العنوان وأحيانًا على بكر أخينا.. إذا ما لم نجد إلا أخانا..!!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1977
مشاهدات 81
نشر في العدد 360
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-يوليو-1977
الحرب الفاجرة التي اندلعت بين مصر وليبيا هل هي نموذج من مهمات الجيوش العربية في المستقبل؟
هل هي «رسالة» العسكر العربي «بعد أن تسكت المدافع».. وبعد أن يتم «السلام العادل والدائم» بين العدو وبين الذين يجرون وراءه ويحلمون بتحقيقه؟
هل هي «مقدمة دموية» لتطبيق إجراءات منح الكيان الصهيوني شرعية الوجود وشرعية الاحتلال، وشرعية الانفتاح على الوطن العربي وشرعية كبت أي صوت يحاول أن يقول: لا؟
لا ننكر أن الخصام يقع بين الإخوة، وبين الأشقاء، وأبناء العم، وذوي الأرحام، لكن الخصام حين يتحول إلى حرب دموية يفتح المجال لسؤال عميق ومحرج هو:
كيف يرتب بعض العرب عداواتهم؟
إذا افترضوا أن بلدًا عربيًا أصبح في قائمة الأعداء، ففي أي مرتبة يضعون ذلك البلد العربي؟
أيأتي - في الترتيب - قبل الكيان الصهيوني؟
إن كانت الإجابة «نعم»، فهي إجابة تعبر عن الجنون والنزوة المفرطة في النزق، تعبر عن فقدان المعايير والرؤية السياسية الحصيفة.
فالرشد السياسي يقضي - حتى تتحرر الأرض المحتلة على الأقل - بأن نعتبر «الخلافات» بين البلدان العربية، إنما هي خلافات أنظمة، أو وجهات نظر، أو حتى تناقض في التصورات الاستراتيجية.
وكل ذلك ينبغي أن يحصر في نطاقه، لأن تجاوز هذا النطاق عمل لا يقدم عليه من يملك «الرشد السياسي».
وإن كانت الإجابة: «لا». أي أنه مهما بلغت الخلافات العربية فإن الأمر المتفق عليه هو: أن الكيان الصهيوني هو العدو الأول المشترك لكل العرب.
وإذن لماذا التخطي والقفز وقلب المعايير؟
لماذا نترك العدو الأول في مأمن، ثم ننخرط بغباء منفر - في حرب مخبولة مع بلد عربي وكيف تشهد بالإخلاص الوطني لأناس يسعون للسلام مع العدو الحقيقي في نفس الوقت الذي يحاربون فيه أنفسهم وأهليهم؟
إنها حرب النزوة والنزق.
لا مصلحة – أبدًا - للشعوب فيها، فالشعب الليبي لم يفوض قادته في حرب مصر، ولا الشعب المصري فوض قادته في شن حرب ضد ليبيا.
إنها حرب في خدمة الإرهابي الصهيوني مناحم بيغن، فالمكاسب السياسية تأتي - في العادة - من مصدرين:
- المصدر الأول: الجهد الذاتي، سواء بذل في شن حرب، أو في مناورة سياسية.
- المصدر الثاني: جهد العدو، بمعنى أن الجبهة المعادية تنقسم على نفسها، وتشعل حروبًا داخل بيتها، فتضعف وينحل تماسكها، وتهدر إمكاناتها.
وهذه هي الخدمة التي قدمها عرب من العرب إلى الإرهابي بيغن.
- السلاح الذي دمر - في الحرب المصرية - الليبية - وهو سلاح عربي يجب أن يدخر للمواجهة مع العدو، هذا السلاح المدمر.. خدمة مقدمة لمناحم بيغن، لأن العرب فعلوا ما يريد هو فعله.
- والجنود والضباط الذين قتلوا - في الحرب الفاجرة - كان قتلهم خدمة لمناحم بيغن، فهو يريد أن يضرب القوة البشرية - المسلحة بالذات - في الوطن العربي. ولقد خفف العرب عنه – بغبائهم - هذا العبء.
- وتحويل العداوة المعنوية والنفسية، خدمة لمناحم بيغن.
وهذا أمر جد مهم.
