد
نامت صواريخكم
في محضن صدئ ** فقام بالعبء عنكم فتية مرد
كفوا سهاماً..
وكفوا ألسناً طعنت ** ظهر الأشاوس.. أو سنوا الذي سدوا
كأنما «ابن
سلول» صار أسوتكم ** لا خالد أو صلاح الدين أو سعدُ
كم مطلق من ذراع
غضة حجراً ** ومدفع القصر لا يورى له زند
قذيفة الطفل في
الميدان صاعقة ** و«الله أكبر» في آذانهم رعد
«ياسين» أعزل
مطروح.. ويَرهبَه ** «رابين» من حوله الأنصار والجند
من دير ياسين
خطوا للجهاد خطاً ** لما رأوا ما لهم من خوضه بد
يا نسمة من
جراحات الخليل أتت ** كأنها عن قبور غضة وقد
صفي لنا نكبة
الأحباب كيف جرت؟ ** صفي الدماء وحبل الصبر ينقد
كم الثكالى؟ كم
الأيتام عندكم؟ ** كم الأرامل والأحزان والجهد؟
صفي لنا المسجد
المزدان من دمهم ** كأنه الروض فيه الزهر والورد
دم الشهيد
عبير.. زاده عبقاً ** صوم الشهيد وذكر الله والحمد
يا حسرتا يا
إخلاء الخليل أسى ** تكاد تنشق من آلامي الكبد
قل للألى حفروا
«الأخدود» من سفه ** أرى الحفيد جنى ما قد جنى الجد
رمى الخليل..
وما ذنب الخليل وفي ** محرابها كملاك شعبها يغدو؟
ما أنتم بشر
تزكو مشاعرهم ** وذكركم في رؤى التاريخ مسود
كلا.. ولستم
وحوشاً.. فالوحوش لها ** عن المخازي التي تأتونها حد
أنتم شياطين شر
كل صنعتها ** قتل وغدر فما يُوفى لكم عهد
«بني قريظة» إن
العزم منعقد ** والسيف والنطع بالمرصاد واللحد
دم الضحايا ندي
لا يجف إذا ** لم يشتعل في ربانا الثأر والمجد
شباب صحوتنا
أشبال حاضرنا ** أين المفر إذا وافاكم الأسد؟
لا ينفع الرفق
في شعب يروح على ** حقد... ويغدو وفي أنفاسه حقد
ولا سلام
لديهم.. إنه شركُ ** يزل فيه الذي يصطاده الكيد
فيا خليلي في
أرض الخليل أفق ** من هول ما قد جناه معشر لد
أبشر خليلي في
الإسلام إن لنا ** رغم التنائي– لقاء قادماً يعدو
سيبرأ الجرح
والآلام تهجرنا ** ويعقب الجزر في أمواجنا المد
بدر الكرامة آت
لا مرد له ** وذا هلال الفدا في أفقنا يبدو
المجتمع الثقافي - قصة قصيرة
لا تنسوا أم ياسر
بقلم: عبد الناصر محمد مغنم - الرياض – السعودية:
يا إلهي.. لم يبق سوى دقائق معدودة ويعاد منع التجول في القرية من
جديد...! لقد نفد الطعام ولم يأت عبد الله.. ترى ما الخطب؟! ولمَ تأخر حتى هذه
الساعة؟! سترك يا رب.
أخذت الشمس تدنو من الأفق وتقترب من الغروب.. أرسلت أشعتها الحمراء
وأذنت برحيل.. خيم السكون وعاد أهل القرية إلى منازلهم.. خلت الطرقات من المارة
تماماً... فالكل يعلم أن هذا وقت مليء بالمفاجآت. جلست أم ياسر على مصلاها رافعة
أكف الضراعة تبتهل إلى الله عز وجل وتدعوه أن يأتيها برزق صبيتها الصغار، انهملت
الدموع على وجنتيها شفقة على أطفالها؛ فلقد اعتادت بعد استشهاد زوجها أن يطرق باب
بيتها -ما بين فترة وأخرى- شاب ملثم ويناولها كيساً متواضعاً فيه بعض الطعام..
وكان يجود عليها ببعض المال، وإذا ما سألته عن اسمه تودد إليها بعطف وقال: «عبد
الله»، ويبدو أن هذا الاسم يطلق على كل الذين يقومون بمثل هذا العمل الطيب في ظل
الاحتلال.
انتبهت أم ياسر من دعائها وتفكيرها على صوت محركات السيارات وقعقعة
المجنزرات التي اخترقت السكون بضجيجها، وراحت تنتشر في كل مكان وتنشر الرعب والفزع
وتنذر بالشر المستطير، وتنبئ بالمواجهات العنيفة التي صارت سمة بارزة من سمات
القرية.. تدافعت الأفكار والظنون برأسها.. كثرت التساؤلات المحيرة.. أين أنت يا
عبد الله الآن؟! ماذا سيفعل اليهود الآن؟ ماذا سأقول لأطفالي عندما يطلبون طعامهم
فلا يجدونه؟! أي مأزق هذا الذي وقعت فيه؟ فقد يستمر المنع مدة طويلة يصعب خلالها
الحصول على طعام الصبية الصغار، أيموتون جوعاً؟!
وقطع تساؤلاتها صوت جهوري بغيض: ممنوع التجول، على الجميع العودة إلى
بيوتهم.. اضطربت أم ياسر وتسارع خفقان قلبها.. قامت تنظر من الشباك وخلجاتها
تتعاظم.. بدأت تحس باليأس يغزو قلبها.. فهرع إليها
صبيتها: أمي... أمي.... ماذا أعددت لنا اليوم؟ نحن جائعون جداً يا أمي. نظرت إليهم
بعطف وضمتهم إلى صدرها.. تحدرت الدموع وتساقطت على البساط المخرق في بيتها..
انسابت كلمات رخية من فمها: يا رب... إن نسينا عبد الله فأنت لا تنسانا.
عللت أولادها ببعض الأناشيد البريئة.. وقصت عليهم حكايات طفولية
لتنسيهم الطعام بعض الوقت، لعل الفرج يكون قريباً. لم يمض وقت طويل حتى طرق الباب
طارق، ترى من بالباب؟ أهم الجنود...؟ ماذا يريدون ويحهم ليس في البيت رجال.. تمتمت
أم ياسر بهذه الكلمات وهي تتجه صوب الباب الخشبي المهترئ لبيتها، امتدت يدها لتفتح
للطارق، فجأة يدخل بخفة شاب تجلل بالسواد ووضع لثاماً بحيث لا يرى منه سوى عينيه...
- السلام
عليك يا أم ياسر. (يضع كيساً عن ظهره) هذا نصيبكم هذا اليوم... معذرة للتأخير.
تنظر إليه أم ياسر بدهشة وذهول.. ولكن أين عبد الله؟! ينظر إليها
ويطرق رأسه..
- أنا
عبد الله الذي سيأتيك بالطعام والمال منذ اليوم -إن شاء الله- أما أخي الذي
كان يأتيك من قبل.. (احتبست الكلمات في فمه... تلعثم قليلاً وارتج صوته.. لم
يتمالك نفسه وانهمرت الدموع على لثامه).
فزعت أم ياسر: ماذا حدث... أحصل له مكروه؟ قالت ذلك والوجل يخالط
قلبها والخوف يتسرب إلى كيانها. هدأ الشاب من روعها ثم قال:
- لقد
استشهد صباح هذا اليوم في مواجهة مع اليهود.. وعثرنا على وصيته في جيبه قبل
دفنه.. وقرأناها وإذا بها عبارة تقول: «لا تنسوا أم ياسر». وها أنا قد أتيتك
غير مبالٍ بالأخطار، تنفيذاً لوصيته -رحمه الله-.
انهمرت الدموع من عينيها... أخذت تسترحم على عبد الله وتلهج للمجاهدين
بالدعاء. انسل الشاب خارجاً.. وأطلق لساقيه العنان وسط الظلام.. أشرقت شمس ذلك
اليوم ساطعة لتشهد على أحداث جديدة، كانت الجموع تتزاحم عند المسجد.. جلجلت
الأصوات بالتكبير وهتف الجميع: بالروح بالدم... نفديك يا شهيد!