العنوان وأثمر الغراس الطيب
الكاتب صادق عبدالله عبدالماجد
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1977
مشاهدات 92
نشر في العدد 344
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 05-أبريل-1977
أحسست في أعماقي بالفخر والاعتزاز، وبالنشوة الغامرة تملأ نفسي، وأنا أقرأ العبارة القوية المشوبة بالعزة والانتصار، في مقدمة خطاب ممثل بنك دبي الإسلامي أمام المساهمين وهو يقول: «فلتشهد الدنيا وليشهد العالم أجمع أننا ما قمنا بهذا العمل، إلا طاعة لأمر الله تعالى وابتغاء لمرضاته».
قالها وهو يقدم أول موازنة لمصرف قام على طاعة الله وامتثالًا لأوامره، فجاءت أرباحه التي بارك الله فيها، نقية زكية حلالًا طيبًا وبارك في وقتها فإذا هي ثمار عامين إلا قليلًا هي عمر هذا الصرح الذي برز شامخًا، وبدأ في كل إنجازاته قويًا ثابتًا واثقًا، وقام أساسه منذ لحظته الأولى على الطهارة والنقاء والتقوى، فلازمته البركة من أول يوم، وحالفه التوفيق الدائم في كل عمل قام به وأنجزه، حتى جاءت منجزاته وأرباحه خلال هذا الأمد القصير أمرًا يدعو إلى الحيرة والعجب عند المتشككين، وإلى اليقين الثابت في قول الله عند المؤمنين ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. (آل عمران: 179). ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. (التوبة: 109) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. (البقرة: 276) ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.(سورة البقرة: 275)، صدق الله العظيم.
ولئن قلنا بأن البنك الإسلامي إنما هو تجربة ناجحة في تاريخنا المعاصر فذلك من باب الإيضاح فحسب، ولكنها الحقيقة الثابتة التي ما كان يخامرنا الشك في يقين نجاحها وثمارها المباركة التي أنبتت شجرتها الطيبة يد الله تعالى، فآتت ثمارها وأكلها بإذن ربها حلالًا طيبًا.
وهذا التوفيق الذي لازم هذه المؤسسة الإسلامية المباركة التي استجابت لداعي الله في استقامة الطريق الذي سلكته وفي طهر التعامل أخذًا وعطاء، هذا التوفيق هو مآل ومصير كل عمل يقصد به وجه الله ويقوم وفقًا لمرضاته، وتنفيذًا لأوامره: إذا ما اقترن بصدق النية وطهارة القصد، ولعل مما يثلج صدر كل مخلص، تلك الاستجابة الطيبة التي برزت في بعض الدول العربية بقصد إنشاء هذه البنوك الإسلامية بها.
ففي الكويت صدر مرسوم بإنشاء شركة بيت التمويل الكويتي، وهو طبقًا لأهدافه ووسائله المعلنة، لا يختلف في قليل أو كثير عن البنك الإسلامي.
فليست العبرة في أسماء هذه المؤسسات بقدر ما هي اتحاد غاياتها ووسائلها.
وفي الأردن بدأت الدلائل تشير إلى أنه لن يمضي وقت حتى يبدأ الأردن في تشييد هذا الصرح العتيد وأن الدراسة التي قدمها مجلس المنظمات والجمعيات الإسلامية هناك، لأبلغ دليل على صدق النية في قيام البنك الإسلامي بها ليقف الى جانب البنوك الإسلامية في دبي والكويت والقاهرة.
إن العالم الإسلامي وبإعلان النجاح المذهل الذي حقق أرقامًا فوق القياسية في أرباح بنك دبي الإسلامي، ليقف اليوم على أعتاب فجر جديد في مسار اقتصاده الربوي المرتبط في تبعية مذهلة بالاقتصاد الغربي الحائر المضطرب الوشيك السقوط.. فقد ابتلينا طوال هذا القرن من الزمان بنظام مصرفي واقتصادي فاسد لم نكن نحن في العالم العربي كله طرفا فيه.. بل كنا غرضًا يرمى، ضعافًا مستهدفين من كل شذاذ الآفاق وقراصنة الشعوب ففتحنا أعيننا على أوضاع اقتصادية لم نكن نملك تغييرها، حتى بعد استقلالنا جميعًا. فظللنا- وما زلنا- أسارى مأخوذين بعقدة الخضوع السالفة لا نملك أمر التغيير في أوضاعنا تلك. انتظارا لإشارة تأتينا من الغرب. تؤذن بالسير في هذا الاتجاه أو ذاك!!
لكن الواقع في تقدير شعوب هذه المنطقة كلها.
يؤكد تصميمها على إكمال استقلالها بتحرير اقتصادها من الغرب.. وأول إشارة خضراء في هذا الطريق الجديد هي هذا النجاح الكبير الذي حققته التجربة المصرفية الرائدة في بنك دبي الإسلامي.. وتأتي الخطوة التالية بتطبيق وتعميم هذا النظام على المصارف القائمة وفقًا لخطة مدروسة تؤمن نتائج هذا التحول وتدرأ آثاره. في العلاقات المالية والتجارية والاقتصادية القائمة.
وحين تتم هذه الخطوة في الكويت أو في دبي أو في أية دولة عربية نفطية، يومذاك تبدأ حركة عمليات الأرصدة العربية في مصارف أوروبا وأمريكا، تأخذ اتجاهها الحقيقي السليم راجعة إلى قواعدها التي «طارت» منها، ولا تزال «طائرة» في حركة انتقال سريع غامض بين مختلف المصارف الأوروبية التي يسهم اليهود في كثير منها.. وفي ألوان من الاستثمارات لا يعلمها إلا الله وحده!! وفي قروض مشبوهة لا يعلم أحد كيف ومتى وإلى أين تذهب!!
إن بنك دبي الإسلامي، قد أعطى الشارة الخضراء للمسؤولين العرب.
وستظل هذه الشارة الخضراء وحدها تضيء بالليل وبالنهار إذ ليس في الطريق شارة غيرها.. إنها تعلن للجميع بأن الطريق آمنة مطمئنة وأنه حيث توجد الشارات الحمراء والصفراء بجانب الخضراء، فذلك يعني بأن الخطر موجود وأنه قد يداهم السائرين في أية ساعة. فلنحرص على أن يظل الضوء الأخضر وحده حارسًا يقظًا مضيئًا على طول الطريق..!
الهيئات والجمعيات الإسلامية أمام واجبها ومسئولياتها
الكلمة التي ننشرها في هذا العدد عن «المصور القاهرية»، نهديها بدورنا إلى رابطة العالم الإسلامي، وإلى كل العاملين على نشر الإسلام.. إنها استغاثة واستنجاد من إخوة لنا في الإسلام، عبر صحيفة أرسلت هي تبحث عن الحقيقة في بلد تبلغ نسبة المسلمين فيه ٧٠٪ وقعدنا نحن بعيدًا عنهم نذرف الدموع ونستمطر عليهم الرحمة، ونرفع لهم من منابر الجمعة كل أسبوع أكف الضراعة سائلين الله أن ينصر الإسلام والمسلمين!! إن الدعاء الخالص، والعمل المصحوب بالنية الصادقة الخالية من كل شائبة هي التي توصلنا بعلم الله ومشيئته إلى النصر المنشود..
فالأخذ بالأسباب أولًا، بإعداد العدة لكل أمر قائم أو متوقع، هو مناط الحقيقة في الانتصار.. هو نقطة البدء في الهجوم أو في الدفاع..
وما دمنا في معركة لا تنطفئ نارها ولا تغمض لأعدائنا فيها عيون، فلنسأل أنفسنا في صدق أين نحن من هذه المعركة؟!
وهنا أتوجه بالحديث إلى كل الهيئات والجمعيات التي نذرت نفسها للعمل من أجل الإسلام، وصد العدوان عنه، وسد الثغور فيه، بل فتح الطريق أمامه ليؤدي عمله، ويغدق خيره على القلوب الظامئة في كل مكان.. أسائلهم في صدق الناصح، وصراحة المشفق، وشجاعة الخائف من سؤال يومئذ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. أسائلهم إن كانوا حقًا على استعداد لمواجهة الله لهم بالسؤال عن واجب الأمانة التي حملوها، ونذروا أنفسهم لتحقيقها، وأمدهم الله فيها بنعمائه أموالًا بلا حساب وطاقات بشرية لا يعلم مداها إلا هو.
