; واجب الأمة في نصرة «غزة» | مجلة المجتمع

العنوان واجب الأمة في نصرة «غزة»

الكاتب د. مسعود صبري

تاريخ النشر السبت 17-يناير-2009

مشاهدات 68

نشر في العدد 1835

نشر في الصفحة 36

السبت 17-يناير-2009

د. يوسف القرضاوي: نصرة أهل غزة واجبة على المسلمين ولا يعذر من ذلك أحد.

د. عبد المجيد الزنداني: يجب فتح المجال أمام المتطوعين لمساندة المقاومة الفلسطينية. 

الفقهاء: الجهاد المالي وسيلة لدفع شر العدو وصد عدوانه فمن جهز غازيًا فقد غزا. 

د. عجيل النمشي: إخراج كل الزكاة إلى أهل غزة.. واجب شرعي.

د. على القره داغي: يجب على الدول المجاورة لفلسطين فتح حدودها حتى تتمكن الشعوب من القيام بواجبها. 

د. صلاح سلطان: واجبنا التبرع حتى يكتفي أهل غزة وأن نشارك في الضغط حتى تصل هذه الأموال إليهم. 

في ظل هذه الحرب المسعورة من الكيان الصهيوني الغاشم على جماعة من الأمة الإسلامية في «غزة» الصابرة ظهرت الشعوب بإيمانها القوي، وخطاها الرشيدة، وتجاوزت عجز الأنظمة الحاكمة وصمتها، وبدت الشعوب أقدر على التحريك، والحفاظ على هوية تلك الأمة قبل ضياعها، فساست نفسها لتعبر عن ولائها لهذا الدين، وأنها لن تتخلى عنه أبدًا، وتلاشت في الحرب الصهيونية الغاشمة كل محاولات إبعاد الأمة عن دينها، فصدق فيها قول القائل: «رب ضارة نافعة»، فقد أحيت الحرب الصهيونية على أهل غزة قلوبًا ماتت، فهي وإن قتلت عشرات فقد أحيت ملايين، وإذا نفض الحكام أيديهم عن نصرة الدين لاعتبارات لا دخل لها بالدين، بل هي سياسية محضة، فإن شعوب الأمة تسلمت راية القيادة ممن ولوهم ثم خذلوهم، ساعية إلى استجلاب نصر الله تعالى، واتباع أوامره والكفر بكل ما يخالف دين الله، وإعلان التبرؤ من العجز والخور.

وإن كانت قيادة الأمة السياسية تخلت، فإن قيادة الأمة الفكرية قامت بكثير من الأدوار، وأهمها ما قام به العلماء من بيان الواجب على الأمة ممثلة في شعوبها تجاه إخوانهم في غزة، وذلك من خلال عدد من الواجبات الشرعية، ومن أهمها:
إعلان الجهاد

الواجب الأول: إعلان الجهاد على الكيان الصهيوني: فمن واجب الأمة أن تقوم بالجهاد ضد الكيان الصهيوني الغاشم، مهما كلف الأمة من وقوع شهداء، وإن النظر إلى فلسفة كون الحرب يضيع فيها ضحايا، فتلك سنة الله في كونه، فقد أخبر ربنا أن الجهاد يرد الفساد في الأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ (251)﴾ (البقرة: 251)، بل تكاد تكون الآيات التي وردت في وجوب الجهاد تنطبق على المؤمنين في غزة، حيث قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ (39) ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج: 39: 40) 

وإن كان الفقهاء يرون أن الجهاد في حقيقته فرض كفاية، فقد رأوا أنه فرض عين إن عجز المجاهدون عن تحقيق دفع المضرة عن الأرض المغتصبة والأنفس المهلكة، وهذا ما حدا بعدد من العلماء المعاصرين أن يفتوا بوجوب إعلان الجهاد وأنه فرض عين على الأمة كلها.

وممن ذهب إلى هذا الشيخ الدكتور عبد المجيد الزنداني من كبار علماء اليمن، حيث قال: «الجهاد واجب على من نزل العدو في ساحته، فإن عجزوا أو قصروا وجب على من يليهم، حتى يشمل الوجوب كل المسلمين، ويصبح فرض عين على كل مسلم». وبين الزنداني الوسائل العملية التي يمكن من خلالها أن تجاهد الأمة وهي: فتح المجال أمام المتطوعين المساندة المقاومة الفلسطينية في وجه العدوان الصهيوني، وأن الكيان الصهيوني سيتوقف عن عدوانه إذا وجد الملايين يتطوعون لمحاربته، فإن عجزت الشعوب عن القتال، فلتجاهد بأموالها وترسلها لإخوانهم في غزة؛ لأنه ساعتها يكون هذا النوع من الجهاد هو المتيسر.

 كما أفتى الدكتور يوسف القرضاوي بأن نصرة أهل غزة في محنتهم واجبة على المسلمين كل حسب استطاعته، لا يعذر من ذلك أحد، وأن الأمة الإسلامية من «جاكرتا» إلى «الرباط» مطالبة شرعًا بالتضامن والدفاع عن «غزة»، وأن تقاوم العدو حتى ترده عنها مذمومًا مدحورًا، وأن هذا الواجب الشرعي لا يعفى منه أحد، ولا يتنازع فيه اثنان. 

ويذهب الدكتور علي محيي الدين القره داغي رئيس قسم الفقه بكلية الشريعة جامعة قطر إلى أن واجبنا أن ننفر للجهاد كل حسب طاقته وقدرته، كما قال الله تعالى ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (41) ﴾ وكما قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ (10) تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (11) ﴾ (الصف: 10: 11)

وممن أفتى بوجوب جهاد الكيان الصهيوني بغزة على كل فرد من أفراد الأمة الدكتور يحيى إسماعيل أستاذ علوم الحديث بجامعتي الأزهر والكويت وبنى فتواه على أن الجهاد وإن كان في أصله فرض كفاية فإنه يتحول إلى فرض عين في حالات أهمها: إذا تقاعس عنه أهله، أو عجزوا عن رد العدوان، ومثلها في هذا مثل ترك تكفين الموتى وإطفاء الحرائق وإنقاذ الغرقى، فلو تقاعس المتخصصون عن القيام بها، تحول فعلها إلى فرض عين يأثم العالمون بها والجاهلون عن تركها، فكذلك الجهاد الآن في غزة، لأن من مقتضى أن يكون الأمر فرض كفاية إن قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإن لم يقم بها البعض ينسجب وجوبه على الباقين. والحال الذي نحن فيه الآن هو حال فرائض الأعيان لا عذر المسلم في تعطيله أو التغاضي عنه، مثله مثل الصلاة والصيام وسائر الفروض، ودليل ذلك خطاب الله للجماعة المؤمنة: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ (123) ﴾ ( التوبة: 123).

 وتعويق الحكومات للجهاد لا يسقط عن الأمة فرضيته «لأن حظ السلطات والحكومات في قيام الأمة بالواجبات كلها لا يعدو أن يكون المعاونة على أداء هذه الفريضة، وليس لهم حق إسقاطها ولا منعها، لأن الحكومات نواب عن الأمة، والنائب لا يلغي حق الأصل، فالأمة هي الأصل في توجيه الأدوار الشرعية، واختيار الأنظمة والحكومات من باب الوسائل لإقامة الشرع فإذا انعدمت الوسيلة أو ضعفت انتقل الواجب إلى الأصل».

وإن كانت هناك شعوب ترى أنه من العقل ألا تدخل الدول العربية والإسلامية حربًا ضد الكيان الصهيوني حتى لا تكون هناك خسائر بشرية، فإن هذا المنطق مرفوض شرعًا؛ لأنه في الإسلام ليس هناك دم أرفع من دم، وليست هناك حياة إنسان مسلم أعلى قدرًا من حياة مسلم آخر، فالناس أمام الله سواسية، وكما قال ﷺ: «المسلمون تتكافًا دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويرد عليهم أقصاهم» (أخرجه ابن ماجه وغيره).
الواجب الثاني: الجهاد المالي: فإن كان العنوان العريض لواجب الشعوب تجاه الهجمة الصهيونية هي الجهاد، وأولها الجهاد القتالي، فإن من أنواع الجهاد الواجب لمن عجز عن الجهاد القتالي هو الجهاد المالي، لأنه وسيلة لدفع شر العدو وصد عدوانه فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: « من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» (رواه الطبراني، وأصله في البخاري). وقال أيضًا: «من جهز غازيًا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع» (رواه ابن ماجه). 

فمن الواجب على الأمة أن تنفق من أموالها وحر مالها ما تعين به إخوانها من المجاهدين في سبيل الله، وما يحتاجه أهل غزة حتى يداووا جرحاهم، ويطعموا جائعهم، ويكسوا عريانهم، فهذا أدنى الإيمان، وقد أفتى جماهير الفقهاء المعاصرين بهذا، بل رأى العلامة القرضاوي أن إخراج الزكاة لأهل فلسطين واجب شرعي؛ فيخرج أغنياء الأمة زكاة أموالهم، فإن لم تكف الزكاة كان واجبًا على الأمة أن تخرج أكثر من الزكاة حتى تكفي المجاهدين والمدنيين من أهل غزة. 

كما أفتت رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي التي يرأسها الدكتور عجيل النشمي بوجوب إخراج كل الزكاة إلى أهل غزة، وقالت - كما ورد في بيان لها: «إن أهل فلسطين قد استحقوا وجوبًا صدقاتكم وزكاة أموالكم بمصارفها الثمانية لما ترون بأعينكم وتسمعون.
كما أن قواعد الشرع ومقاصده، ونصوص فقهائنا متضافرة على وجوب نقل الزكاة من بلادنا إلى البلاد الأحوج، وإن أهل فلسطين هم الأحوج والأشد حاجة، وهم اليوم في جهاد وعلى ثغر، وفي رباط أرض باركها الله واختارها مسرى نبينا محمد ﷺ، وأنزل فيها آيات تتلى إلى يوم الدين يوم الجزاء، فليكتبنا الله وإياكم من المجاهدين على أرضها بما نبذل من مال ونصرة». 

كما رأي الدكتور صلاح الدين سلطان المستشار الشرعي لوزير الأوقاف بمملكة البحرين أن من وسائل النصرة البذل السخي الندي من الزكوات وأصل المال، فالواجب هو التبرع حتى يكتفي أهل غزة، وأن نشارك في الضغط حتى تصل هذه الأموال إليهم.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد، فكيف بأهل غزة وقد شردوا وقطعوا وقصفوا ودمرت بيوتهم وقتل أطفالهم؟!

فتح الحدود

الواجب الثالث: فتح الحدود مع فلسطين: وذلك أن فتح الحدود وسيلة من وسائل إيصال الدعم الذي تقوم به الأمة حكومات وشعوب، وكما يقول الفقهاء في حكومات وشعوب، وكما يقول الفقهاء قواعدهم: للوسائل حكم المقاصد»، فالواجب على الدول الإسلامية التي تجاوز فلسطين (مصر، الأردن، سورية، لبنان) أن تفتح حدودها، يقول الدكتور علي محيي الدين القره داغي: «يجب على الدول التي لها حدود مع فلسطين أن تفتح هذه الحدود للشعوب المسلمة لتقوم بواجبها إذا لم تستطع هذه الدول بنفسها أن تقوم بواجب الحماية لإخواننا في فلسطين». 

الرابط المختصر :