; وإن أطعتموهم إنكم لمشركون | مجلة المجتمع

العنوان وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1973

مشاهدات 81

نشر في العدد 140

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 06-مارس-1973

وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

الحلقة الأخيرة

الأستاذ محمد سلامة جبر

معني «لا إله إلا الله» لا موجودعلى الحقيقة إلا هو.. ما سواه فعدم من حيث الوجود من حيث نسبته إلى افتقار الموجودات إلى أسرار وجودها بأقل من.. سبحانه في أصل إيجادها، أصلا إلا بالله وهو معنى... «سبحانه وتعالى»،.. هذا المعنى لما رواه مسلم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ».

المعنى الثاني: أنه لا فعل أن من ذاته أصلًا، ولا على الحركة من جهته كان الفعل طبيعيًّا أو اختياريًّا، فلا فاعل في ..، ولا خالق لشيء سواه، في ذلك يذكر إجماع سلف الأمة... المعنى والذي تؤديه كلمة «لا قوة إلا بالله» التي هي «لا إله إلا الله».

معاني كلمة التوحيد:

«لا معبود إلا الله»

الثالث الذي سأبينه فيما يأتي، فأقول والله المستعان:

o «لا إله إلا الله» تعني أربعة أمور:

o الأول: لا نقدم الشعائر إلا له

o الثاني: لا مطاع إلا الله.

o الثالث: لا مسؤول إلا الله.

o الرابع: لا مرغوب ولا مرهوب إلا الله.

القضية الأولى فقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (سورة الكهف: 110).

ودليل القضية الثانية قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (سورة الأنعام: 121).

فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ يدل على أن طاعة غير الله في التشريع شرك ظاهر، وأنها عبادة لمن اتخذ مشرعًا من دون الله، ويدل لهذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (سورة يس: 60) ومعلوم أن هؤلاء ما عبدوا الشيطان بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له، ولكن بمعنى طاعته في معصية فكانت طاعته عبادة له.

ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما ذكره ابن كثير في تفسيره قال:

«وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (سورة الأنعام: 121) أي حيث عدلتم من أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالی: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة: 31) الآية.. وقد روی الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم: فقال: «بلى أنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» انتهى بنصه.

فإن قلت:

فهل نفهم هذا الأمر على إطلاقه؛ بحيث نحكم بكفر كل من أطاع غير الله في التحليل والتحريم أم أن لهذا الحكم ضوابط وقيودًا؟

أقول:

بل له ضوابط وقيود لا خلاف فيها والحمد لله.. فمن أطاع غير الله في الحكم والتشريع حال كونه:

1- مكذبًا لشرع الله.

2- أو معتقدًا أن شرع غير الله أكثر تحقيقًا للمصلحة من شرع الله.

3- أو مستهزئًا ساخرًا بحكم الله.

فقد كفر والعياذ بالله ولا أعلم خلافًا في هذا..

أما من اتبع غير الله، مؤمنًا بشرع الله، معتقدًا أنه أكثر تحقيقًا للمصلحة من شرع غير الله، غير ساخر به ولا مستهزئ، فذلك عاصٍ بقدر طاعته لغير الله وليس بكافر، ولا أعلم أيضًا لهذا الحكم مخالفًا والحمد لله إلا من قال بتكفير مرتكب الكبيرة من بعض طوائف المبتدعة في العصور الأولى.

فلو أن مسلمًا شرب الخمر علنًا محتميًّا بقانون وضعى يجعل من تناول المسكر عملًا مشروعًا، وهو يعتقد أن فعله هذا جريمة عند الله؛ لأن قانون العباد لا ينسخ قانون الإله، ولم يسخر من حكم الله في تحريمه الخمر، ولا اعتقد أن إباحتها أصلح للمجتمع من تحريمها.

فمن كان هذا شأنه فهر «مسلم فاسق» ولا نزيد.. أما إذا تابع غير الله في الحكم بقلبه واعتقد إباحة الجرائم التي أباحها القانون الوضعي - كالزنا والقمار وشرب الخمر - وفعلها على هذا المعتقد أو لم يفعلها فهو بمجرد اعتقاده خرج عن دائرة الإسلام لإنكاره ما علم من الدين بالضرورة ودخوله تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (سورة الأنعام: 121).

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورة الفاتحة: 5)

ودليل القضية الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم:

«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»

والمذموم هنا تعلق القلب بغير الله حين السؤال أو طلب المعونة، أما إذا استصحب قلبك كون المسؤول أو المستعان به من البشر مسخر لله ولا حول له ولا قوة إلا بالله، فهذا لا يناقض التوحيد ولا ينقص الإيمان إن شاء الله، غير أن هذه منزلة عليا ومقام رفيع قل من يصله من الناس فنسأل الله أن يمن علينا بفضله ورحمته آمين.

وسؤال غير الله والاستعانة به لا تخرج من حد الإيمان إلا إذا اعتقد السائل والمستعين أن المسؤول والمستعان به له تأثير في الفعل مستقل عن سلطان الله، ومثال ذلك، من يتوجه إلى الكواكب بطقوس سحرية معينة ليصل في زعمه إلى آثار تحدثها الكواكب استجابة لعمله، وكذلك من يمارس السحر مستعينًا بالشياطين ويتقرب إليهم يرضيهم عنه ليطيعوه فيما يطلبه منهم، فكل ذلك كفر ويخرج صاحبه عن كونه من المسلمين وصح عنه صلى الله عليه وسلم قوله «حد الساحر ضربه بالسيف».

أما دليل القضية الرابعة فقوله تعالى مثنيًا على أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 90).

ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعلني لك رغابًا لك رهابًا» ذلك أن الرغبة والرهبة كلتيهما إنما نتوجه بهما إلى من نعلم أن بيده ملكوت كل شيء وهو القاهر فوق عباده «واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كنيه الله عليك، رفعت الأفلام وجفت الصحف».

غير أن بلوغ الكمال في هذا المقام جد عسير لغلبة الجبلة البشرية وسلطان الضعف الفطري، فهؤلاء أصحاب الكهف الذين وصفهم سبحانه وتعالى يقوله: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى  وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (سورة الكهف: 13-14) هؤلاء الكرام البررة رضي الله عنهم فروا خوف الفتنة وقالوا يوصون أحدهم: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (سورة الكهف: 19-20).

والخوف هنا في الحقيقة هو خوف من الله، إذ يعلم المؤمن أن الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ (سورة الأنعام: 112) وأمر الخاتمة مخيف، فلا يعلم أحدنا بم يختم له، ولربما كشف البلاء عن مرض خفي ما كنا نعلمه، وإبليس لعنه الله كان يظن أنه من المقربين، وما كان يدري أن في خفايا نفسه الكبر والحسد حتى جاء البلاء بالأمر بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، فهناك افتضح، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون..

فحين يخاف المؤمن في هذه المواطن، فخوفه من الله في الحقيقة وهذا سر خوفه صلى الله عليه وسلم على مصير القلة المؤمنة في معركة بدر «اللهم أن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد اليوم، اللهم نصرك الذي وعدتنا» ذلك أن الذي غلب عليه صلى الله عليه وسلم في ذلك الموطن هو «عدم الأمن من مكر الله» بينما الذي غلب على قلبه في موطن آخر لا يقل خطورة عن موطن بدر هو «الثقة بوعد الله والاطمئنان إلى عنايته» فقال: ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (سورة التوبة: 40) وكذلك كان الشأن مع موسى عليه الصلاة والسلام في موقفين متشابهين، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ (سورة طه: 67) حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، وفي موطن آخر أعظم خطرًا مما سبق قال أصحاب موسى: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (سورة الشعراء: 62) ورسولنا وموسى عليهما الصلاة والسلام ما كانا في موطن الخوف أقل إيمانًا من موطن الثقة بوعد الله، حاشاهما من ذلك، ولكنها القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، فمرة يغلب على قلب عبده النقة بوعده، وأخرى يغلب عليه الخوف من مكره، ومرد ذلك إلى الله ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل: 74) فنسأل الله الثبات على الحق، والعزيمة في الرشد.

وبعد:

فهذه بعض معاني «لا إله إلا الله» أحببت أن أختتم بها السلسلة كما بدأتها بها من حيث إنها الغاية، ولتكتمل بها الدائرة، وإدراك تلك المعاني حتم لطالب الكمال، أما من رضى من الدرجات بالدني، فحسيه أن يعلم ظاهر معناها ولا يكلف الله نفسًا إلا ما أتاها.

ورب قائل يقول:

ما ذكرته في السلسلة، من بيان الغاية والوسيلة، أأنت بصحته جازم؟ وبلزومه محتم..؟ أم هو رأي أرتايه، وسبيل خططته، ولست من سلامته على يقين، ومن لزوم اتباعه من المؤكدين..؟

فأقول:

بل من سلامته على يقين، ومن لزوم اتباعه من المؤكدين، ﴿ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (سورة الأنعام: 80) فليس لي أن أقرر أمرًا لست منه على يقين إلا أن أنص على ذلك، ولا أزعم أني أتيت بجديد حتى ألمس الموافقة من جديد، ولكن ربما بدا القديم جديدًا حين ينسى ثم يذكر، والحق واحد لا يتعدد ولا يتغير، وإذا أراد الله نصر دينه وإعلاء كلمته ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (سورة المائدة: 54) والمتتبع لتاريخ الدعوة الإسلامية يرى فيه تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9) وقوله سبحانه ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف: 8) فعلى نفسك يا أخي فاجزع، ومن خوف النكوص فافزع، فللبيت رب يحميه، ويختار سبحانه من ارتضى من عباده فيدنيه ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (سورة محمد: 38) فنسأل الله أن يمن علينا بالقبول، وأن يدخلنا بفضله ورحمته في عباده الصالحين وأن يمتعنا بعفوه وعافيته في الدنيا والآخرة، فلسنا على بلائه بقادرين، والله حسبنا ونعم الوكيل.

الرابط المختصر :