إنني لا أفترض في مجال عمل هذه الجماعات والهيئات، إلا التقصير، فإن هي ظنت في نفسها بأنها قد فعلت كل ما يجب عليها فذلك تزكية للنفس نهى الإسلام عنها: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾.
إن كثيرًا من هذه الهيئات والجمعيات وعلى رأسها رابطة العالم الإسلامي، بحاجة إلى مراجعة حسابها مع نفسها، وليس في ذلك عيب، وبحاجة إلى تجديد نشاطها وطاقاتها بالشباب المؤمن المتوثب، وما أكثرهم في الساحة، وبحاجة إلى وضع برامج مدروسة، وأموال في سبيل الله مرصودة، وإلى نظرة أكثر شمولًا على خارطة العالم، وبحاجة إلى تذليل الصعاب والعوائق «والفرامل» من طريقها وفي داخل كيانها ومن حولها.. بحاجة إلى أن نسمع. فنرى المشروعات الإسلامية الشامخة تغمر الأرض على يد جنودها ورسلها ومؤتمرات العمل الإسلامية المغلقة المحفوظة الأسرار، تنعقد هنا وهناك في صدق وتجرد وحيوية، تدرس وتخطط فتنفذ، بحاجة إلى تكوين «مجلس أعلى للجمعيات والهيئات الإسلامية العالمية» لتكون له القيادة والريادة والسيادة، في برنامج عمل إسلامي شامل يتم بتنفيذه على مراحل زمنية ومكانية محددة.
إنه والله، لمن العار أن ينشر القاديانيون وغيرهم من الضالين المضلين برامجهم ومشروعاتهم وأن يعقدوا مؤتمراتهم التي بلغ عمر بعضها ثمانين عامًا، وأن يرصدوا لذلك ملايين الدولارات ثم تأتي هيئاتنا الإسلامية، تدبج المقالات، وتنشر الرسائل فحسب، ظنا بأن ذلك سوف يوقف المد المنحرف والضلال المدعوم.
وإنني والله، ليعروني الخجل، وتملأني الحسرة والألم، حين أستمع إلى مطالب إخواننا المسلمين في نيجيريا. وكأنهم يطلبون المستحيل وهو في الحقيقة من أبجديات الواجبات الملقاة على الروابط والجمعيات.. إنهم يطلبون الدعاة الذين يعلمونهم دينهم.. وينتظرون المصاحف مع التفسير وترجمة معاني القرآن إلى لغاتهم الأفريقية، في الوقت الذي وضعت فيه القاديانية مشروعًا لترجمة معاني القرآن إلى مائة لغة!! فاعجبوا إن كان للعجب نهاية!!
إنهم في نيجيريا، وكم لهم من أشباه في مختلف نواحي الأرض، إنهم يطلبون «الكاسيت» مملوءًا بالمصحف المرتل، بعد أن ضاقت عليهم أنفسهم وأرضهم بملايين «الأشرطة» المملوءة بالغثاء وبالسموم الفواتك!!
إنهم يطلبون الكتب والرسائل المبسطة التي تقرب إليهم الإسلام في شموله وكماله.. وينتظرون العالم اللبق الحاذق الذي يعرف نفسيات المخاطبين، ويحترم عقول السامعين بكل مستوياتهم.
إنهم في نيجيريا يحسون بالخطر المحدق، وبالتيارات الجادة النشطة التي تعمل في غير كلل ضمن الإسلام والمسلمين، ليخرجوهم عن دينهم إن استطاعوا.
إنهم يطلبون القليل.. القليل الذي يكفي لتنفيذه أسبوع واحد.. وإذا بكل طلب مستجاب، إن كانت الجماعات العاملة للإسلام حقًا تنطلق من استراتيجية محددة نابعة في أصولها وفروعها من مبادئ الإسلام.
وحين تصدق النيات فإن أصحابها بعون الله وقدرته يصنعون ما يشبه المعجزات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل