; واجب الحركة الإسلامية نحو الأمة | مجلة المجتمع

العنوان واجب الحركة الإسلامية نحو الأمة

الكاتب محمد أحمد نصر

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1327

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

ما إن رأى المصلون في مسجد الحي أحد القيادات الإخوانية المفرج عنهم مؤخرًا، حتى التفوا حوله في مودة وحبور، وأصروا على أن يؤمهم في الصلاة.

وفي أحد الأحياء الشعبية القريبة من جامعة القاهرة، صمم عدد كبير من الأهالي على أن يعلقوا لافتة بعرض الشارع للترحيب بعودة الطبيب المفرج عنه بعض قضائه ثلاث سنوات بالسجن متهمًا بحكم المحكمة العسكرية بالانتماء للإخوان المسلمين.

وفي منطقة شعبية أخرى بالقاهرة، انتشرت حالات تداول وتدخين البانجو بين الشباب غير المتعلم، ولم يجد الآباء والأهل سوى المسجد الذي يتردد عليه رموز الإخوان هناك، فاستنجدوا بهم، ولم يمض وقت طويل حتى انتشرت لافتات التوعية والتحذير، وطارد الإخوة في مهارة ولباقة الغرباء الذين جاءوا لبيع البانجو حتى قطعوا دابرهم.

وتذكر إحدى السيدات أن معلمة للبنات بحي شعبي في الجيزة حكت لها أن إدارة المدرسة اكتشفت في هذا العام الدراسي حالتي حمل غير شرعي بين التلميذات، وبعد هذه الكارثة جاءت مديرة المدرسة إلى المعلمة المعروف عنها «التزامها الإسلامي» وقالت لها: أنت منذ الآن مسئولة عن النشاط الديني، وعليك أن تفعلي أي شيء يحمي بنات المدرسة من الانزلاق إلى مثل هذه المصيبة البشعة، وإذا كنت أمًّا لثلاث بنات في بيتك، فأرجو أن تعتبري كل تلميذات المدرسة بناتك.

وتواصل السيدة روايتها فتقول: إن المعلمة اقترحت استقدام بعض الدعاة الإسلاميين ليحضروا في المدرسة بشكل منتظم، فوافقت المديرة، وبدأت هذه المحاضرات تجتذب التلميذات إليها نظرًا لتخصص الدعاة وقدراتهم التربوية «الإخوانية». ولم تكترث مديرة المدرسة بتحذيرات بعض زميلاتها من أن يشي أحدهم أو إحداهن بها في الوزارة، وقالت: إنني مستعدة لمواجهة أي مسئول طالما أن التلميذات يستمعن ويتفاعلن بإيجابية مع ما يقوله هؤلاء الدعاة وفيه حمايتهم من الانحراف.

وقبل عدة أيام جاءني شاب مراهق في بداية المرحلة الثانوية، وطلب إلي في خجل أن أستمع إليه وأدله على ما يفعله في علاقته بإحدى «صديقاته» من النادي، وقال الولد: إنه تعرف إلى «صديقته» أثناء لعبهما معًا كرة السلة، وإنهما يجلسان بعضهما مع بعض أو يتمشيان أحيانًا في طرقات النادي، وصارحني بأن صديقته الأصغر منه بعام أخذت يده في يدها، وأفهمته أنها من أسرة كانت تعيش في أمريكا حيث لا مانع من أي تطور في هذه العلاقة، واستمر الولد يحكي قائلًا: إن للبنت شقيقًا أكبر منه بعام وأنه يراه مع أخته ويلقي عليهما التحية!

وفي محاولتي لعدم فقدان ثقة الولد سايرته في الكلام حتى علمت أكثر أن والد البنت ووالدتها يريانه معها ويلقيان عليهما التحية أيضًا.

وفي مساء 5/ 11/ ۱۹۹۸م شاء القدر أن أحضر ندوة بأحد الأحزاب حول القضية الفلسطينية ومستقبلها بعدما تورط عرفات ورجاله فيما تورطوا فيه في «واي بلانتيشن»، وفوجئت بأحد المتحدثين يقدم نفسه بأنه «المعني» فيما نشرته مجلة «روز اليوسف» المصرية قبل ذلك بأسبوع حول «غزو المتطرفين لنوادي أولاد الذوات» على طريقة «غزوهم» لنقابات مصر، وحكى الرجل حكاية صدمة أولياء أمور نادي الزهور بمصر الجديدة بعد اكتشافهم أن بناتهم وأبناءهم يمارسون رقصة «ديسكو» معينة تلتصق فيها أجسادهم تمامًا، وفي داخل صالات النادي، ولأن هذه الرقصة مستفزة ومثيرة اعترض كثيرون من الآباء والأمهات على السماح بها داخل أروقة النادي العريق، ونجحت الجمعية العمومية في إصدار قرار بالأغلبية لمنع هذه الرقصة وتسمى DJ وأبدى الرجل أسفه وعجبه مما كتبته روز اليوسف وأقسم أنه ليس متطرف، ولا يعرف المتطرفين في النقابات أو غير النقابات. وبملاحظتي شخصيًّا لكلمته حول القضية الفلسطينية فهمت أنه رجل أقرب إلى العلمانيين، ولكن اتهم بشكل غير مباشر بكونه من الإخوان «إذ لم «يغز» النقابات سوى الإخوان».

وفي إحدى القرى المصرية التي جرى تأميم مساجدها ومنع خطباء معروفين بانتمائهم الفكري للإخوان من الخطابة تمامًا، يحدث أن خطباء الأوقاف أو الذين ترضى عنهم جهات معينة ينشغلون أحيانًا عن أداء واجبهم الوظيفي أيام الجمعة في إمامة الناس ويلجأ بعضهم إلى شباب الإخوان ليحلوا محلهم في إمامة المساجد.

وحكى صحفي مخضرم ممن لا يجيدون فنون التسلق من أجل المناصب أنه انشرح برغم حزنه الشخصي عندما ذهب يدفن جثمان والدته، وكان الرجل لم يذهب للقرية من قرابة عقدين من الزمن، ويقول: إنني ما إن وصلت إلى هناك حتى فوجئت بالشباب الملتزم يحيطني بترحيب ومساعدات كثيرة لأجل إتمام دفن الوالدة من الغسل إلى التكفين إلى صلاة الجنازة في المسجد وانتهاء بفتح المقبرة وتجهيزها لاستقبال المتوفاة ثم الدعاء لها، ويختتم في اندهاش: لم أكن أعرف أن هذا الخير موجود بهذا الحجم، فالقاهرة وضجيجها وخلافاتها وإعلامها غطت على وجود مثل هذا الشباب الفاعل للخير.

دلالات هذه الوقائع

في رأيي أن الدلالات الواضحة تدور حول:

- أن المجتمع المصري والشبابي على وجه التحديد يتعرض لمحاولات تدمير أخلاقي عاتية، صحيح أن تلك المحاولات لم تصبح ظاهرة ولكن ما نشاهده ونقرأه يمثل بالتأكيد نذرًا قوية لإمكان تحولها إلى ظاهرة، ومن أمثلة ما يقع بالإضافة إلى ما جاء في الوقائع القليلة المذكورة، الزواج العرفي، والاغتصاب، ومقدمات الزنا المتعددة، واعتداء الأبناء على الآباء والأمهات.

- إن أدوات التنشئة الاجتماعية الأخلاقية المعتادة سواء في البيت أو المدرسة ليست كافية أو غير موجودة بالمرة في أحيان كثيرة.

- إن العقل الجمعي أو المجتمعي الواعي يكتشف شيئًا فشيئًا أن هناك فئة قادرة على الاستيعاب الوقائي والعلاجي للشباب وتوجيههم إلى ساحة الإسلام باعتداله ووسطيته وأخلاقه الرفيعة.

وسواء كان هذا الاستيعاب يتم مبكرًا بحيث تتم الوقاية من الوقوع في براثن شياطين الإغواء العديدة، أو كان الاستيعاب علاجيًّا بتدارك الشباب قبيل السقوط، فالمؤكد أن الحركة الإسلامية المعتدلة تثبت كل يوم أنها مطلوبة لتؤدي دورًا اجتماعيًّا لا ينافسها فيه أحد.

نعم هناك محاولات رسمية وأهلية، ولكن الواقع يقول: إن معظمها غير ناجح، أو تدخل فيها الذاتية أو المصلحية و«الوجاهة»، ولا يلبث كثير منها أن يتوقف.

إن المرء ليسأل نفسه بكل أسى في هذا المقام: ترى إن لم تكن الحركة الإسلامية المعتدلة موجودة ونشطة -برغم التضييق- أين كان مصير آلاف الشباب المنتمي إليها؟ وأتذكر هنا عبادة الشيطان التي انزلق إليها بعض قليل من أبناء وبنات مصر، لأؤكد أن هؤلاء لو كانوا عرفوا الإخوان لما وقعوا فيما وقعوا فيه من زلل، وأي زلل؟

إذن الحركة الإسلامية مطالبة شعوريًّا ولا شعوريًّا من مجتمعها بأن تكون سياجًا وملاذًا لشباب الأمة.. رضي الخصوم أم أبوا.. فهل هي مستعدة لهذا الحمل الثقيل؟

 

الرابط المختصر :