أن يتم تحويل العداوة المعنوية والنفسية، وإن توجه إلى بلد أو إلى شعب عربي، بدلًا من أن توجه إلى الكيان الصهيوني.
إن ضرب شعب عربي يقتضي - بالمنطق العسكري - إجراء عمليات نفسية وفكرية تقنع الضباط والجنود بوجاهة ضرب ذلك الشعب.
وبما أن الاقناع ليس متعلقًا بخوض مباراة في كرة القدم، بل متعلق بخوض حرب جدية.
فإن عوامل الإقناع هي: بث الكراهية، وشحن الصدور بالأحقاد، وتصوير الشعب المضروب بأنه عدو وحشي للشعب الضارب.
هذا التوجيه الضال للقوي المعنوية والنفسية.. خدمة كبرى لمناحم بيغن، لأن تفريغ الكراهية في بلد عربي، يحميه ويعفيه من صب تلك الكراهية عليه، وعلى كيانه الصهيوني.
وهذه الحرب سابقة ينبغي أن تنتبه إليها كل دولة عربية، خاصة الدول ذات الحجم الصغير.
سابقة تفتح مجال الاحتلال والغزو، من قبل الأعراب أنفسهم
وأحيانًا على بكر أخينا.. إذا ما لم نجد إلا أخانا.
ومن هنا أبدى كثير من المراقبين والمحللين السياسيين دهشتهم ذهولهم من سكوت الدول العربية وصمتها.
لا تحرك قوي وفعال في داخل الجامعة العربية.
ولا تحرك قوي وسريع وفعال على مستوى ثنائي، أو ثلاثي، أو رباعي، أو أحادي.
وباستثناء المحاولات التي يبذلها ياسر عرفات فإن الصمت المخيف يلف الوطن العربي كله.
فماذا هناك؟
وهذه الحرب لا تفصل عن ظروفها، ولا عن الصراعات الدائرة في شمال أفريقيا «الجزائر- المغرب - ليبيا – موريتانيا» وفي زائير.
وفي تشاد «دعم النظام الظالم الذي يظلم الأكثرية المسلمة.. وتخذيل هذه الأكثرية».
وفي الحدود الإثيوبية - الصومالية.
إنه صراع حاد وحار، ولا ندري لماذا نكون نحن أدواته؟
والمشتركون في الحرب قد يصلون إلى مصالحة أو هدنة، لكن الشيء المخيف قد حصل فعلًا.
ولكي لا يحدث ذلك مرة أخرى.. يجب:
أولًا: هز جامعة الدول العربية من أعماقها. وطرد الطاقم الفاشل وتغيير ميثاقها الهش، ففي كل أزمة أثبتت هذه الجامعة انحيازها أو فشلها وتخلفها.. في الصحراء الغربية.. وفي لبنان.. وفي عمان.. وفي اليمن.. وفي الخلاف بين مصر وليبيا.
ثانيًا: بنيان الجامعة من جديد، بميثاق جديد.. وقيادات جديدة.
ثالثًا: إحياء مجلس الدفاع العربي ومنحه صلاحيات التدخل لحسم الحروب بين الدول العربية«!!»
وهذا كله يحتاج إلى وقت.
أما الشيء العاجل فهو إنشاء حلف يسمى «حلف الفضول» يدخل فيه كافة العرب من أجل حقن الدماء، وصيانة الحرمات.
إن عرب الجاهلية فعلوا ذلك، وأنشأوا حلفًا بنفس الاسم يحقق نفس الأهداف.
فهل عرب اليوم أقل تقدمية من عرب الجاهلية؟
لقد تداعت القبائل - من قبل - في دار عبد الله بن جدعان، واشترك ممثلون عن بني هاشم، وبنى المطلب، وبني أسد ابن عبد العزى وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، في هذا الحلف.
وكان من مواد الحلف وبنود: «نتحالف ونتعاقد على ألا نجد بمكة مظلومًا من أهلها، أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على ظلمه، حتى ترد مظلمته».
ألا يمكن أن تتداعى القبائل المعاصرة وتفعل مثل ذلك؟
إنه حلف أثنى عليه الرسول فقال: «لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان شهدت ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل