العنوان وأين العقل والمنطق؟!
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 89
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
بعض الناس لا تنفع معهم الآيات والأحاديث لإقناعهم وإزالة ما علق بأذهانهم من تهم وشبهات، ولذلك لابد من استخدام أساليب أخرى، ومن هذه الأساليب الإقناع والإفحام بالعقل والمنطق.
روي أن حصين الخزاعي لما جاء إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم مبعوثًا من قبل قريش قال للنبي- صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك تسب آلهتنا وتسفه أحلامنا لقد كان أبوك حصينة وخيرًا.
فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم: «يا حصين: دع عنك هذه، إن أبي وأباك في النار، يا حصين كم إلهًا تبعد؟» قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء.
فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم: «إذا أصابك المرض فمن الذي تدعو؟» قال: الذي في السماء.
فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم: «إذا أصابك الجوع والفقر فمن الذي تدعو؟» قال: الذي في السماء.
فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم: «فيستجيب لك وحده وتشرك معه غيره»!!
وهنا تنبيه حصين واقتنع بالعقل والمنطق بما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- ثم عرض عليه الرسول- صلى الله عليه وسلم- الإسلام، فأسلم.
ولقد انتقد أبو العلاء المعري الشريعة الإسلامية فقال: كيف تحكم الشريعة الإسلامية على من يسرق ربع دينار بقطع يده، في حين أن دية اليد في الشريعة الإسلامية خمسمائة دينار؟! فقال مبينًا هذه الشبهة:
يد بخمس مئين عسجد وديت |
| ما بالها قطعت في ربع دينار |
فرد عليه عبد الوهاب المالكي بالحجة والمنطق فقال:
قل للمعري عار أيما عار |
| جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار |
وسأل رجل ولدًا صغيرًا ذكيًّا فقال له: من الذي قبل الله، فأجابه الولد: عد من الواحد إلى العشرة لأجيبك، فلما ابتدأ الرجل يعد، قال له الولد: ماذا قبل الواحد؟ فما استطاع الرجل أن يجيب، فأجابه الولد الذكي، قل: الله الأول والآخر، ليس قبله شيء، ولا بعده شيء، فسر الرجل من ذكائه، ومدحه على تقواه.
وسئل الإمام علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- فقيل له: كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم؟ فقال: كما يرزقهم على كثرة عددهم.
وروي أن رجلًا من المسلمين كانت عنده شبهة على عثمان بن عفان- رضي الله عنه-، إذ كان يتهمه بأنه يهودي، وحاول المسلمون أن يقنعوه أن عثمان مسلم، فما استطاعوا أن يزيلوا هذه الشبهة من رأسه، فجاء له الإمام أبو حنيفة فقال له: جئتك خاطبًا، قال: من؟ فقال: ابنتك، قال: لمن؟ فقال: لرجل شريف، عفيف، صالح، منفق، كريم، صوام النهار، قوام الليل، قال الرجل: فيما دون ذلك مقنع.
فقال أبو حنيفة: لكن فيه عيب واحد، قال الرجل: وما هو؟ فقال أبو حنيفة: إنه يهودي، قال الرجل: يغفر الله لك يا أبا حنيفة، أتريد أن أزوج ابنتي من يهودي؟!! فقال أبو حنيفة: نعم، لقد زوج الرسول- صلى الله عليه وسلم- ابنتيه من يهودي وهو عثمان، فانتبه الرجل واقتنع، وقال: أستغفر الله، إن عثمان مسلم وليس يهوديًّا.
ويروى كذلك أن بعض الزنادقة جاؤوا إلى أبي حنيفة يسألونه عن وجود الله، فقال له: دعوني فإني مفكر في أمر أخبرت عنه، قالوا: ما هو؟ قال: أخبرت أن سفينة في البحر موقرة، تخترق الأمواج، تذهب وتجئ دون قائد ولا حارس، قال الزنادقة، من يقول هذا؟! لا يقول هذا لا مجنون.
فقال أبو حنيفة: إذا كان سفينة لا تستطيع أن تسير في البحر دون حارس أو قائد، فما بالكم بهذه السماوات وهذه الأرض وهذه البحار وهذا الكون أيسير دون قائد أو حارس!! فانتبه الزنادقة وعادوا إلى ربهم، وشهدوا ألا إله إلا الله.
إن علينا أن نتعلم فنون الحوار والإقناع، إذ كم من فكر منحرف انتشر بذكاء أصحابه وقدرتهم على الإقناع ومحاورة الخصوم واللف والدوران، وكم من حق ضاع لأن أصحابه عجزوا عن محاورة الآخرين وإقناعهم وإزالة ما علق في أذهانهم من شبه.
إن تعرف الحق والإيمان به لا يكفيان، وإنما يحتاج إلى تعلم فن إيصاله إلى الآخرين وإلا سيبقى هذا الحق حبيس صدور الصالحين فحسب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل